أثارت الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط ردود فعل متباينة من جانب الدول المنتجة والمستهلكة، ففي الوقت التي تعتبر الدول المنتجة أن الزيادة في الأسعار هي أمر يخضع لقوى السوق ومعادلة العرض والطلب، ترى الدول المستهلكة أن تلك الزيادة مفرطة وتحمل الدول المنتجة جانباً من المسؤولية عنها.
ولكن لماذا هذه الضجة الإعلامية الواسعة من تعليقات وتحليلات وتهديدات حول ارتفاع أسعار النفط؟ هناك الكثير من السلع التي ترتفع أسعارها بشكل دائم ولا نرى مثل هذه الضجة المثارة. هل الارتفاع الحالي في أسعار هذه السلعة الحيوية ارتفاع حقيقي أم وهمي؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا الارتفاع؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير أخذت تطرح نفسها في الآونة الأخيرة في ظل الزيادات المتتالية في أسعار النفط وردود الفعل من قبل حكومات الدول المستهلكة بل وحتى الأفراد في تلك الدول الذين يلقون باللائمة في محنتهم على الدول المنتجة وبخاصة منظمة «أوبك«.
وللإجابة على هذه التساؤلات لابد لنا من الإلمام بخلفية بسيطة عن هذه السوق المعقدة، فالسوق النفطية تمتاز بمواصفات قد لا توجد في الأسواق الأخرى، هناك عدد قليل من المنتجين ومعظم الإنتاج يستهلك من قبل عدد قليل من الدول هي الدول الصناعية وبعض الدول الناشئة. وتكمن أهمية النفط في أنه عصب الحياة في الدول المتقدمة بشكل خاص وفي العالم بشكل عام، فهو سلعة إستراتيجية ومهمة للاستخدامات الاقتصادية والصناعية والعسكرية.
هذه العوامل مجتمعة جعلت هذه السلعة محل الاهتمام في العالم المتقدم منذ أمد بعيد بداية من عهد الاكتشافات النفطية مرورا بالسياسات التسعيرية الجائرة فانتهاء بالمشاركة في الأرباح ومن ثم المناصفة إلى أن استقرت ملكية هذه الثروات للدول المنتجة.
هناك الكثير من العوامل منها الاقتصادية والجيوسياسية التي تؤثر في استقرار أسعار النفط، والمقصود بالاستقرار هنا حالة التوازن التي تحددها قوى السوق وينتج عنها سعر عادل. ومع تجاوز أسعار النفط عتبة المائة دولار للبرميل الواحد، (السعر الحالي 130 دولاراً للبرميل) بدأ بعض المحللين الاقتصاديين يحذر من أن العالم يتجه نحو صدمة نفطية ستكون الثالثة خلال جيل واحد فقط.
لكن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يختلف تماما عن ذلك الارتفاع الذي حدث في الأزمات السابقة. ومثلما حدث في الصدمتين السابقتين عامي 1973 و1979، فقد تسببت الصدمة الحالية في موجة من القلق والمتاعب في أوساط المستهلكين، فضلا عن مخاوف على مستوى الاقتصاد العالمي خاصة في ظل تراجع سعر صرف الدولار الأميركي وارتفاع معدلات التضخم.
إلا أن الاختلاف الجوهري هذه المرة، يكمن في الأسباب حيث أن موجة الصعود الحالية لم تنجم عن الانقطاع المفاجئ في الإمدادات أو صادرات النفط من الشرق الأوسط، وإنما أخذت أسعار النفط ترتفع بالتدريج مع زيادة الطلب في الدول الصناعية والاقتصادات الناشئة.
ضرار عمير