في الأردن لا يوجد أحزاب باستثناء الحركة الإسلامية وبعض اليسار والقوميين.. ولكن هناك حزبيون لايزالون أحياء رغم كبر سنهم. وفي الأردن أيضا يجب على خبراء رسم الخرائط الحزبية أن يحرصوا على رسم خرائطهم بقلم رصاص لأن تلك الأحزاب دائمة التعديل والتغيير والانقلاب والتبديل.

فالرقم 34 عدد الأحزاب على الساحة الأردنية قبل منتصف شهر أبريل الماضي تحوّل إلى 12 ثم 14 ولاحقا إلى 17 ولا شيء يدعو إلى الاستغراب إن هبط الرقم إلى 16 وربما هي مجرد أشهر ليتم إعادة المشهد الحزبي مجددا.

في الشأن الحزبي الأردني، لا شيء يدعو إلى الاستغراب. أما التيارات التي يتم تشكيلها، على قدم وساق، هذه الأيام وفق أسس جاء بعضها مستندا إلى العشيرة فإنها أصحابها زعامات متنفذة أو كانت متنفذة وتسعى إلى الإبقاء على هذا «الاستحقاق» نافذاً إلى الأبد.

ولا ينتظر أحد من هذه التيارات أن تغير من ذلك المشهد شيئا، فما يتم رعايته هو تشكيل مراكز قوى، لشخصيات غير حزبية تسعى إلى إسناد نفوذها بالتفافها حول بعضها البعض. إنها كل شيء إلا أن تكون حزبية.

ولكن هذا ليس كل شيء بالنسبة للحزبية في الأردن. فهناك حزبيون قدماء عنيدون يسعون لتشكيل حالة حزبية ما، ولكن ما أحبط جميع محاولاتهم جدران تشريعية، وسياسية، وتاريخية، واجتماعية، بل واقتصادية اجتمعت لتشكل بنية نفسية لمواطن غير مكترث.

هو مواطن ثبت له عبر تطبيقات دامت عقدين أن وجهة نظره غير المتفائلة في جدية تعاطي الحكومات مع الأحزاب كانت على حق، فدعوات السياسيين في التلفزيون المحلي الرسمي العام 1993 بأن عصر الأحزاب الأردنية قد بدأ، أحبطتها ممارسات لحكومات متعاقبة كان آخر ما تسعى إليه النهوض بهياكل سياسية تحد من حرية حركتها.

عندما بدأ العمل الحزبي المشروع في المملكة كان الحديث يدور عن محاولة لفتح طاقة في جدار العشائرية كي تبدأ الأحزاب بالنفوذ منها إلى العمل العام. ولكن ما جرى بعد أكثر من 20 عاما أن العشائرية تمكنت من احتواء الحزبية باستثناء الحركة الإسلامية وبعض اليساريين حتى كادت الأولى أن تكون عنوانا للأخيرة. فلم يبق من شيء لم توفره العشيرة سوى أنها لم تفتح للحزبيين أبواب دواوينها وصالوناتها لعقد مؤتمراتها السنوية فيها.

ومنذ قيام الأردن وحتى اليوم، نمت فسيفساء عشائرية بمعادلة دقيقة سيطرت على المشهد الأردني وقادته في منظومة متكاملة دون أن يفلت من بين أصابعها سوى حالتين: الإسلاميون وبعض اليسار. أما الحركة الإسلامية فتمكنت من الانحناء لمتطلبات العشائرية حتى كادت أن تنسجم معها.

ولم يكن ما بين العشائرية والحركة الإسلامية أي شكل من أشكال الاستحواذ أو المنافسة، وإنما انسجام وتشارك عبّر عن نفسه في الكثير من المناسبات، وعلى رأسها الانتخابات سواء البلدية أو النيابية.. فلا العشيرة «تعدت» على المناطق المغلقة للحركة الإسلامية، ولا الحركة زحفت إلى الواجهات العشائرية.

بل إن شواهد هذا الانسجام ذهب إلى أبعد من هذا، عندما دأبت الحركة الإسلامية «إلى حد ما» على مراعاة الصبغة العشائرية للمجتمع حتى في انتخاباتها التنظيمية الداخلية. أما بعض اليساريين أو من تبقى منهم، فيمكن وصف ما يفعله هؤلاء بأنها محاولات للبقاء على قيد الحياة، خاصة وأن عصر الحركات الإسلامية ليس عصرهم.

لقمان اسكندر