لم تدرك الحاجة فاطمة التي تجاوز عمرها الـ 70 عاماً لماذا حُملت إلى صالة العائلة الكبيرة لتشارك في اجتماع حاشد حضره نحو 1500 فرد من عائلتها. ولكن لم يمض سوى أسابيع قليلة على هذا الاجتماع حتى جاءها أحفادها مبتسمين وهم يخبرونها: «مبروك يا ستي فاطمة صرت بعثية».

فعندما أراد قائد لحزب بعثي أردني، مقرب من دولة يقودها حتى اليوم حزب البعث، تصويب أوضاع حزبه وفق قانون الأحزاب السياسية رقم 19 لسنة 2007 قبل انتهاء المهلة التي وضعتها الحكومة في منتصف أبريل الماضي لم يجد من وسيلة يحافظ بها على حزبه سوى الاستنجاد بأبناء عشيرته، خاصة وأنه يخشى أن ينجح منافسه في جمع عدد أكبر من الأعضاء، فيفقد بذلك مبرره ليبقى على رأس الهرم الحزبي.

فوفق متطلبات أحكام المادة 27 من قانون الأحزاب الأردني الجديد وجب على كل حزب أن يصوب أوضاعه خلال مهلة انتهت في 15 أبريل الماضي. وطالب القانون وزارة الداخلية التأكد من أن الأحزاب تقدمت لها بقائمة تضم 500 عضو مؤسس بينهم ممثلون عن خمس محافظات من 12 محافظة بنسبة 10 في المئة لكل منها من عدد المؤسسين الكلي.

ويقول نقيب المحامين الأردنيين صالح العرموطي إن «شرط المحافظات في القانون يعني من الناحية القانونية أنه لا يجوز لمليون أردني (فوق سن 18 عاماً) يقطنون أكبر أربع محافظات، هي: عمان وإربد شمالاً والزرقاء في الوسط والبلقاء غرب العاصمة أن يشكلوا حزباً سياسياً، لأن النص يشترط مؤسسين مقيمين في خمس محافظات». ويتساءل نقيب المحامين: «أليس هذا الحكم شاذا كتشريع ينتمي إلى تشريعات قراقوش ونوادره؟».

ورغم مهاجمة جميع الأحزاب لبنود القانون التي وصفوها بالقاسية والمخالفة للدستور، إلا أن مناقشة وإقرار مشروع القانون في مجلس النواب لم يستغرق سوى ساعة واحدة فقط وبصورة لم تحلم بها حتى الحكومة نفسها.

ولأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، سارع عدد من الأحزاب إلى تصويب أوضاعه القانونية، بكل السبل الممكنة وحتى تلك التي كانت تتهم بها الحكومة بشراء ذمم المواطنين قبل إدراج أصواتهم في صناديق الاقتراع.

إذ كشف عدد من أمناء الأحزاب عن وجود فساد مالي حزبي يتمثل في عملية شراء ذمم مواطنين لدفعهم إلى الانتساب إلى الأحزاب من خلال تقديم مبالغ مالية تصل إلى 100 دينار (150 دولاراً) للشخص مقابل موافقته على تقديم أوراق انتسابهم إلى وزارة الداخلية على أنه أحد الأعضاء المؤسسين.

عصر جديد

ومع غروب شمس يوم 15 أبريل الماضي، وهي المهلة التي وضعتها الحكومة لتصويب الأحزاب أوضاعها أعلنت وزارة الداخلية أن 23 حزباً من أصل 37 لم يتمكن من تصويب أوضاعه القانونية. وبذلك بدأت مرحلة جديدة من الحياة الحزبية بانخفاض عدد الأحزاب في الساحة الأردنية إلى 14 حزبا فقط.

ولم يكن مصير الأحزاب المنحلة الـ 23 إلى الزوال، حيث أعلنت خمسة عن الاندماج مع أخرى، فيما أصدر 17 حزبا آخر بيانات صحافية كتبت فيها بأنها تحل نفسها. أما التي جرى دمجها فحزبا: الشيوعي والشغيلة اللذين انشقا عن بعضهما البعض في تسعينات القرن الماضي وحفزهما القانون للعودة عن انشقاقهما، فيما الأحزاب الأربعة الأخرى فأعلنت دمج نفسها مع حزب جديد هو التيار الوطني الإصلاحي الذي يقوده رئيس مجلس النواب عبدالهادي المجالي.

تكتل للمعارضة

وفي التقسيم الجديد للخارطة السياسية في الأردن، أصبح هناك 7 أحزاب معارضة، و7 أحزاب وسطية بعضها محسوب على السلطة.. بعدما كان هناك 14 حزبا معارضاً وبحكم هذا العدد فقد كان على كل أمين عام أن ينتظر حوالي أربع سنوات ليصبح ناطقا باسم المعارضة، بينما الآن لن تمر سنتان حتى يكرر كل أمين عام دوره في المركز.

تبديد هاجس الخوف

ورداً على سؤال حول سيناريوهات الحياة الحزبية في الأردن بعد تطبيق القانون قال وزير التنمية السياسية كمال ناصر في تصريح لـ «البيان» إن الأحزاب «من يقرر مصير هذه الحياة ببرامجها ومدى اقتناع المواطنين بها». وأضاف إن «رؤية العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني واضحة وهي ما عبر عنه في جامعة اليرموك (اربد - شمال) بمحاولة تبديد هاجس الخوف لدى الشباب من الالتحاق بالأحزاب والعمل الحزبي».

وكان عبدالله الثاني دعا حينها الأحزاب، وقبل إقرار القانون الجديد، إلى الاتحاد في تيارات أربعة: إسلامية وقومية ويسارية ووطنية. إلا أنه ومنذ أن أطلق رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبدالرؤوف الروابدة جملته المشهورة «إن سعة باص واحد تكفي لجميع الحزبيين في الأردن» بدأت حقبة محاولة رسمية لفرض ما تقول عنه الحكومة دمج الأحزاب الصغيرة والضعيفة في تيارات ثلاثة أو أربعة فقط.

وعبر الوزير ناصر عن تفاؤله بمستقبل الحياة الحزبية في المملكة وقال: إن «الأحزاب شريكة للحكومة وعليها أن تساهم في أحداث التنمية السياسية المطلوبة»، داعياً الأحزاب إلى «الدفاع عن المواطنين الأردنيين ببرامج شمولية دون أن تقتصر هذه البرامج على الشأن السياسي فقط».

إلا أن تلك التصريحات الرسمية لا تعتبر مقنعة لدى رئيس لجنة الحريات النقابية المحامي فتحي أبونصار والذي قال في تصريح لـ «البيان» إن المادة 16/ 2 من الدستور تعطي للأردنيين حقاً مباشراً في تأليف الأحزاب السياسية من دون أن تورد أي قيد عددي. وهذا هو الأصل في ديمقراطيات النظام البرلماني التي تحتوي دساتيرها نصا مماثلا لنص المادة 16/ 2 من الدستور الأردني.

وأضاف: «لو كنت مكان من وضع القانون، لشرعت بدل النصين السابقين نصا لا يجيز أن يفيد من الأموال التي تقدمها الخزينة الحكومية لتمويل الأحزاب أي حزب يقل عدد أعضائه عن 500 شخص، مشيراً إلى أن «تكوين الأحزاب في الأردن أصبح مستحيلا استحالة قانونية أو واقعية».

وتابع: «عندما استحالت الحزبية قانوناً على الأردنيين مدة 35 عاماً أي لغاية العام 1992 لجأوا إلى النقابات المهنية، لتصبح رئتهم السياسية التي يتنفسون من خلالها، مشيراً إلى أن الحكومة ومنذ العام 1994 حتى الآن تحاول جاهدة تحجيم النقابات، منطلقة في ذلك من القول إن الأحزاب السياسية وليس النقابات هي التي ينبغي أن تكون وسيلة الأردنيين لممارسة العمل السياسي.

ويبدو أن مجلس النواب الذي سن القانون الجديد كان ملكياً أكثر من السلطة التنفيذية إذ جاء في اقتراح مسودة القانون التي قدمتها الحكومة إلى المجلس أن «يكون عدد الأعضاء المؤسسين للحزب 250 عضواً، إلا أن المجلس رفع العدد إلى 500 عضو ما أثار في حينه استياء وزير التنمية السياسية السابق د. محمد العوران الذي صرخ على النواب قائلا: «هذا والله حرام.. هذه مجزرة».

ومن أصل 110 نواب لم تجد الأحزاب مناصرين لتوجهها برفض القانون سوى 30 نائباً، وهم الذين طالبوا الحكومة خلال مذكرة نيابية تعديل بنود القانون المتعلقة بالأعضاء المؤسسين وتمثيل خمس محافظات بنسبة 10 في المئة لكل محافظة من عدد المؤسسين الكلي، إلا أن هذه المطالبات أجهضت.

ودعت المذكرة إلى ضرورة حصر الإشراف على الأحزاب بوزارة التنمية السياسية وليست وزارة الداخلية، وهو الطلب الذي ووجه برفض حكومي شديد. وطالب الـ 30 نائبا بإلغاء الفقرة «ز» من المادة 22 من القانون التي منعت الأحزاب «التدخل بشؤون الدول الأخرى أو الإساءة لعلاقات الأردن السياسية بغيرها من الدول والإخلال بها» وهي الفقرة التي فهم الحزبيون أن المقصود منها إسرائيل.

وتوافقت جميع آراء أمناء الأحزاب الذين التقتهم «البيان» على أن القانون جاء بهدف «حل الأحزاب وتجريمها بدلاً من أن يكون عاملاً على تمكينها»، مشيرين إلى أن «القانون جاء ليعزز سيطرة الحكومة على الحياة السياسية والحزبية في البلاد».

وفي سياق التجاذبات السياسية الحزبية أعلنت أربعة أحزاب معارضة من بينها حزب «الأرض العربية» المنحل الذي يترأسه وزير التنمية السياسية السابق د. محمد العوران عن نيتها مقاضاة الحكومة للطعن بدستورية قانون الأحزاب الجديد، ولكنها لم تتقدم بدعوى قضائية حتى الآن.

وقال أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن زكي بني ارشيد والذي صدر بحقه تجميد عضوية لمدة عام من محكمة الحزب، إن «القانون الجديد جاء ليحبط العمل الحزبي، ويحكم بالإعدام على معظم الأحزاب القائمة»، مشيراً إلى أن «التشريع في الفقه الدستوري يجب أن يتصف بالعمومية والتجرد وان الشرط الوحيد الذي يجب أن يتوفر بالأحزاب أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها قانونية».

كما شدد أمين عام حزب «الوحدة الشعبية» د. سعيد ذياب على تناقض قانون الأحزاب في العديد من مواده مع روح الدستور الذي كفل حق الأردنيين بتشكيل الأحزاب دون قيود أو معوقات وهو ما دفع الأحزاب لرفع دعوى بعدم دستورية القانون، متسائلا عن «مدى إمكانية مساهمة القانون في تحقيق تلك الأهداف المنشودة لتفعيل الحياة السياسية؟

وكيف يمكن أن تستقيم الديمقراطية في البلاد وهي تتلقى ضربة قوية من عصا هذا القانون»، واصفا القانون بأنه «يكرس هيمنة الحكومة ويضرب مبدأ التعددية ومبدأ التداول السلمي». ويقول مؤيدون للقانون إنه قد يكون مضراً بالأحزاب الموجودة حالياً، ولكنه في المحصلة يمكن أن يساهم في تحسين الحياة الحزبية بشكل عام.

مشهد انتخابي - 14 حزباً صوبت أوضاعها و5 اندمجت و17 غابت

أحزاب صوبت أوضاعها:

حزب دعاء

حزب الوطني الدستوي

حزب الرسالة

حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي

حزب الشعب الديمقراطي (حشد)

حزب الوسط الإسلامي

الحركة القومية للديمقراطية

جبهة العمل الإسلامي (الإخوان المسلمون)

حزب البعث العربي الاشتراكي

الحزب الشيوعي الأردني (اندماج حزبين)

حزب البعث العربي التقدمي

حزب التيار الوطني الإصلاحي (اندماج أربعة أحزاب)

أحزاب جديدة:

حزب الجبهة الأردنية الموحدة

حزب الحياة الأردني

أحزاب حلت نفسها:

حزب المستقبل

الحزب التقدمي

حزب العمل القومي - حق

حزب الأحرار

حزب اليسار الديمقراطي

حزب الأنصار العربي

حزب السلام

حزب الأمة

حزب الأرض العربية

حزب العمل

حزب النهضة

حزب الخضر

حركة «حقوق المواطن» (حماة)

حركة لجان الشعب

حزب الرفاه

حزب العهد

حزب الأجيال

شروط العضوية

يتكون قانون الأحزاب السياسية رقم 19 لعام 2007 والصادر في 19 مايو 2007 من 30 مادة، جاء في المادة 5 فقرة أنه «يجب أن لا يقل عدد الأعضاء المؤسسين لأي حزب عن 500 شخص على أن يكون مقر إقامتهم المعتاد في خمس محافظات على الأقل وبنسبة 10 في المئة من المؤسسين لكل محافظة ممن تتوفر فيهم الشروط التالية:

1-أن يكون أكمل 21 سنة

2-أن يكون أردنياً منذ 10 سنوات على الأقل

3-ألا يكون محكوما بحكم قطعي من محكمة مختصة بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأخلاق عدا الجرائم السياسية، ما لم يكن قد رد إليه اعتباره.

4-أن يكون متمتعا بالأهلية القانونية والمدنية الكاملة ومقيما عادة في المملكة.

5-ألا يدعي جنسية دولة أخرى أو حماية أجنبية.

6-ألا يكون عضواً في أي حزب أو تنظيم سياسي آخر أردني أوغير أردني.

7-ألا يكون من المنتسبين للقوات المسلحة أو أجهزة الأمن والدفاع المدني.

8-ألا يكون قاضياً.

وفي المادة 26 فقرة (أ) يجوز حل الحزب بقرار من المحكمة بناء على دعوى يقدمها وزير الداخلية «إذا خالف الحزب أي حكم من أحكام الفقرتين 2 و3 من المادة 16 من الدستور» أو أخل بأي حكم جوهري من القانون، كما «يجوز للمحكمة أن تصدر قراراً بإيقاف الحزب عن العمل بناء على طلب يقدمه الوزير إليها».