المرأة تمتلك مواصفات هائلة لا يمتلكها الرجل..إنها تعرف كيف تستمع..والأسرار تصل إلى أذنيها بشكل طبيعي..لهذا يتم استدعاء فتيات ليل من الملاهي وحانات الشرب في إسرائيل وإدخالهن إلى غرف العزل الانفرادي التي يتواجد فيها الأسرى، والباقي معروف سلفا..إغراء فإغواء.. فشريط فيديو بكل التفاصيل«المحرجة» التي تجعل الأسير يتحول فورا إلى عميل يتجسس على رفاقه، ويصبح عضوا جديدا في «خلية العصافير».
هذا هو الأسلوب المتبع داخل المعتقلات، أما في الخارج فالإغواء يكون بالدولار، حيث يتم اصطياد أصحاب النفوس الضعيفة أو الذين يمرون بأزمة اقتصادية طاحنة، ليتجسسوا على رموز النضال السياسي وقادة المقاومة الفلسطينية ويحددون أماكن تواجدهم، ليتم تصفيتهم على الفور من قبل إسرائيل. زرع إسرائيل لهؤلاء العملاء أو الجواسيس ـ سواء داخل المعتقلات أو في الخارج- يمكن ان يكون مفهوما - وليس مقبولا- في سياق الصراع مع الفلسطينيين، لكن الأمر الذي يستصعب على الفهم، هو لجوء الدولة العبرية إلى زرع جواسيس داخل الولايات المتحدة ، الراعي الرسمي لوجودها في المنطقة العربية منذ نشأتها في عام 1948وحتى الآن.
والتي تعتبرها حليفا رئيسيا لها في الشرق الأوسط، ولم تبخل عليها يوما بالسلاح والدعم الاقتصادي، وكذلك السياسي المتمثل ب«الفيتو»الذي استخدمته كثيرا ضد قرارات إدانة في الأمم المتحدة لجرائمها العديدة ضد الفلسطينيين والعرب على مدى زمن الصراع. أحدث حلقة من حلقات مسلسل التجسس الإسرائيلي على أميركا، تم كشف النقاب عنها أخيرا، وبالتحديد في الثاني والعشرين من ابريل الماضي، عندما أعلنت السلطات القضائية والمخابراتية الأميركية عن اعتقال أميركي يهودي(كان في الماضي عضوا في منظمة الهغناة العسكرية الصهيونية التي سبقت قيام إسرائيل) بتهمة تسليم معلومات سرية إلى إسرائيل قبل عشرين عاما بما في ذلك معلومات بشأن الأسلحة النووية في قضية مرتبطة بفضيحة جوناثان بولارد الذي اتهم بالتجسس في الثمانينات.
وأوضح بيان مشترك لهذه الأجهزة ان «بن عامي كاديش الذي يبلغ من العمر 84 عاما، عمل من 1963 إلى 1990 مهندسا ميكانيكيا في مركز الأبحاث الخاص بتسلح الجيش في ارسينال بيكاتيني في دوفر (ولاية نيوجيرسي، شرق)». وأضاف البيان انه « متهم خصوصا بانه سلم بين 1979 و1985 وثائق متعلقة بالدفاع الوطني للولايات المتحدة الى حكومة إسرائيل وتحرك كعميل لإسرائيل وأدلى بإفادات كاذبة للمحققين».
وكانت الوثائق تصل إلى إسرائيل عن طريق دبلوماسي في القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، حيث كان كاديش ينقل الملفات السرية إلى منزله في نيوجيرسي، ثم يقوم الموظف الإسرائيلي الذي كان يعمل ملحقا علميا في القنصلية الإسرائيلية ولم تكشف هويته، بتصويرها لتسليمها إلى الدولة العبرية. وتقول المصادر القضائية والمخابراتية الأميركية ان«هذا الدبلوماسي الإسرائيلي كان احد العملاء الذين اتصل بهم جوناثان بولارد الذي اتهمته الولايات المتحدة بتلسيم آلاف الوثائق السرية إلى إسرائيل في 1984 و1985 في قضية هزت العلاقات الأميركية الإسرائيلية».
وعلى ذكر بولارد، فان هذا الشخص سجل باسمه أشهر و«أخطر »فضيحة تجسس إسرائيلية في أميركا خلال القرن العشرين، حيث تشير الوثائق الأميركية التي نشرها تقرير «واشنطن لشؤون الشرق الأوسط» في مجلده الخامس في فبراير 1987، إلى انه استغل عمله كيهودي أميركي في الاستخبارات الأميركية (سي اي ايه) لصالح إسرائيل.
وتضيف الوثائق: «حصل بولارد الضابط المتخصص في مجال الإرهاب على الف وثيقة سرية مكونة من 850 الف صفحة من الوثائق السرية من الدرجة الاولى، حيث تبين لمحققي وزارة الدفاع ومكتب التحقيق الفيدرالي انها وثائق لا تتعلق بمصالح الأمن الإسرائيلية، لكنها تتعلق بمعلومات متنوعة عن كل ما وصلت اليه يد بولارد».
السلطات الأميركية التي «صدمت»وقتها بفضيحة بولارد، ولم تخف «حسرتها »من الصديق الذي «اقتحم غرفة نومها وغرفا من أسرارها تحت جنح الظلام »، عادت وربطت بينه وبين كاديش، حيث قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية توم كايسي ان« قضية كاديش مرتبطة بشكل ما بقضية بولارد الذي يمضي عقوبة بالسجن اثر ادانته بالتجسس لحساب إسرائيل».
وقال ان «هذا النوع من النشاطات سواء جرت في الماضي أو الآن، ليست من الأعمال التي نتوقعها من صديق أو حليف ونأمل الا تكون إسرائيل متورطة في هذا النوع من النشاطات».وأضاف « قبل عشرين عاما عندما حدثت قضية بولارد قلنا ان هذه النشاطات ليست السلوك الذي نتوقعه من اصدقاء وحلفاء وما زال الأمر كذلك اليوم ».
مطالبة واشنطن لـ «الصديق الإسرائيلي» بعدم دخول غرف النوم الأميركية خلسة» سواء في السابق أو الان، لم تجد نفعا في تهدئة غرائز التلصص المتقدة لديه، ولم تبطل مفعول شهواته الجامحة في الحصول على ادق اسرار«سيدة العالم ».
حلقة ثالثة من مسلسل التجسس الإسرائيلي على أميركا، كانت تفجرت في مايو2005، وبطلها الرئيسي « لاري فرانكلين » واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة المعروف بمنظمة «ايباك».
فرانكلين الذي اعتقلته المباحث الفيدرالية الأميركية (اف.بي.اي) في فيرجينيا، هو موظف سابق في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، حيث كان يعمل في قسم الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويشتبه بانه نقل معلومات سرية إلى « ايباك »، التي قامت من جهتها بنقل تلك المعلومات إلى إسرائيل.
وقالت المصادر الأميركية وقتها ان« المباحث الفيدرالية حققت على مدى ثلاث سنوات بشبهات تتمحور حول قيام فرانكلين خلال عمله في البنتاغون بالتجسس لصالح إسرائيل ، حيث اشتبهت الـ (اف.بي.اي) بوجود جاسوس إسرائيلي رفيع المستوى في وزارة الدفاع الأميركية واحتمال ان يكون قد اثر على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط».
هذه النماذج من فضائح التجسس الإسرائيلية التي تم كشف النقاب عنها-وما خفى كان أخطر- تدفعنا إلى التساؤل عن السبب الذي يدفع الدولة العبرية إلى القيام بمثل هذه الافعال المشينة، ولماذا يخون الكثير من الأميركيين واغلبيتهم من أصل يهودي وفي مراكز ومناصب مرموقة بلدهم الذي سمح لهم بهذا الارتقاء الوظيفي؟.
بالنسبة للسؤال الأول، فان إسرائيل ورغم ادراكها لطبيعة العلاقة المتميزة مع الولايات المتحدة، والتحالف الوثيق بينهما، الا انها-الدولة العبرية-تعتقد انها كقوة اقليمية لها أجندة ومصالح وتوجهات، ربما تختلف كليا عن أجندة القوة الكونية الاولى.
وهذا الامر دائما يدفعها إلى محاولة الحصول على ما لدى القوة الكونية من مصادر معلومات واسرار عسكرية ومخابراتية هائلة، واستثمارها لصالح دعم مشروع بقائها على الارض العربية، وعدم الارتكان لمظلة الحماية الأميركية فقط.
يضاف إلى ذلك ان إسرائيل تشعر بقلق بالغ من ان يتغير«المزاج الأميركي»في يوم من الأيام، ليصبح مفهوم «الدولة الحليفة» الذي تحظى به مجرد اثرمن الماضي، كما بشرت بذلك دراسات اكاديمية أميركية، حركت هواجس كثيرة لدى صانعي القرار الإسرائيلي.
ومنها دراسة نشرت في مارس عام 2006، في مجلة« لندن ريفيو أوف بوكس» لاكاديميين أميركيين هما ستيفن والت عميد كلية جون أوف كيندي للحكومة بجامعة هارفارد الشهيرة، وجون ميرشيمر أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، بعنوان (اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية)، اشارا فيها إلى ان «إسرائيل تحولت عبئاً استراتيجياً على الولايات المتحدة».
هذه الدراسة وغيرها من الاصوات الأميركية ـ وان بدت خافتة، تحرك هواجس ومخاوف كثيرة لدى إسرائيل، وتجعلها العمل بكل الوسائل والأدوات الشرعية وغير الشرعية، من اجل الاستفادة من كافة أدوات المظلة الأميركية، قبل ان تغلق تحت اي ظرف كان.
الجانب الآخر من التساؤل والخاص بالأسباب التي تدفع بعض الأميركيين إلى خيانة بلدهم والتجسس لصالح إسرائيل، فانه ينبغي الاشارة إلى نقطة غاية في الاهمية، وهى ان اغلب من ضبطوا ب«الجرم المشهود»-التجسس- جذورهم الدينية تعود إلى «اليهودية»، وهذا يفجر قضية« الولاء الابدي» لفكرة اسطورية هي فكرة«أرض الميعاد» التي ألبستها الحركة الصهيونية ثوبا دينيا لتبرير سرقة أرض فلسطين.
هذا « الولاء الابدي» يتعدى حتى فكرة « الولاء المزدوج »، ويثبت ان هؤلاء الجواسيس اليهود، الذين عاشوا في مجتمعات أخرى أكثر انفتاحا وليبرالية، رفضوا ان ينصهروا فيها، وان يصبحوا جزءا منها، بل اعطوا ظهورهم لتلك المجتمعات التي منحتهم الفرصة لتولي ارفع المناصب السياسية والأمنية، كما هو الحال في المجتمع الأميركي.
اذن القضية ليست قضية مال أو اغراءات فقط، وانما قضية «ولاء ابدي»، لا يتغير ابدا ، حتى لوكان قائما على أسطورة وهمية، اثبتت جميع الدراسات التاريخية عدم صحتها، ومن ثم فان الجاسوس الذي يتحرك بدوافع مثل تلك، لا تردعه على الإطلاق اية محاذير اخلاقية أو سلوكية، بل يسطو ويخون ويسرق الأسرار.. وينتظر «الثواب من رب العباد».
جي - ستريت
ظهر في الولايات المتحدة الأميركية منتصف ابريل الماضي لوبي جديد (مجموعة ضغط) باسم «جي - ستريت» يسعى إلى «تغيير السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وتنظيم حوار واسع حول دور الولايات المتحدة في المنطقة» ولكن بنوع من التوازن.
اللوبي الجديد يتكون كما يقول مديره التنفيذي جيريمي بن عامي مستشار بيل كلينتون السابق اخيرا لصحيفة «جيروزالم بوست» ان «جي ـ ستريت يمثل أميركيين، معظمهم يهود، يدعمون إسرائيل ورغبتها في الأمن كوطن لليهود كما يدعمون حق الفلسطينيين في دولة ذات سيادة ويريدون دولتين تعيشان في امان جنبا إلى جنب».
وترى «جي ـ ستريت» ان قرار اجتياح العراق كان خاطئا وان تهديد إيران غير مفيد وتدعو إلى اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا.وينوي اللوبي الجديد اقتراح حل بديل من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية التي تأسست قبل خمسين سنة في واشنطن والمكلفة التأثير على الكونغرس والتي يعتبرها منتقدوها الجهاز الذي بلور خلال عقود السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
علامة استفهام
في اعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي ضربت نيوريوك وواشنطن، تردد ان السلطات الأميركية اعتقلت العشرات من عملاء المخابرات الإسرائيلية، ورحلتهم إلى الدولة العبرية، الامر الذي اثار الشكوك وعلامات الاستفهام بشأن معرفة المخابرات الإسرائيلية بموعد الهجوم.
هل كانت تعلم حقا المخابرات الإسرائيلية؟ ربما..ولكن لماذا لم تخبر الولايات المتحدة رغم العلاقات الوثيقة بين الطرفين؟ في الواقع ان المتأمل للاحداث من 11سبتمبر 2000 وحتى اليوم.
يدرك ان إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من التوجه السياسي والعسكري الذي اتخذته الولايات المتحدة، حيث تم احتلال العراق ومن ثم إسقاطه من دائرة الدولة المؤثرة عربيا، وتضييق الخناق على المقاومة الفلسطينية والعربية، و«تجريم» عملياتها ضد الاحتلال، إضافة إلى تجنيد وتجفيف مواردها المالية.
كل هذا صب في مصلحة إسرائيل، وبالتالي فحتى إذا كانت تعلم المخابرات الإسرائيلية بالهجمات، فانها لم تكن لتخبر واشنطن بامرها.. ففوائد عدم إبلاغها أكثر كثيرا من تلك التي كانت ستحصل عليها حال «الوفاء لحليفها» وابلاغه قبل تلقيه طعنة في الخلف.!
خالد سيد احمد


