انتهت الزوبعة التي أثارتها أوساط سياسية وأمنية وإعلامية في الولايات المتحدة الأميركية آخر العقد الماضي حول «القنبلة الذرية الجزائرية» إلى عناق نووي بين البلدين بإبرام اتفاق تعاون يقضي بمساهمة الخبرة الأميركية في بناء «ترسانة » سلمية من عشر محطات تنجزها الجزائر في غضون عشرين عاما بالتعاون مع ست دول على الأقل لإنتاج طاقة كفيلة بالمساعدة في انارة البيوت الأوروبية.

لكن كيف بدأت قصة البرنامج النووي الجزائري وأين هو الآن وما آفاقه؟

تفيد شهادات أدلى بها مسؤولون جزائرين سابقون بأن الدولة الجزائرية بدأت في التفكير بإقامة مشاريع نووية مع فجر الاستقلال ضمن استراتيجية شاملة لبناء نسيج صناعي متكامل على أنقاض ما خربته حرب الاستقلال، وسعياً لتأمين دفاعها. وحسب ما ورد على لسان هؤلاء المسؤولين فإن الرئيس أحمد بن بللا وهو أول رئيس للجزائر المستقلة ( 1962 ـ 1965).

قال في مؤتمر الحزب عام 1964 « إن الجزائر وإن خرجت من حرب مدمرة حديثاً فإنها دولة كبيرة وتسعى لاستكمال كل عناصر القوة» وأسر لمقربيه حسب ما نقله الدكتور محمد الصغير نقاش وأحمد محساس وزيرا الصحة والزراعة على التوالي في حكومته أن الجزائر يجب أن تمتلك السلاح النووي لضمان أمنها من الأعداء وفي مقدمتهم فرنسا التي كانت رابع دولة في العالم تدخل النادي النووي، وقد نفذت تجاربها بدءا من 1960 في صحراء « رجان» بأقصى جنوب غرب الجزائر.

لكن دخول البلاد في موجة كبيرة من الاضطرابات والصراعات على النفوذ بين أقطاب الحكم انتهت بانقلاب عسكري ناجح قاده وزير الدفاع العقيد هواري بومدين في 19 يونيو 1965، أجل ذلك الطموح وقدم أولويات أخرى أهمها. وبعد اكتشاف اليورانيوم في منطقة الأهجار بولاية تمنراست عاد الحديث مجددا عن اقتحام المجال النووي بذات الفكرة التي انطلق منها بعد الاستقلال.

ومرة أخرى اصطدم المشروع بخيارات أخرى وفضل القادة فتح جبهات تنموية داخلية هذه المرة بإطلاق الإصلاح الزراعي ومجانية الطب والتعليم وبرنامج واسع لبناء قاعدة اقتصادية ترتكز على الصناعة الثقيلة كمحور مركزي لعملية التنمية. فتأجل الطموح النووي مجددا،ولم يتسن تجسيده إلا في بداية الثمانينات عندما استقر الحكم وساد السلم والأمن في المجتمع.

ووقع الاختيار على الأرجنتين لتكون أول شريك نووي للجزائر في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد. وتم توقيع اتفاق بين الجانبين يقضي ببناء مفاعل نووي تجريبي صغير بقوة واحد ميجاوات وأقيم قرب بلدة درارية بالضاحية الجنوبية الغربية للعاصمة وتم تدشينه عام 1989.

وتكفلت الأرجنتين بتكوين عدد من الكوادر الجزائرية المتخصصة لتسييره وشكل رغم محدوديته حلقة بحث هامة، مكنت من انطلاقة فعلية للبحوث في مجال الطاقة النووية فتحت آفاقاً رحبة جعلت الدولة تفكر في المزيد. وبالفعل فقد أنجزت الجزائر بالتعاون مع الصين مفاعلا آخر أكبر بكثير في منطقة عين وسارة بولاية الجلفة على نحو 160 كلم جنوب العاصمة.

وقد تم تدشينه رسميا وعلنيا في 21 ديسمبر 1993. المفاعل يحمل اسم « السلام» وقوته 15 ميجاوات، يعمل بالماء الثقيل ويقوم عليه خبراء صينيون وعدد كبير من العلماء والباحثين الجزائريين. وقد رفع تدشين مفاعل عين وسارة النووي الجزائر لتصبح محط اهتمام القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

فقد كشفت تقارير رفع المجلس القومي الأميركي عنها صفة «السرية العالية» في العاشر من سبتمبر 2007، بعد ثلاثة أشهر بالتمام من توقيع بروتوكول التعاون بين البلدين في 9 يونيو من ذات العام، أن جهاز الاستخبارات لم يتوقف يوما عن مراقبة هذا المفاعل منذ تدشينه العام 1993، وأن البرنامج النووي الجزائري شكل اهتماما رئيسا لواشنطن حتى قبل ذلك، حيث أمر الرئيس جورج بوش الأب بمتابعة متأنية لجهود الجزائر النووية، بناء على تقارير من الاستخبارات الإسرائيلية «الموساد» أبدت تخوفها من أن تكون الجزائر تتسلح نوويا.

وفي عهد الرئيس بيل كلينتون عملت الولايات المتحدة على إيجاد آليات للتقارب مع الجزائر وتشجيعها على العدول عن توجهاتها النووية بتوفير بدائل تساعدها على تجاوز ظروفها الصعبة. واتخذ ذلك المسعى بعدين أولهما سياسي دبلوماسي وثانيهما اقتصادي إنمائي. وفي أقل من عام وقعت الجزائر ثلاث اتفاقيات للتعاون النووي مع قوى كبرى وذات خبرة طويلة في هذا المجال، هي بالترتيب حسب تاريخ التوقيع الولايات المتحدة وفرنسا والصين.

وحسب تصريحات المسؤولين الجزائريين فإن الحكومة خصصت 150 مليون دولار دفعة أولى لاستغلال نحو 30 ألف طن من اليورانيوم خلال السنوات الأربع المقبلة، وبالموازاة مع ذلك تنطلق أعمال البحث والتنقيب عن مناجم أخرى ستكون الأفضلية في استغلالها ـ حسب الوزير خليل ـ لمن يتعاون مع الجزائر في المجال النووي.

ويبلغ انتاج الطاقة الكهربائية في الجزائر حاليا7000 ميغاوات يضاف لها عند نهاية العام الجاري 2000 بعد تشغيل محطتين جديدتين يجري انجازهما حاليا. ويقول الخبراء إن حاجة الجزائر للكهرباء ستتضاعف في غضون عشر سنوات وستكون بحاجة إلى مصادر انتاج كبيرة لا يمكن تلبيتها إلا بتنويع مصادر التوليد من الطاقة النووية والكهربائية وقوة الرياح.

وستصدر كميات هامة من الكهرباء خاصة تلك التي تنتج بالطاقة المتجددة إلى أوروبا عبر خطوط تصل الجزائر بألمانيا التي ستقام عليها المحطة الأوروبية لتوزيع كهرباء الجزائر. ومن هنا فإن الأمر حسب ما أوضح الخبير الجزائري يتعلق بـ « حاجة مفتوحة» لأن عدد الزبائن كبير جدا ولا يتعلق الأمر بتأمين حاجة الجزائريين فقط.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي