سيظل الأمن الهاجس الأكبر لدول مجلس التعاون الخليجي يلقي بظلاله بين الحين والحين فما إن تنفست المنطقة الصعداء مع انتهاء حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران حتى عاشت أحلك شهورها، وربما سنواتها، توتراً وقلقاً، مع الغزو العراقي للكويت. وما إن تناست القلق المتداعي من ناحية الشمال حتى عاد بعبع الشرق.
انطلاقة المجلس كانت أمنية اقتصادية لكن الأمن فرض أجندته لفترة بحثاً عن حلول ناجعة لمشكل الأمن واختلال الميزان العسكري مع الدول الإقليمية المجاورة.. فكانت ولادة فكرة درع الجزيرة، لكن التطبيق اصطدم باختلافات وتباينات وهواجس سيادية، والأهم بشلل عملياتي رغم أن المناورات والتدريبات التي تجرى لأفراد وقطاعات هذه القوة الواعدة كانت ناجحة، طبعاً بحسب البيانات الرسمية.
ومنذ قمة العام 1990، في ضوء الوضع الخطير في المنطقة الناجم عن احتلال العراق للكويت وتهديده لأمن وسلامة الدول الأعضاء في المجلس الخليجي، وحتى العام 1999 تقريباً، والملف الأمني وتطوير درع الجزيرة لإكسابها الفعالية وقدرات التدخل السريع والإنذار المبكر يطرح نفسه على كل قمة، ولكن... انتهى الأمر خلال هذا الشهر إلى تفتيت هذه القوة ونشر قواتها في دول المجلس الست، كل بحسب جنسيتها، وهو ما يتنافي مع هدف القوة المبتغى. بعدما كان أمام المسؤولين ثلاثة خيارات للفصل فيها: الأول، تعزيز هذه القوة ورفع جاهزيتها.
والثاني تدوير تموقع هذه القوات بين دول مجلس التعاون حتى تكون أكثر فاعلية في حالات الطوارئ. والثالث وهو ما اعتمد فكان فصل الإشراف على أن يبقى ارتباطها مع هيئة أركان مشتركة.
والمطلوب المضي قدماً في تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعت في العام 2000.. فإذا كان الإخفاق والتباين رفيقاً لبند بهذه الأهمية فلا غرابة أن تتعثر خطوات تجميلية أو إجرائية، على أهميتها أيضاً، مثل المظلة التأمينية للمواطن الخليجي في محل إقامته، وفي التملك العقاري والتجاري والصناعي.. أو في تطبيق الاتحاد الجمركي، أو السياسة الإعلامية.
أين ذهب اتحاد التلفزيونات الخليجي؟ وأين مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك؟
منطقة الخليج في ضوء المخزون النفطي والغازي في باطنها ستبقى لعقود منطقة حساسة أمنياً وهو ما يستدعي تنسيقاً، بل تناغماً، أعلى في المجال الأمني، والمضي قدماً في شبكة الأمان المبكر التي كانت محل تشاور أواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، مع تعزيز التواصل والاتصال بين قيادات الأركان في الدول الخليجية، وخلق مركز تنبؤات استراتيجي لوضع خطط افتراضية لأزمات افتراضية في منطقة لا تكاد تنفض غبار أزمة حتى تحاصرها أخرى.. فمن حرب ضروس، إلى غزو، إلى غزو، مروراً باستهداف وأطماع.. والآن تعيش المنطقة استقطاباً لا يغيب عنه النفس الطائفي.