تحل اليوم الذكرى الـ 27 لعقد مؤتمر القمة الأول لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في العاصمة الإماراتية أبوظبي في العام 1981، في أجواء عامرة بالآمال في أن تتمكن هذه المنظمة العربية التي تعتبر انجح التجمعات العربية من تمهيد الطريق أمام الوحدة الاقتصادية بعدما قطعت أشواطاً في الاتحاد الجمركي وحولت الأسواق الخليجية الست إلى سوق موحدة منذ اليوم الأول للعام 2008.
استطاعت دول الخليج العربي في بداية الثمانينات أن تحقق نقلة سياسية نوعية تهدف إلى تعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية بينها في ضوء تطورات إقليمية خطرة عرفتها المنطقة في تلك الفترة استدعت التكاتف وإعادة ترتيب الحسابات الإستراتيجية والأمنية. وهكذا اتفق قادة الدول الست: الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة عمان والبحرين وقطر على إقامة المجلس.
وكانت الجلسة الأولى التأسيسية في عاصمة زايد عاصمة الإمارات حيث صودق على النظام الأساسي لمجلس التعاون، واتفق على تشكيل هيئة لتسوية المنازعات، والنظام الداخلي لكل من المجلس الأعلى والمجلس الوزاري وتشكيل لجان مشتركة لتعزيز التعاون في شتى المجالات. ومنذ ذلك الحين مضى المجلس بوتائر دفع متباينة، فمع 28 قمة كانت النتائج وفق توقعات الشعوب أحياناً ودونها أحياناً وهو ما يقر القادة به، مع أن المجلس هو الوحيد بين محاولات عدة وكيانات متعددة عربية الذي حافظ على وجوده وانتظمت اجتماعاته في أحلك الظروف.
وسعى القادة طوال العقود الثلاثة الماضية إلى تعزيز التعاون والتنسيق والتكامل بين الدول الأعضاء في كل المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. فوسعوا دائرة المتابعة والتشاور مرتين في السنة: الأولى القمة الدورية والثانية القمة التشاورية لاتخاذ كل القرارات التي يتطلع إليها المواطن الخليجي وتنسيق القرار السياسي تجاه القضايا العربية والدولية والظروف بالغة الدقة لتوحيد المرئيات تجاه التحولات والمتغيرات السياسية والاقتصادية في العالم، وتذليلاً للعقبات التي تعترض الاندماج الاقتصادي الكامل.
وكما كانت الانطلاقة الأولى من أبوظبي كانت الدفعة الجديدة التي تمثلت في الاتفاق القمة التشاورية النصف سنوية من أبوظبي أيضاً في العام 1998.
تزاحم ملفات
وفيما كان الهاجس الأمني أحد بواعث ولادة هذا التجمع، وإن طغى عليه الإنجاز الاقتصادي، كان طبيعياً أن ينعكس هذا الإحساس، بل القناعة، في النظام الأساسي لتجمعهم حيث أكدوا على رفضهم المطلق لأي تدخل أجنبي في المنطقة وطالبوا بضرورة إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية، وأيدوا الجهود المبذولة وقتها لوقف الحرب العراقية الإيرانية في حينه.
وبحث المجلس التعاون العسكري وقرر دعوة وزراء الدفاع للاجتماع لتحديد الأولويات التي تحتاجها دول المجلس من أجل تأمين استقلالها وسيادتها. وأقرت الدورة الثالثة للمجلس الأعلى التي عقدت في المنامة في نوفمبر 1982 توصيات وزراء الدفاع الهادفة إلى بناء القوة الذاتية للدول الأعضاء والتنسيق بينها بما يحقق اعتمادها على نفسها في حماية أمنها والحفاظ على استقرارها. ووافقت على طلب وزراء الداخلية باستكمال الدراسة حول الاتفاقية الأمنية الشاملة.
لكن التوحيد العسكري تعثر في ضوء تباين في وجهات النظر حيال طبيعة ومهام قوات درع الجزيرة التي كانت خارج الإطار العملياتي إبان أزمة الاحتلال العراقي للكويت لتتراجع أهميتها بعدها.
ومع بطء التقدم في الجانب العسكري، كان المجال أرحب في الجانب الاقتصادي حيث أقر المجلس الأعلى سريعاً (في الرياض في نوفمبر 1981) الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، وتقرر توسيع دائرة النشاطات الاقتصادية التي تسمح لمواطني كل دولة من الدول الأعضاء ممارستها بالدول الأعضاء اعتباراً من أول مارس 1984.
وتتالت القرارات الداعمة لهذا التوجه عبر الدورة السابعة للمجلس الأعلى التي عقدت في أبوظبي في العام 1986 والتي وافقت على عدد من القرارات المهمة التي تستهدف تحقيق المواطنة الخليجية في الأنشطة التجارية والاقتصادية.
حيث تقرر السماح للمستثمرين من مواطني دول المجلس بالحصول على قروض من بنوك وصناديق التنمية الصناعية في الدول الأعضاء ومساواتهم بالمستثمر الوطني من حيث الأهلية وفقا للضوابط التي أقرت اعتباراً من أول مارس 1987 وكذلك السماح لمواطني دول المجلس بممارسة تجارتي التجزئة والجملة في أية دولة عضو ومساواتهم بمواطني الدولة وفقا للضوابط التي أقرت اعتباراً من مارس 1987 بالنسبة لتجارة التجزئة ومن أول مارس 1990 بالنسبة لتجارة الجملة. ووافق المجلس الأعلى على ميثاق الشرف الإعلامي لدول المجلس وعلى ضوابط الإعلام الخارجي كأساس موحد للسياسة الإعلامية.
وفي الدورة التالية وافق القادة على السماح لمواطني دول المجلس بتملك أسهم شركات المساهمة المشتركة والجديدة العاملة في الأنشطة الاقتصادية ومساواة مواطني دول المجلس في المعاملة الضريبية.
وبلغ الطموح الخليجي الذروة مع انعقاد الدورة العاشرة للمجلس الأعلى في مسقط في ديسمبر 1989 مع إقرار القادة استكمال الخطوات المناسبة لتنفيذ ما تبقى من خطوات نحو السوق الخليجية الموحدة.
وبعد تجاوز القلق الأمني الذي أفرزته تداعيات الغزو العراقي لدولة الكويت تراجعت ملفات التعاون والتكامل الاقتصادي أمام الملفات المنية والعسكرية حتى العام 1999 فقي العاصمة السعودية التي أعادت الروح إلى التكامل الاقتصادي عبر الاتفاق على قيام الاتحاد الجمركي وتطبيق التعرفة الجمركية الموحدة.
وفي العام التالي اعتمدت القمة الاتفاقية الاقتصادية الجديدة وقررت تقديم بدء العمل بالاتحاد الجمركي إلى الأول من يناير 2003 بدلا من مارس 2005. وفي العام 2002 وجه المجلس الأعلى باستكمال قيام السوق الخليجية المشتركة في أقرب وقت ممكن على أن لا يتعدى العام 2007 وهو الحلم الذي تحقق في العام في اليوم الأول من العام الحالي.
ورغم هذا التقدم الرائع في الخطى الاقتصادية كان هناك بعض التباينات في التطبيق والرؤية، ففي العام 2004 شهدت قمة المنامة اختلافات حيال توقيع بعض الدول اتفاقات تجارة حرة منفردة بلا تنسيق مع الدول الأخرى وهو ما تطلب إصدار وثيقة »السياسة التجارية الموحدة«، والتي تهدف إلى توحيد السياسة التجارية والتعامل مع العالم الخارجي كوحدة اقتصادية واحدة.
وفضلاً عن ذلك، كان الإخفاق الأكبر في إعلان سلطنة عمان في قمة الرياض 2006 عدم انضمامها إلى الوحدة النقدية المرتقبة في العام 2010 ما وضع هذا التاريخ في مهب الريح زادت تعقيداته مع التآكل في قيمة الدولار الأميركي الذي اتفق على أن يكون العملة الوازنة للعملات الخليجية وانفلات عقال التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وتبع ذلك قرار الكويت فك دينارها عن الدولار واعتماد سلة عملات.. فيما لا يزال اللغط واسعاً في الدوائر الاقتصادية الخليجية الأخرى حيال هذا الارتباط.
الخطر الأمني الهاجس
وبعد 27 عاماً لايزال الهاجس الأمني من العناوين المقلقة التي تعرقل، كما فعل في عقد التسعينات من القرن الماضي، حركة التكامل الاقتصادي ويبعثر التركيز عما يحسن معيشة المواطن الخليجي، فالحرب العراقية الإيرانية هيمنت على أجواء المجلس لسبع سنوات، وما إن حطت أوزارها حتى دخلت المنطقة في نفق الغزو العراقي لدولة الكويت والذي ألقى بتداعياته لخمس سنين لاحقة على مداولات القادة، وما إن خفتت وطأة هذا الهاجس حتى أطلت رياح الغزو الأميركي للعراق ثم تداعيات الانهيار الأمني وما ولده من فوضى.
ومنذ عامين يعيش المجلس ودوله قلقاً على وقع الأزمة الإيرانية الدولية جراء المخاوف العالمية من الطموحات النووية الإيرانية والتي دفعت دول المجلس، وإن لم يكن للأمر علاقة مباشرة بالملف النووي الإيراني، على دراسة تأسيس برنامج نووي للاستخدامات السلمية سيفرض مع الشروع في تنفيذه هواجس أمنية وبيئية.
دبي ــ نضال حمدان