يدور النقاش هنا حول إحدى أهم قنوات الدبلوماسية العامة التي توظفها الولايات المتحدة، وهي برامج تبادل الطلاب والمثقفين والمهنيين بين الولايات المتحدة والعديد من دول العالم. ويلقي المؤلف الضوء بصفة خاصة على البرنامج الذي وضعه المسؤولون الأميركيون لتأسيس شراكات للتعليم تضم أنشطة موجهة إلى الدول الإسلامية، وخاصة ما يتعلق بتبادل الدارسين والأساتذة وإقامة عروض وفعاليات ثقافية متعددة.
وهناك خمس غايات منشودة من هذا البرنامج تصب في تطوير الحوار الأميركي مع العناصر المعتدلة في العالم الإسلامي، وتوسيع نطاق فهم الإسلام وبلاد المسلمين داخل أميركا، والوصول إلى المزيد من الجماهير المستهدفة برسالة المعلومات عن الولايات المتحدة، وزيادة فهم السياسات الأميركية بين قطاعات عريضة من الجمهور في الخارج، وأخيرا إشراك الأجيال الناشئة التي من شأنها أن تخلف الأجيال الحالية في تولي زمام القيادة في مختلف المواقع.ولكن السؤال الكبير هو: إلى أي حد وفق هذا البرنامج وغيره في إزاحة الظلال عن موقف واشنطن من الشرق الأوسط بصفة خاصة وذلك في ضوء الحقيقة القائلة إن ظلالا قاتمة تبقى دائما عالقة بموقف واشنطن من المنطقة «باري باللو» مسؤول أميركي عمل طويلا في مجال الدبلوماسية العامة. وخدم ميدانيا في أكثر من بلد وقارة فيما وراء البحار، ما بين الكونغو والكاميرون في أفريقيا السوداء والمغرب في العالم العربي وفيتنام في آسيا.
بيد أن خدمة «باللو» لم تكن في مجال الاتصال الإعلامي بمعناه المتعارف عليه، ما بين الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون، بل كانت بالذات في ميدان برامج تبادل الطلاب والدارسين والمثقفين والمبعوثين على أساس زمالات دراسة بين بلادهم والولايات المتحدة.في هذا الإطار ظل المسئول الأميركي يولي اهتمامه باطراد إلى هذه العمليات من تبادل الشباب المثقف والمتعلم بين أميركا والعالم الإسلامي على وجه الخصوص.ومن منطلق هذا الاهتمام الذي كان جديرا بأن يزداد أهمية بل وحساسية بعد أحداث سبتمبر عام 2001، وضع «باري باللو» الدراسة التي شكلت مداخلته التي أسهم بها ضمن موضوع الكتاب الإعلامي الذي نتناوله في هذه السطور.عنوان هذه المساهمة ـ المداخلة هو: المبادلات الأكاديمية والمهنية مع العالم الإسلامي: أداة لم تنل بعد ما تستحقه من اهتمام تتحدث دراسة المسؤول الأميركي عن الثمار التي أمكن اجتناؤها من عائد هذه المبادلات:
توضح كيف أن عددا كبيرا ممن شملتهم برامج التبادل هذه ـ أميركيين وغير أميركيين ـ ما لبثوا أن نضجوا وفُتحت أمامهم أبواب التقدم والترقي وأتيحت لهم فرص لكي يشغلوا مناصب عليا ويحتلوا مواقع مؤثرة سواء في حكومات بلادهم أو على مستوى المنظمات الدولية.. آلاف ـ كما تضيف الدراسة ـ من أفراد هذه «العينة» اضطلع أفرادها بأدوار القيادة في حكوماتهم..
وآلاف غيرهم أتيح لهم أن يؤدوا أدوارا فاعلة وبالغة التأثير في مجالات العلم والأعمال التجارية (البيزنس) والفنون والتربية والتعليم ـ بل أن هناك 32 على الأقل من أفراد هذه الصفوة حصلوا على جوائر نوبل العالمية الرفيعة بينما فازت أعداد لا حصر لها، كما تضيف هذه الدراسة (ص109) بالاعتراف القومي والدولي بفضل ما قدموا من إسهامات أفادت منها البشرية جمعاء.
والحاصل أن موجة من الحوارات والمناقشات ثارت ـ كما تذكر الدراسة ـ في أعقاب حوادث سبتمبر 2001 على مستوى الكونجرس الأميركي ودوائر المثقفين ومسئولي الشأن العام بالولايات المتحدة وكلها كانت تحاول الإجابة عن سؤال محوري مهم، وهو:هل كانت أجهزة الدبلوماسية العامة الأميركية مقصّرة في واجباتها تجاه التواصل السليم مع العالم الإسلامي وخاصة مع الأجيال الشابة من مجتمعات الإسلام والمسلمين؟
يعترف صاحب الدراسة بأن ثمة شبحا جاثما ومحوّما في أركان المكان، بمعنى أن ثمة مشكلة ما برحت قائمة وهي بحكم وجودها، فضلا عن تداعياتها، تمثل السبب المحوري لكل ما تواجهه أجهزة الإعلام والدبلوماسية العامة الأميركية من إخفاقات وإحباطات..
في هذا الصدد يقول الكاتب الأميركي: أظن أن من المهم القول انه في معظم أقطار الشرق الأوسط وكذلك في جزء كبير من بقية العالم الإسلامي ـ ثمة «غوريلا» كئيبة ومكتنزة بوزن 800 رطل مازالت جاثمة في ركن من أركان القضية وتتمثل في سياسة أميركا تجاه الإسرائيليين والفلسطينيين.. وهذا الشبح الكئيب هو الذي يحجب أو يشوه رسالة أميركا بشأن الأثر العالمي للإرهاب مهما بلغت هذه الرسالة من حيث الأهمية أو التأثير.
من ناحية أخرى هناك من يعزو هذا الفشل الإعلامي الأميركي في مخاطبة العالمين العربي والإسلامي، لا إلى مضمون الرسالة ولا حتى إلى أسلوب تناولها وبثها وتوجيهها.. بل إلى إجراءات إدارية ولوجستية ومؤسسية يرجع تاريخها إلى 9 أعوام مضت من عمر المرحلة الراهنة.
وباختصار: فلقد شهد عام 1999 إلغاء وكالة المعلومات التابعة لحكومة الولايات المتحدة بوصفها كيانا مستقلا ومن ثم دمجها لتصبح دائرة تابعة لوزارة الخارجية في واشنطون بدعوى أنها ستمارس «الدبلوماسية العامة» رغم أن الوكالة السابق ذكرها كانت مسئولة عبر ما يقرب من نصف قرن عن تلك السلسلة المؤثرة من المكتبات والمراكز الثقافية الأميركية في طول العالم وعرضه.
وهناك أيضا من يضيف إلى هذه المشكلة، الهيكلية كما قد نسميها ـ بعدا جديدا يتمثل في الظروف التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة وزوال الخصم السوفييتي ودخول العالم إلى حقبة جديدة مع مقتبل عقد التسعينات: إنها حقبة الاسترخاء الأميركي التي أوصلت واشنطون إلى سكرة الفوز ومن ثم إلى درجة من الغرور.
هنالك يدلل صاحب الدراسة على فعالية برامج التبادل الثقافية والأكاديمية التي يبدو متحمسا لها ولاستمرارها، يوضح كيف أن العناصر التي ظلت تتفهم مشاكل أميركا وتتعاطف مع ما واجهته جماهيرها من معاناة أثر أحداث سبتمبر 2001 هي تلك العناصر التي سبق لها وأن انخرطت في برامج التبادل الثقافي والمهني والدراسي..
وهو يصفهم قائلا:إن هؤلاء الأفراد إنما وقع عليهم الاختيار للانتظام في سلك تلك البرامج لأنهم كانوا يتمتعون بقدرات وخصال فكرية وقيادية ومن ثم فقد تمكنوا من بناء علاقات دائمة وعقد صلات راسخة مع نظرائهم من الزملاء الأميركيين، إضافة إلى المؤسسات التي عملوا فيها والمجتمعات التي عاشوا بين ظهرانيها خلال مدة إقامتهم في الولايات المتحدة.
وهذا درس بليغ ومستفاد كما تراه سطور كتابنا (ص111) وهو درس كفيل بأن يبدد معالم الصورة الكئيبة الداعية إلى اليأس إزاء احتمالات المستقبل. إن كاتب الدراسة يؤكد أن هذا النمط من الدبلوماسية، «الناعمة» كما يسميها، مستوحيا أطروحات جوزيف ناي، وهي تتمثل في حالات وعمليات التبادل بين العناصر الأكاديمية والمهنية، مازال بوسعه أن يفضي إلى نتائج إيجابية.
ثم يضيف الكاتب الأميركي قائلا:إن هذه العناصر الأكاديمية المثقفة التي تزور أميركا في إطار تلك البرامج تظل محتفظة بتلك الانطباعات الإيجابية برغم ما قد تشعر به من إحباط وتعاسة إزاء سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أو في حرب العراق أو في النزاعات التجارية وما في حكمها.
مع هذا كله فإن علينا أن نستدرك في سياق عرضنا التحليلي لسطور هذا الموضوع. إن الإعجاب شيء.. والانبهار شيء آخر.. الإعجاب هو أن نحمد ما نراه ونحن نتسلح بوعي الظاهرة وعيوننا مفتوحة على الإيجابيات والسلبيات.. أما الانبهار فهو أقرب إلى خدر الاستسلام أمام ما نعجب به فإذا بنا نسلّم بكل شيء بغير نقاش أو درس أو تمحيص.
هذا هو بالضبط ما دعا أستاذا جزائريا أفاد ـ كما يقول المؤلف ـ من منحة فولبرايت للدراسة في أميركا واطلع بالضرورة على الجوانب الإيجابية التي يحفل بها المجتمع الأميركي دون أن يحول الإعجاب بينه وبين الإقرار بحقيقة المواقف السلبية التي تنطلق منها سياسات أميركا ذاتها إزاء قضايا الشرق الأوسط.
ونحن نحمد لكاتب الدراسة أن يسجل في سطور متنها (ص112) رأي هذا الباحث الجزائري الذي يقول بالحرف الواحد ما يلي: أحسب أن حكومتكم لم تنهض للوفاء بمسؤولياتها في الشرق الأوسط وأنا أوجه إدانتي إليها على ذلك لكنني أشهد بالأسلوب الذي تعمل به مؤسساتكم الديمقراطية على صعيد المجتمع المحلي في أميركا وأريد لبلدي هذا النجاح الذي شهدته.
ومثل آخر استقاه المؤلف هذه المرة من دارس باحث من بنغلاديش يقول:
لقد هيأت لي برامج التبادل جسرا أعبر من فوقه.. وهنالك طالعت أشياء يمكن إنجازها بشكل مختلف في مجتمع مختلف.. وتعلمت دروسا شكلت دعائم راسخة عند تشييد ذلك الهيكل المصرفي المتين للإقراض الصغير الذي أصبح يعرف باسم بنك غرامين.
نلاحظ من جانبنا أن هذه السطور يرجع تاريخها ـ على نحو ما نشرته الدراسة ـ إلى عام 1965، وأنها كما رأينا أفادت كاتب السطور وهو من بنغلاديش في التخطيط لهيكل بنك الفقراء الذي يتولى تقديم القروض الصغيرة بل المتناهية الصغيرة (مايكرو كرِدِت) إلى بسطاء الريفيين والحرفيين وخاصة نساء الأرياف..
وربما نلمح في ثنايا العبارات ما قد يشير إلى شخصية من طراز مؤسس بنك غرامين نفسه وهو البروفيسور محمد يونس.. الاقتصادي المسلم الحائز مؤخرا على جائزة نوبل الرفيعة بوصفه من الشخصيات العالمية التي يعتز بها الإسلام ويشرف بها المسلمون.
في نفس السياق، يطالعنا كاتب سطور أخرى يعمد صاحب هذه الدراسة إلى إثباتها وفي شهادته المدّونة يقول كاتب السطور انه زار أميركا على أساس منحة تبادل للدارسين وان هذه الزيارة وما ارتبط بها من دراسة شكلت تجربة مهمة في حياته وأنه قرر بالتالي إرسال أبنائه إلى هناك ليكملوا تعليمهم العالي. أما توقيع السطور فهو كالتالي:رئيس وزراء سابق لليمن.
في هذا السياق بالذات يجدر بنا طرح السؤال: ماذا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001؟
يجيب صاحب هذه الدراسة قائلا (ص116):بعد 9/11 بدأ مسؤولو الدبلوماسية العامة في تقييم (أو إعادة تقييم) برامج التبادل الثقافي والأكاديمي وما تنطوي عليه هذه البرامج من إمكانات تفيد في ردم هوة الفهم التي باتت تفصل بين الجانبين.. أميركا وشعوب العالم الإسلامي.. وفي هذا الإطار ـ تضيف الدراسة ـ عقدوا مؤتمرا في المغرب حيث أزاحوا الستار عن نهج برنامجي منقح تجاه العالم الإسلام وهو يؤسس شراكات للتعليم تضم أنشطة موجهة بالذات إلى البلدان الإسلامية ما بين تبادل الدارسين والأساتذة إلى إقامة عروض وفعاليات ثقافية حيث يتمثل الهدف المنشود في خمس غايات على الوجه التالي:
(1) تطوير الحوار مع العناصر المعتدلة في العالم الإسلامي.
(2) توسيع نطاق الفهم في أميركا للإسلام وبلاد المسلمين.
(3) الوصول إلى المزيد من الجماهير المستهدفة برسالة المعلومات الأفضل من حيث الدقة والموضوعية عن الولايات المتحدة.
(4) زيادة فهم سياسات واشنطون وقبول أهدافها بين قطاعات الجمهور في الخارج.
(5) إشراك الأجيال الناشئة التي من شأنها أن تخلف الأجيال الحالية في تولي زمام القيادة في مختلف المواقع.
لكن هذه الصورة، الإيجابية في معظمها، لها وجه آخر بعيد عن أي إيجابية.. ويشير إليه كاتب هذه الدراسة متمثلا في قوانين وقواعد وإجراءات الأمن التي عمدت إدارة بوش الراهنة إلى فرضها وتفعيلها في السنوات القليلة الأخيرة.. وكانت النتيجة التي يعرضها المؤلف (ص121) هي ذلك الانخفاض المطرد والباعث على القلق، كما يقول، في عدد الطلاب والدارسين والعلماء الزائرين للولايات المتحدة بموجب برامج التبادل الثقافي التي أسهب كتابنا في تبيان فوائدها وجدواها. والمسألة تتمثل أساسا في إهدار فرص كان يمكن أن تتاح لمزيد من الفهم ومزيد من الحوار بين أميركا وبين أقطار وشعوب وأفراد من الصفوة ينتمون إلى العالم الإسلامي.
المحرر في سطور
* دبلوماسي مخضرم تخصص في دراسات الشرق الأوسط على امتداد سنوات طويلة
* شغل منصب سفير أميركا لدى الدولة في السنوات من 1992 إلى 1995
* أضفى من خلال تحريره للكتاب إطارا عاما وشاملا على مجمل المساهمات في الكتاب
* يضم الكتاب إلى جوار مساهمته المعمقة عشر دراسات تعالج أبرز قضايا الدبلوماسية العامة
* من أبرز المساهمين في الكتاب بروفسور شبلي تلحمي الذي قدم معالجة مهمة لعدد من قضايا الدبلوماسية العامة
* تبرز إحدى دراسات الكتاب الأهمية الفريدة لميدان برامج تبادل الشباب والمبعوثين
*في ختام الكتاب يقدم المحرر توصية هي بمثابة خطة عمل شاملة للتحرك في موضوعه.


