من أبرز مساهمات هذا الكتاب دراسة ركزت اهتمامها على أمر واحد رأته فائق الأهمية وهو الملف والمقصود بالملف هو ذلك السيل المتدفق دوماً من التصريحات الصادرة عن مسؤولي العاصمة الأميركية واشنطن في معرض إيضاح مواقف الإدارة الأميركية إزاء مختلف الأحداث والتطورات التي تحدث في هذه البقعة أو تلك من العالم.

والدراسة وضعها واحد من مخضرمي ماكينة الدعاية والإعلام في الحكومة الأميركية هو الكاتب «هوارد كنكوتا» الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل في سلك وكالة الإعلام والمعلومات الأميركية في واشنطن فضلاً عن العمل في ميدان الدبلوماسية العامة ـ الشعبية أو الجماهيرية أو غير التقليدية إن شئت في سلك الخارجية الأميركية. تبدأ هذه الدراسة ـ المداخلة بفكرة تفتق عنها ذهن صاحبها يقول فيها: لو تخيلنا أستاذاً أجنبياً في العلوم السياسية حاول أن يقف على أسرار وعوارض السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فمثل هذا الباحث الأجنبي سوف يجد نفسه مشدوهاً إزاء بيانات وتصريحات تصدر عن ألسنة الناطقين باسم الرئاسة أو الخارجية أو الكونغرس أو غير ذلك من الدوائر والأوساط تؤكد أن أميركا لها وجهة نظر في كل حادثة تقع في العالم.

زائر واشنطن جدير بأن يغرقه طوفان من الملاحظات والخطابات والنشرات الصحافية والإيضاحات والافتتاحيات وصحائف الوقائع ومنشورات تحمل عنوان الكتاب الأبيض أو الإحاطات الإعلامية الموجزة. وكلها تدور حول مختلف القضايا والسياسات سواء تعلقت بالتطورات السياسية في العراق، أو بمصير أسماك السلمون في المحيط الأطلسي، أو بإدارة شؤون المتاحف في أذربيجان. ورغم أن الإحصاءات تختلف بين يوم وآخر إلا أن المكتب المختص بها في وزارة الخارجية الأميركية يقدر أن يصدر في المتوسط نحو 20 بياناً ونصاً وتصريحاً في كل يوم وتحتويها الوثائق التي يتم توزيعها على جموع الصحافيين..

مع هذا كله ـ تضيف الدراسة التي نعرض لها (ص139) ـ فإن هذا السيل المتدفق لا يكاد يفيد في قليل أو كثير في تغيير المواقف الخارجية إزاء السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة وخاصة في العالمين العربي والإسلامي. ومن ثم يظل السؤال المطروح هو:كيف يتسنى اختراق هذه الحواجز من أجل الوصول إلى الجماهير المستهدفة على الصعيد الدولي ولو أدى الأمر إلى تغيير موضوع وطبيعة الخطاب الدبلوماسي الذي تتبناه السياسة الأميركية؟ مرة أخرى تشير الدراسة إلى «الملف» وهو السجل الذي يحوي المواد الإعلامية الصادرة سواء في شكل مطبوع أو على الأثير الالكتروني ويتم تجهيزها ومن ثم بثها على شكل 5 طبعات أو صيغ أو نشرات موجهة إلى أهم خمسة أقاليم في خارطة العالم.

وبالذات إلى السفارات والبعثات الأميركية العاملة في تلك الأقاليم.. هنالك تجري ترجمة محتويات هذا الملف إلى 6 لغات أساسية هي: العربية + الاسبانية + الفرنسية + الفارسية + الروسية ثم الصينية.

ومن المعروف أن هذا الملف اليومي بدأ بصورة مبسطة منذ عام 1935 على شكل الإرسال اللاسلكي لسلسلة من النشرات الإذاعية والبرقية ومن ثم فقد ظل يحمل عنوان الملف اللاسلكي إلى أن تم تطويره ليستخدم شبكة الانترنت وما يرتبط بها من ابتكارات الكترونية خلال ولاية كلينتون السابقة في عقد التسعينات.

عن الطبعة أو الصيغة العربية لهذا الملف الأميركي تقول الدراسة التي نحيل إليها: بدأت هذه الطبعة في عام 1977. وعلى غرار سائر الطبعات الصادرة باللغات الخمس الأخرى.. فإن مشكلة هذا الملف العربي ما زالت تتمثل في إمكانات الترجمة التي لابد وأن تواجه سيل المعلومات الناتج عن دوائر واشنطن بشأن مختلف القضايا التي تهم العالم العربي والشرق الأوسط.

بل إن هذه الطبعة العربية تزداد تعقيدا ـ كما توضح الدراسة أيضا (ص143) بحكم تطورات الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني الذي يتسم بأبعاد تستقطب جوانب واهتمامات شديدة التباين بالغة الاختلاف ـ ثم أضيف إلى قضية هذا الصراع عدد آخر استجد مع القرن الجديد من القضايا والمشكلات من قبيل: الحرب على الإرهاب ثم الحملات العسكرية التي تم شنها في كل من أفغانستان والعراق.

ويلاحظ في هذا الصدد أن الجمهور المستهدف بهذا النوع من النشر الالكتروني هو مستوى الحاصلين على التعليم الثانوي على نحو ما يؤكده مسؤولو الدبلوماسية العامة في أميركا.. وقد حرصوا على أن يضيفوا من جانب آخر ملاحظة تفيد بأن الإقبال على هذه المواد الصادرة عن أميركا ـ ورغم ترجمتها إلى العربية.

ورغم أن المطبوع منها يوزع في أشكال قشيبة أو طباعة مصورة وفاخرة ـ إلا أن هذا الإقبال مازال دون المتوقع أو المحسوب وإذا كان يهمنا في هذا الخصوص الاطلاع على مواضيع وعناوين أهم هذه الإصدارات فإن الدراسة التي يسهم بها كاتبنا «هوارد كنكوتا» تحرص على القول بأنها تتراوح بين مجلدات رصينة تتناول قضايا مهمة سواء بالنسبة للشؤون الدولية أو للمجتمع الأميركي ذاته.

وبين إصدارات في مجال الأدب الروائي والتاريخ.. من النوع الأول صدرت ترجمات لكتب مهمة من قبيل كتاب «العسل والخلّ: الدوافع والكوابح والسياسة الخارجية..» وكذلك كتاب «النضال الفتاك من أجل سلام الشرق الأوسط».

وكتاب «إحياء المجتمع المدني في أميركا» أما في مجال التاريخ فقد صدرت ترجمة كتاب يمس ماكفرسون بعنوان «أبراهام لنكولن والثورة الأميركية الثانية» (يعني حركة تحرير العبيد حيث كانت الثورة الأولى هي حرب الاستقلال عن انجلترا في عام 1776 للميلاد).

وبصرف النظر عن محتوى هذه المطبوعات وهي تخدم وجهة النظر الأميركية على وجه الخصوص وتلك بديهية يجدر التسليم بها في الأساس، لكن الدراسة تحسن صنعا حين تؤكد أن الفيصل في مثل هذه القضايا المتعلقة بالتواصل الإعلامي بين أميركا وجماهير العرب والمسلمين ليس مجرد شكل المطبوعة ولا جمال صورها.. ولا هو أيضا نوعية الوسيلة المستخدمة لبث الرسالة الإعلامية المطلوب توصيلها سواء جاءت في شكل مطبوع أو جاءت الكترونية من خلال فضاءات الانترنت.

المسألة أساسا تتعلق بالمضمون أولاً وتتعلق بفعالية الأثر ثانياً.

في هذا السياق يقول صاحب الدراسة (ص150):

- ليس لمسؤول الإعلام (الدبلوماسية العامة) أن يتصور أنه حقق هدفه بمجرد أنه قدم نشرة صحافية (مطبوعة) إلى نفر من المندوبين الصحافيين، أو أنه عمد إلى نشر وثيقة مهمة عبر شبكة الانترنت. بمعنى أن ليس له أن ينام هادئاً قرير العين من حيث قدرته على تنفيذ المهمة المكلف بها وهي مهمة ثلاثية يحددها خبراء الإعلام والاتصال فيما يلي التواصل.. التنوير.. ثم التأثير.

وإذا كان محتملاً لوسيلة من الإعلام المطبوع أن تكون أسلوباً تجاوزه الزمن في عصر الحواسيب.. فمن المحتمل بنفس القدر أن تكون الرسالة المحمولة عبر الانترنت رسالة حافلة بالأخطاء وداعية إلى تشتيت الاهتمام.. بل ومفعمة بالأكاذيب!

من هنا يضيف الكاتب الأميركي قائلاً: التحدي المطروح إذن ليس في الخيار بين المطبعة والشبكة (الويب) ولكنه يتمثل جوهرياً في استخدام التكنولوجيا الرقمية، وهي الأحدث في مجالها لتحقيق قدر معقول من تكامل الرسالة الإعلامية التي لابد وأن تقوم على أساس «الحاءات» الأربع وهي: المضمون الحق + الجمهور الحق + الصيغة الحقة ثم التنفيذ حالا بغير توان.

إن موقعاً الكترونياً على الشبكة العنكبوتية أو إصداراً مطبوعاً على ورق فاخر وقشيب لن يفيد كثيراً إذا لم يوضع أساساً في الأيدي الماهرة أو يعرض أساساً على الجماهير المستهدفة أو يقدم أساساً في الوقت الصحيح والدقيق.. وهذا التوقيت يؤكد في عصرنا على عنصر التعجيل دون التأجيل بطبيعة الحال.

وبمناسبة شبكة المعلومات الالكترونية.. تلفت الدراسة الاهتمام إلى أن أسلوب التكنولوجيات الرقمية (ديجيتال) كما في الانترنت أضفى طبيعة السيولة على المعلومات المقدمة (بمعنى أنها ليست مصبوبة في قالب ثابت، ستاتيكي واحد كما في الصيغ المطبوعة على أديم الصفحات).

ومن ثم أصبح ممكنا ـ كما يضيف المؤلف ـ صّب المعلومات الرقمية في قوالب وأشكال وصيغ شتى بما يخدم الهدف المنشود ـ وعليه يصبح الجدل حول ما هية الوسيلة الأنجع أو الأنفع جدلا عقيما بغير طائل.

ويصبح الأمر الأولى بالاهتمام مجسدا ـ كما يضيف المؤلف (ص151) في سؤال مهم يقول: ما هي أكثر الطرق فعالية في صياغة الرسالة الإعلامية (الأميركية) المطلوب توصيلها تحديدا إلى الجماهير المحددة بدقة في دنيا العروبة وعالم الإسلام؟

في نفس السياق يلفت أنظارنا كقارئين ومحللين ذلك التحول في الاهتمام من جانب الدبلوماسية العامة الأميركية من الوسائل والأساليب المطبوعة في كتب أو إصدارات أو نشرات.. لصالح استخدام وسائل البث الالكتروني على شبكات الحواسيب.

وبصراحة، توضح الدراسة أو تعترف، بأن هذا التحول لم يتم لمجرد تحديث أسلوب الخطاب ولا مجرد الأخذ بآخر صيحة في أجهزة الإعلام والاتصال بل المسألة ببساطة هي التوفير في التكاليف حيث أن البث الإعلامي الالكتروني أقل استخداما في عدد العاملين وفي مساحات الحيز المكتبي المخصص للإنتاج ومن ثم فهو فعال من حيث التكاليف كما يقول المبدأ المحاسبي.

فضلا عن اتسامه بداهة بما يمكن أن تطلق عليه ميزة «السرعة اللحظية» وقد نضيف أيضا ميزة جاذبيته لأبناء الأجيال الشابة والناشئة وهي الجمهور الأهم استهدافا بالبديهة بالنسبة للدبلوماسية العامة الصادرة عن دوائر الإعلام والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ثم هل تضيف أيضا أن هذا البث الالكتروني ـ الرقمي أكثر استعصاء وربما أشد مقاومة إزاء أساليب الرقابة الحكومية بأشكالها التقليدية التي ما برحت مطبقة على ما تخرجه هذه المطبعة أو تلك من إصدارات؟!

ولم يكن صدفة أن كل هذه التجديدات في أساليب الدبلوماسية العامة لم تنشأ فجأة لا في ولاية الرئيس بوش الراهنة، ولا في أعقاب حادثة الحادي عشر من سبتمبر بكل عقابيلها. صحيح أن برزت أفكار وأطروحات الدبلوماسية العامة التي قصدت إلى استهداف الجماهير ـ العربية والمسلمة بالذات ـ في أعقاب أحداث المركز التجاري وتحت الشعارات المتوترة إلى حد الالتهاب التي أعلنت ما وصفته بأنه الحرب على الإرهاب ـ .

لكن الصحيح أيضا هو أن هذه التحولات إلى استخدام التكنولوجيات الرقمية، السوبر ـ حديثة بدأت بالنسبة للدبلوماسية العامة أبّان ولاية الرئيس السابق كلينتون: كان الأسلوب الشائع أيامها ـ الموضة السياسية كما قد نقول، تلخصه عبارة راجت على ألسنة كبار مسؤولي الإدارة الأميركية المذكورة أعلاه - والعبارة تبدأ بكلمتين أساسيتين هما: إعادة.. اختراع.

وفي هذا الإطار مثلا كلفوا آل جور نائب الرئيس وقتها بدراسة وتحديث أداء الحكومة الفيدرالية فكان أن صدر تقريره تحت عنوان شهير هو: إعادة اختراع.. الحكومة. وبنفس المقياس.. كانت الدعوة إلى «إعادة اختراع» الأداء الإعلامي بمعنى اعتماد الحواسيب وشبكات الانترنت والمواقع العنكبوتية (الويب سايت) وغرفات.. الثرثرة.. الحوار (تشات) أسلوبا مستجدا لإنجاز مهام الدبلوماسية العامة في التواصل المطلوب مع جماهير المستهدفين.

وربما لجأت الدبلوماسية العامة في بعض الأحيان إلى الجمع بين الوسيلتين: المطبوع والالكتروني ضمانا للمزيد من فعالية التأثير.. والحق أن كان هذه هي تعليمات السيدة «شارلوت بيرز» التي ذاع صيتها بعد أن عهدوا إليها بمنصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة في أعقاب أحداث سبتمبر، وكانوا قد جاءوا بها من دوائر «ماديسون أ؟ينو» حيث تزدهر بالذات صناعة الدعاية والإعلان في مدينة نيويورك.

ورغم أنها تخلت عن منصبها بعد أقل من سنتين و«لأسباب صحية» إلا أن أهل الدبلوماسية العامة لايزالون يذكرون لها اهتمامها بإصدار كتاب مهم أشرفت على إصداره في الشكلين المطبوع والالكتروني وقصدت به توسيع حجم الجمهور المستهدف ولم تكن مصادفة أن جاء بعنوان «حياة مسلم في أميركا» وقد تم إصداره في أكثر من 20 لغة.

الكاتب في سطور

ـ دبلوماسي مخضرم تخصص في دراسات الشرق الوسط على امتداد سنوات طويلة.

ـ شغل منصب سفير أميركا لدى الدولة في السنوات من 1992 إلى 1995.

ـ أضفى من خلال تحريره للكتاب إطاراً عاماً وشاملاً على مجمل المساهمات في الكتاب.

ـ يضم الكتاب إلى جوار مساهمته المعمقة عشر دراسات تعالج أبرز قضايا الدبلوماسية العامة- من أبرز المساهمين في الكتاب بروفسور شبلي تلحمي الذي قدم معالجة مهمة لعدد من قضايا الدبلوماسية العامة.

ـ تبرز إحدى دراسات الكتاب الأهمية الفريدة لميدان برامج تبادل الشباب والمبعوثين.

ـ في ختام الكتاب يقدم المحرر توصيات هي بمثابة خطة عمل شاملة للتحرك في موضوعه.

الصفحات: 184 (متوسط)

تحرير السفير وليام رو ـ عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مجلس الدبلوماسية العامة، نيويورك، 2008