على مدى عامي 2006-2007، تنافست عدة دول عربية في الإعلان عن إحياء برامجها النووية السلمية لانتاج الطاقة أو امتلاك مشروع نووي سلمي لأول مرة فيما يشبه الاتفاق الضمني على هذه الخطوة وإن بدت منفردة، ولا علاقة بين هذه الدولة أو تلك سوى في تقارب توقيت الإعلان عن ضرورة للدخول في عصر الطاقة النووية لاحتياجات وطنية صرفه. ففي سبتمبر 2006 .
أعلن نجل الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم جمال مبارك عزم مصر على إحياء برنامج الطاقة النووية الذي جرى التخلي عنه عام 1986. وفي نوفمبر 2006 أعلنت الجزائر عزمها توسيع استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء وتلقت عروضا بالمساعدة من إيران وروسيا وأخيراً فرنسا.
وقبلها كان المغرب قد أعلن في ابريل 2006 نيته توسيع برنامجه النووي لانتاج الطاقة وتلقى الأمر دفعة قوية خلال زيارة للرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين إلى الرباط في سبتمبر 2006.وأعلنت موسكو انها ستدعم إنشاء أول محطة للطاقة النووية في الرباط وتوقعت ان تكون جاهزة للعمل في 2016.
وفي ديسمبر 2006 أعلنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عن خطط لتطوير قدراتها في برنامج الطاقة النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أما أحدث من أعلنوا عن خطط لامتلاك برنامج نووي سلمي فكان الاردن، حيث أعلن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في يناير 2007 أن بلاده ستلحق بالركب العربي في امتلاك برنامج نووي للطاقة. السؤال هل تمثل هذه الخطوات انطلاقة حقيقية باتجاه اعتلاء العرب ناصية انتاج الطاقة النووية.
مصر النووية تتجاوز «أبواب الريح» الإسرائيلية
منذ أن أعلن الرئيس المصري حسني مبارك في 29 أكتوبر2007 بدء استئناف مصر برنامجها النووي للاستخدامات السلمية ولا حديث لدى الخاصة أو العامة إلا عن هذا الموضوع البالغ الأهمية، ومغزاه، وأهميته، وأهدافه الحقيقية وقدرة مصر على انجازه وإمكانية تعرضها لضغوط خارجية خاصة بعد تصريحات نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان حول خطورة البرنامج المصري وتهديده لإسرائيل لكن يبدو هذه المرة ان مصر تجاوزت مرحلة سد«أبواب الريح» الإسرائيلية.
الأمان النووي
في البداية يؤكد رئيس هيئة الطاقة الذرية في مصر الدكتور علي إسلام علي أن الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية ليست وليدة اليوم، وإنما بدأت في مصر منذ عام 1955 عندما تكونت هيئة الطاقة الذرية وتكونت فيها الكوادر الفنية على مدار خمسين عاما لتعمل في مجالات مختلفة مثل الطب والزراعة والصناعة وغيرها وما تم تأجيله فقط هو تطبيق استخدام المفاعلات في توليد الطاقة الكهربائية.
مشيرا إلى وجود مفاعلين للأبحاث النووية الأول أقيم عام 1961 والثاني 1998، وامتلاك خبرات بحثية وعلمية على أعلى مستوى. وقال إسلام: إن أي دولة تدخل المجال النووي لأول مرة لابد لها من الاستعانة بالخبرات الأجنبية لأنها تكنولوجيا متقدمة للغاية وتحتاج إلى كفاءة عالية في المعدات والأجهزة وأمان في المحطات، ولا يجب التضحية مثلا بالأمان النووي مقابل المحلية.
لا مخاوف
ونفى إسلام وجود مخاوف من تكرار حادثة تشيرنوبل، مؤكدا أن مفاعل تشيرنوبل كان فريدا من نوعه وكان له تصميم معين وغير موجود حاليا والانفجار يرجع إلى عوامل بشرية وعدم مراعاة الأمان النووي. وبعد هذا الحادث زادت معدلات الأمان في العالم وبعض الدول التي أوقفت برنامجها النووي استأنفته مرة أخرى ويوجد حاليا 449 محطة في 30 دولة حول العالم ويوجد تحت الإنشاء فعليا الآن 32 محطة في 12 دولة في أنحاء العالم. فالمحطات النووية تعمل الآن بأمان كامل ولا يوجد منها خطورة.
من جانبه قال الرئيس الأسبق للهيئة العربية للطاقة الذرية الدكتور محمود بركات علي ضرورة أن نعرف أن الطاقة النووية السلمية لها استخدامان، الأول في مجالات الزراعة والصناعة والطب، أما الاستخدام الآخر، فهو استخدام الطاقة النووية في إنتاج الطاقة الكهربائية أو استخدام تلك الطاقة لتحلية مياه الشرب المالحة وهي القضية الأهم لدى شعوب المنطقة قاطبة. وأكد علي أن حق امتلاك الطاقة النووية السلمية هو حق لجميع الدول وهذا الحق تقرره المواثيق والمعاهدات الدولية، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية بل إن الأخيرة أنشئت لدعم تنمية الاستخدام السلمي للطاقة الدولية.
إمكانات فنية وتكنولوجية
وعن الإمكانات الفنية والتكنولوجية المتاحة للبرنامج النووي المصري قال رئيس هيئة الطاقة الذرية الأسبق الدكتور فوزي حماد: إن قدرات البرنامج النووي المصري تتركز في وجود المراكز البحثية، والمفاعلات البحثية، وتأهيل الكوادر البشرية والتعاون الإقليمي والدولي، مشيرا إلى أن مصر أقامت العديد من المراكز من أقدمها مركز البحوث النووية الذي تتنوع نشاطاته لتشمل البحوث النووية الأساسية وبحوث الطرف الأمامي لدورة الوقود النووي والمفاعلات، وكذلك تطبيقات النظائر المشعة في الطب والصناعة والزراعة.
وقال حماد ان مصر لديها مفاعلان تجريبيان الأول بدئ العمل به عام 1961 بمساعدة الاتحاد السوفييتي السابق وهو مصمم لإنتاج النظائر المشعة وتدريب العاملين والفنيين وهو مفاعل تجارب فقط، تبلغ قوته 2 ميجاوات. اما المفاعل النووي البحثي الثاني متعدد الأغراض فقد أقيم بالتعاون مع الأرجنتين وتم افتتاحه في فبراير 1998 بقدرة 22 ميجاوات.
ويعد إضافة تقنية جديدة في الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية ولا يستخدم في الأغراض العسكرية، ويحقق مردوداً اقتصادياً بإنتاج العديد من النظائر المشعة ومصادر إشعاع «جاما» اللازمة لتشغيل معدات علاج الأورام إضافة إلى تعقيم المعدات الطبية والأغذية. وينتج المفاعل رقائق السيلكون المستخدمة في الصناعات الإلكترونية الأساسية
خطوة استراتيجية
أكد أمين الإعلام بالحزب الوطني الديمقراطي المصري الحاكم الدكتور علي الدين هلال أهمية واستراتيجية الخطوة التي اتخذتها مصر في سبيل إقامة برنامج للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وهو ما دفع بالرئيس حسني مبارك لتشكيل المجلس الأعلى للطاقة برئاسته وهو ما يدلل على جدية وعزم القيادة السياسية على المضي قدما في إتمام هذا البرنامج لما له من مردود ايجابي كبير على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ويصب في مصلحة الوطن والمواطنين ويمنع من ظهور الكثير من الأزمات والمشاكل التي يمكن أن تعصف بمستقبل الأجيال القادمة.
وحول وجه الاختلاف بين قرار الرئيس ببدء البرنامج النووي للاستخدامات السلمية والذي أعلن في أكتوبر 2007 قبيل اجتماعات الحزب الوطني وقرار العام السابق له.. وحول وجود ضغوط دولية تمارس من جانب الدول الكبرى على عدد من الدول العربية والإسلامية لمنعها من الدخول في النادي النووي ومدى إمكانية تعرض مصر لمثل هذه الضغوط.
قال هلال: عندما أعطي الرئيس مبارك استراتيجية كاملة للطاقة اتضح من خلالها مدي احتياج مصر الشديد للطاقة وإنه خلال 20 عاما سنحتاج إلى ثلاثة أضعاف احتياجاتنا الحالية والطاقة التقليدية إلى نضوب والجديدة لا تمثل سوى 20 في المائة، مشيرا إلى أن التعامل مع المجتمع الدولي بمنتهى الشفافية أكسب مصر قدراً كبيراً من الثقة والمصداقية.
وأضاف: إذا كان البعض يتحدث عن تقديم ضمانات للمجتمع الدولي فالضمانات موجودة منذ عام 1981 وهو تاريخ التصديق على اتفاقية حظر الانتشار النووي وهناك تفتيش دولي دائم ومستمر على جميع المفاعلات والمنشآت النووية في مصر وهناك تعاون كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشهد على مدى الشفافية والمصداقية التي تتعامل بها مصر، والضمان الأكبر هو أننا نعمل في النور ونتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشفافية كاملة فنحن لا نعمل في السر ولا في الظلام.
شغل المصريين
أما موقف المعارضة المصرية فجاء على لسان الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الذي قال: إن إعلان استئناف البرنامج النووي خلال المؤتمر السنوي الرابع للحزب الوطني ضربة غير نزيهة من الحزب الحاكم الذي يريد شغل المواطن المصري بآمال وطموحات جديدة وبعيدة عن احتياجاته اليومية الرئيسية مثل الأكل والشرب والحق في الحياة الكريمة، وأن إعلان استئناف البرنامج النووي المصري على لسان جمال مبارك الأمين المساعد للحزب الوطني الديمقراطي أمين عام لجنة السياسات بمثابة ترويج لمبدأ توريث الحكم.
القاهرة ـ «البيان»
