داء النمطية لا يقتصر على فكر، وبواعثه تتشابه. غير أن أدواته تختلف. فبينما في الفكر المادي (الماركسي) يتقولب في التحالفات المصلحية للإبقاء على الحال كما هو عليه، فإنه في الفكر الديني «المعاصر» تتضح صورته أكثر في شعارات تغيير الواقع عبر التوظيف السياسي للمقولات الدينية.
هنا لابد من الانكفاء قليلا إلى حقبة نشوء التيارات الدينية في أطرها التنظيمية الأولى (كجماعة الإخوان المسلمين). هذا النشوء تزامن مع حقبة تحرر الأقطار العربية من الاستعمار التقليدي. وبغض النظر عن فرضيات المؤامرة التي تقول بالدعم البريطاني لبلورة هذه التيارات.
فإن فكرة تأسيسها مناقضة للتيارات السياسية الأعم في تلك الحقبة: التيار القومي الجارف، الذي قاده جمال عبد الناصر وفي موازاته أحزاب قومية أخرى في مقدمها البعث، وحركة القوميين العرب. النتيجة المنطقية للتحرر من المستعمر هي بروز نقيضه، أي تنامي اتجاهات الوحدة القومية للعرب، بعد عقود التفتيت الاستعماري.
وهو ما كان إلى منتصف السبعينات، حين اشتد عود جماعة «الأخوان»، التي نشطت في مناوءة مظاهر الحرية الشخصية المتهمة بالغربية والتأثر بالمستعمر المدحور. وسرعان ما فرخت هذه الجماعة تكتلات أكثر تشددا، أو تسببت اتهامات لها بالموالاة للنظم الحاكمة في ولادة جماعات راديكالية وصلت إلى حدود مسمى «التكفيرية».
وهنا بدأ التوظيف السياسي للفكر الديني، عبر محاولة نسف مسلمة «وطن واحد من المحيط إلى الخليج»، من خلال إرسال أفواج «الجهاديين» إلى أفغانستان لمحاربة العدو الشيوعي السوفييتي، على أساس أن الجهاد واجب حين يقع ظلم على مسلم أينما كان، بغض النظر عن الحدود الجغرافية وقومية هذه الحدود.
وإلا ما الذي يفسر، إغفال النضال ضد إسرائيل التي تدنس أولى القبلتين، وعدم الالتفات إلى القضايا العربية إلا حين وقع التصادم مع التوظيف السياسي لهذه التيارات. طبعا تنسحب فكرة التوظيف السياسي للدين على التيارات الشيعية أيضاً، وليست السنية فقط، لكن هذه لا تجد عائقاً قومياً، كونها مندمجة في مشاريع إقليمية.
إذن ما يجري، في حاجة إلى تنظير «فقهي» لتهيئة المناخ لتقبلها، عبر فتاوى استئصالية للآخر، من جهة، وتسخين الصراع مع «الشيطان الأكبر» أي الغرب وتحديدا أميركا، لتسهيل تقبل هذه الفتاوى لدى السواد الأعظم من العرب، الشاكين أبدا من الظلم والانحياز الأميركي لأعدائهم.
هنا عدنا إلى النمطية التي اكتملت أركانها: شعار التغيير نحو التشدد، على أساس التوظيف السياسي لأزمات الأمة والظلم الذي تعانيه. وفي كل الأحوال، تبقى المصلحة هي القاسم المشترك بين أنظمة رأت سابقا في الفكر الديني معينا لها في وجه الزحف اليساري ابان الحرب الباردة، وتيارات دينية تدعي أنها بديل لهذه الأنظمة بينما تدرك في قرارة نفسها أن شرط ذلك تغيير العالم برمته.