إن أول ما يستوقفني، وأنا في صدد قراءتي لهذه الحقبة الصعبة من تاريخنا، في لبنان وفي العالم العربي، هو ظاهرة السلفية الدينية، الإسلامية تحديداً، التي يتعاظم شأنها، منذ ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، هي العقود التي تتصل بالمرحلة التي سبقت وتلت انهيار التجربة الاشتراكية.

ولهذه الظاهرة أسباب جوهرية ساهمت في توليدها. ولا جدال في أن السبب الأول في نشوء هذه الظاهرة وفي تعاظمها، هو الفراغ الذي أحدثه انهيار التجربة الاشتراكية، من جراء الخلل الذي ساد فيها منذ البدايات، وتفاقم مع الزمن، وأدى إلى تراجع المشاريع المتصلة بالاشتراكية في بلداننا، وتراجع دور الأحزاب الشيوعية واليسارية عموماً إلى حدود التهميش. إلا أن أسباباً أخرى كانت تضاف إلى هذا السبب الجوهري، أسباباً ذات صلة بواقع بلداننا.

ويمكن تلخيص هذه الأسباب الإضافية بأربعة أمور يكمل الواحد منها الآخر. الأمر الأول يتعلق بكون معظم بلداننا أخضعت، منذ المراحل الأولى التي أعقبت حصولها على الاستقلال، إلى أنظمة استبدادية متعددة الأشكال والصيغ. إذ مارست هذه الأنظمة، حتى وهي ترفع شعارات التنمية والتقدم.

وبعضها كان يرفع شعارات الحرية والاشتراكية، سياسة قمع للحركات التي كانت تنادي بالحرية، وتدعو إلى احترام حقوق الإنسان والمواطن في بلداننا. واستهدفت، في شكل خاص، تلك الحركات التي كانت تدعو إلى التغيير، باسم الاشتراكية، وحتى باسم الفكر القومي.

الأمر الثاني يتعلق بكون بلداننا ظلت أسيرة تخلفها المزمن، بفعل سيادة أنظمة الاستبداد هذه. وهو ما أدى إلى خلق الأرضية التي هيأت الشروط لتوليد ظاهرات سلفية رجعية، سرعان ما تحكمت بوعي القسم الأكبر من مواطني بلداننا.

الأمر الثالث هو ما يتمثل في كون هذه الوقائع قد أسهمت في تفكيك مجتمعاتنا على أسس دينية ومذهبية وقبلية وإثنية.

الأمر الرابع هو ما يتمثل في التدخل الخارجي في شؤون بلداننا. علماً بأن بعض هذا التدخل إنما كان يأتي بطلب من القوى السياسية في الداخل، المتصارعة فيما بينها استقواءً به ضد خصومها.

تعطيل التحولات الكبرى

إن هذه الأسباب التي أشرت إليها، والتي أدت إلى نشوء هذا الواقع الذي نحن فيه، هي التي تسهل رؤية الخطر الأساس الذي تشير إليه النتائج المتولدة عن هذه الظاهرة السلفية. وتتمثل هذه النتائج في ما نشهده من أحداث سياسية من أنواع شتى، مرفق بعضها بأعمال همجية مثلما ساد في العراق منذ الاحتلال الأميركي لهذا البلد.

وهي أحداث عطلت وتعطل انتقال بلداننا من تخلفها المزمن ومن أنظمة الاستبداد إلى العصر الجديد وإلى إنجازاته وإلى تحولاته الكبرى. وإذ أشير إلى هذه المخاطر المتأتية من استفحال ظاهرة السلفية الدينية الرجعية النزعة فلست أرمي إلى توجيه نقد مطلق للفكر الديني جملة وتفصيلاً. فمثل هذا الإطلاق سيكون ضرباً من التعسف.

لكنني معنيّ بنقد هذا النوع من الفكر ومن حملته. وأستند في هذا النقد إلى أن هذا النوع من حملة الفكر الديني يعتبرون أنفسهم، كل منهم على طريقته، أصحاب الحق الحصري في تفسير وتأويل «النصوص المقدسة»، وفي تحويل اجتهاداتهم في هذين (التفسير والتأويل) إلى «قوانين إلهية» يتعاملون بها مع المجتمع.

فيكفر بعضهم من يختلف معه، ومع اجتهاداته الدينية، بما في ذلك في الدين ذاته. ويمارس بعض آخر القمع للمختلف معه بأشكال وأدوات مختلفة، بما في ذلك بالقتل الفردي والجماعي عندما يرون ذلك ضرورياً بالنسبة إليهم وإلى مشاريعهم.

في حين يمارس فريق آخر من هؤلاء نوعاً آخر من السياسة، لا يختلف في الجوهر عن الفريق الأول، وإن كان يختلف عنه في الهدف المعلن وفي الوسيلة. وإذا كنت أميّز بين فريق وآخر من الذين يتحدثون باسم الدين الإسلامي، في الفكر وفي السياسة وفي النشاط العملي، انطلاقاً من شعاراتهم ومن الأهداف الملموسة التي يبتغون تحقيقها، أي بين حزب الله، في لبنان وحماس في فلسطين، وبين القاعدة ومثيلاتها من الحركات المتطرفة.

فإنني لا أستطيع إلا أن أرى ما هو مشترك بين هؤلاء جميعاً، في طريقة استخدام الدين تعسفاً، لمصالح سياسية وغير سياسية، وفي تجاوز قيمه الإنسانية والروحية، وفي جعله، من الناحية العملية، عائقاً أمام تحقيق الحرية والسعادة لشعوبنا والتقدم لبلداننا في ميادينه كافة.

واستند في مقاربتي لهذا النقد الذي أسوقه ضد حملة الفكر الديني، من الاتجاهات المشار إليها، برغم ما بينها من اختلاف في أمور عديدة، إلى المقارنة بين هؤلاء وبين ما قدمه لنا من أفكار نيرة كبار مفكري عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر وفي مطالع القرن العشرين، ممن رفعوا راية الإصلاح الديني، بهدف تحرير الدين الإسلامي ممن أساءوا إليه وحولوه إلى عائق أمام تقدم بلداننا.

إذ كانت اجتهاداتهم بالغة الأهمية في التوفيق بين ما تشير إليه قيم الدين، وبين العصر وإنجازاته وتحولاته. وكان هدف هؤلاء الكبار من رواد النهضة يتمحور حول تحرير الدين ممن استخدموه لأغراضهم ومصالحهم، وجعله مواكباً لحركة التقدم والارتقاء في عصرنا، وعبر العصور.

وكان في صلب ما حفلت به أفكارهم واجتهاداتهم التأكيد على حق الإنسان في الحياة وحقه في التمتع بما تحققه البشرية في تقدمها من إنجازات، وإبقاء الدين أميناً لقيمه الروحية، وإبعاده عن الشؤون المتصلة بالدولة وبأنظمة الحكم فيها.

التعسف باسم الكتل البشرية

إن «سادة» هذا الزمن و«قادته» من الأحزاب الدينية ومن مرجعياتها قد سلكوا، في تعاملهم مع الدين الإسلامي ومع قيمه، طريقاً آخر مغايراً ومناقضاً لما بشر به ودعا إليه رواد النهضة من الإسلاميين، ومغايراً ومناقضاً لاجتهادات هؤلاء المصلحين الكبار ولسلوكياتهم، وللأهداف التي أرادوا من اختيارهم لها وارتباطهم بها تحقيق الحرية لشعوبنا والتقدم لبلداننا.

إذ قرر هؤلاء «السادة» و«القادة» الجدد لشعوبنا ولبلداننا، باسم الدين تعسفاً، من دون استشارة نخبها وجماهيرها، مصائرها بالمفرد وبالجمع. وقرروا، من دون تفويض من أحد، باسم ما اعتبروه تكليفاً إلهياً، أن حياة الكتل البشرية الكبرى في الدنيا على وجه العموم.

وفي بلداننا على وجه الخصوص، باستثنائهم هم، أي هؤلاء «السادة» و«القادة»، هي لحظة عابرة في الطريق إلى حياة أخرى أكثر ثباتاً واستقراراً، وأكثر جدوى. وقد صدقتهم أقسام واسعة من هذه الكتل الشعبية، من فقرائها خصوصاً، وحتى من بعض نخبها الثقافية.

وقبل أن أدخل في تقديم بعض الأمثلة عن المواقف التي تتخذها بعض القوى والحركات السياسية المعاصرة باسم الإسلام الشيعي والسني، أحب أن أؤكد بأن الفكر الديني، الذي تعبّر عنه نصوصه ورسالاته، قد تميّز، بالقيم الروحية التي تمجد الحياة، وتعطي للإنسان بعامة، وللإنسان المؤمن بخاصة، موقعه الحقيقي في الحياة، كحق إنساني وإلهي في آن.

حتى ولو كان يعتبر أن الحياة الدنيا في نظر الأديان لحظة عبور إلى الحياة الآخرة. فهذه «اللحظة» ليست، بالنسبة إلى الدين لحظة عدم. بل هي، «لحظة» حياة حقيقية تؤسس للانتقال إلى الحياة الآخرة.

ولقد يكون من المفيد هنا الاستشهاد ببعض أقوال وأحاديث نبي المسلمين محمد وبعض الخلفاء والأئمة، تأكيداً لما أسوقه حول الموقف الأصلي للفكر الديني الذي يمجد الحياة على الأرض، ولمواجهة الانحرافات التي شوهت بها بعض الحركات والتيارات هذا الفكر في ممارستها السياسية وأبعدته عن قيمه الروحية. يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حديث معروف بالغ الدلالة: «الدنيا مزرعة الآخرة».

والزرع في هذا الحديث، كما يفسره المجتهدون في الدين، إنما يعني الزرع من أجل الحياة في الدنيا، قبل سلوك الطريق إلى الآخرة. ويقول الإمام علي بن أبي طالب في إحدى عظاته: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً». ويقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في احترام حرية الإنسان الفرد: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً».

إلا أن ما هو أهم من هذه الاستشهادات المأخوذة عن أحاديث النبي الكريم والخلفاء والأئمة وسواهم من المرجعيات الدينية التاريخية، إنما تعبر عنه نصوص قرآنية بالغة الدلالة. وفيما يلي بعض هذه النصوص مأخوذة من السور القرآنية ومن بعض الآيات الواردة فيها.

وهي نصوص تشير بوضوح إلى حق الناس في الإيمان أو في عدمه، وترفض الإكراه في الدين. تقول الآية 29 من سورة «الكهف»: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». وتقول الآية 256 من سورة «البقرة»: «لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغيّ». وتقول الآية 22 من سورة «الأنفال»: «إن شر الدواب عند الله الصمَّ البكم الذين لا يعقلون».

وتقول الآية 44 من سورة «الفرقان»: «أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً». وتقول الآية 28 من سورة «فاطر»: «®.إنما يخشى الله من عباده العلماء». وتقول الآية 24 من سورة «الأنفال»: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا ما دعاكم لما يحييكم».

القطيعة بين الفكر والممارسة

ألا تشير هذه النصوص القرآنية إلى التأكيد على الحق الطبيعي للإنسان في أن يختار بحرية طريقة حياته ودينه، وإيمانه أو عدم إيمانه؟ بل إنها، أكثر من ذلك وأهم، إنما تبشر، مضافة إليها أحاديث نبي المسلمين وخلفائه والأئمة، إلى القطيعة بين الفكر والممارسة في الدين ذاته، القطيعة التي تبرز في سياسات ومواقف بعض الذين يعلنون انتماءهم إلى الفكر الديني. كما تبرز تلك القطيعة في ممارسة القمع من قبل هؤلاء، باسم الدين، لشعوبهم وللذين يختلفون معهم، حتى في الدين ذاته. أقول ذلك لأبرّئ الدين مما يُمارَس باسمه تعسفاً.

إن الوقائع التي تشير إليها سياسات الحركات الدينية المعاصرة، من الاتجاهات المختلفة المتناقضة، في المثالين اللذين قدمناهما، هذه الوقائع تبين، بما لا يدع مجالاً للشك، أن قادة هذه الحركات لا يولون أية أهمية لحياة البشر في بلدانهم، حين يدفعون الشباب خصوصاً للتضحية بحياتهم من أجل ما يروجون له هم من أهداف.

فهؤلاء القادة، بإثارتهم الغرائز عند الكتل البشرية الكبرى، قد حوّلوا هذه الكتل إلى قوى عمياء، تنقاد وراء زعاماتهم ومشاريعهم وخططهم، حتى ولو أدى ذلك بهذه الكتل، أفراداً وجماعات، الانقياد إلى تدمير حياتهم. وواضح هنا أن الجهل الذي يصيب الناس فيعميهم عن معرفة أنهم أصحاب حق في حياة سعيدة في الدنيا، هذا الجهل المطلوب تعميمه في مثل هذه الحالات.

إنما يرمي إلى جعل هذه الكتل البشرية الكبرى تبتعد عن فهم قيم الدين على حقيقتها، وتنزلق، من دون وعي، وراء الخرافات والبدع، وتنقاد وراء هوى وهوس من يقودها، بالمفرد وبالجمع، إلى الهاوية. وبالطبع فإن وظيفة هذا الجهل والتجهيل المشار إليهما هي إبعاد هذه الكتل البشرية، المشوهة الوعي والمسلوبة الإرادة، عن الوقائع التاريخية.

وإخفاء النصوص الدينية، التي أشرنا إلى بعضها، عن سمع هؤلاء وعن بصرهم وعن بصيرتهم. وبالطبع، وفق ما تشير إليه النصوص الدينية والقيم التي تؤكد عليها، فإن النضال ضد العدوان الخارجي الذي تتعرض له بلداننا، في لبنان وفي فلسطين تحديداً.

لا تعطي للذين يدعون أنهم يقاومون العدوان، الحق في تبرير العمليات الانتحارية. ولا تعطيهم الحق في الاعتداء على حرية الآخرين، ممن يختلفون معهم، سواء في الدين أم في السياسة، أم في تحديد معنى الوطنية. خلاصة القول هو أن المشكلة في الفكر هي أن الممارسة تختلف عنه وتتناقض معه.

بقلم: كريم مروة