في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي كان الحماس على أشده في مصر لإقامة محطات نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية في بلد محدود الموارد النفطية، يعاني اكتظاظاً سكانياً، ويسعى إلى تقليل تكلفة توليد الطاقة بما يمثل دفعة لعجلة التنمية المتعثرة.

وقتها كان وزير الكهرباء الراحل ماهر أباظة الأكثر تحمساً للمشروع النووي السلمي وقاد حملة ترويج للفكرة، لكن الأمر خفت صوته فجأة، وسرعان ما طواه النسيان، رغم امتلاك مصر باعتراف كافة الخبراء كل الامكانات لدخولها عصر الطاقة النووية.

فقد كانت مصر سباقة في التطلع إلى اللحاق بالركب النووي فأقامت في عام 1955 هيئة للطاقة الذرية لتكوين الكوادر العلمية والكفاءات الفنية الوطنية التي تمتلك المهارات اللازمة لإنشاء المحطات النووية والقدرة على الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لامتلاك المشروع النووي السلمي الوطني.

وفي مايو 1956 تم اختيار منطقة مساحتها كيلو متر مربع واحد بأنشاص بمحافظة الشرقية لإنشاء المفاعل الذري المصري. وفي سبتمبر من العام ذاته تم التوقيع على عقد مفاعل تجريبي روسي قدرته 2 ميجاوات. وبعد محاولات حثيثة، بات المسرح مهيئا في منتصف الثمانينات من القرن الماضي لحصول مشروع الطاقة النووية السلمية لدفعة قوية تجاه تحقيق حلم العلماء الذين كانوا شغوفين للخروج من مرحلة التجريب والبحث إلى وقت التطبيق الفعلي للأحلام، لكن عادة ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

وبتعبير المهندس ماهر أباظة رحمه الله خلال حوار أجريته معه وقتها فإن بعض القوى(يقصد إسرائيل) لم تكن تريد لمصر اتخاذ هذه الخطوة ووقفت موقفاً سلبياً بمساندة الولايات المتحدة بما جعل الحماس المصري يفتر وبالتالي دخل الأمر بكل جهوده إلى الأضابير والأدراج لتتراكم عليه الأتربة والغبار.

وبعد نحو أكثر من 20 عاماً على طي هذه الصفحة التي اعتقد البعض انها باتت من الماضي ويصعب فتحها مجدداً، عادت مصر إلى بعث الحياة في مشروعها النووي السلمي بحماس اشد وأكبر من ذي قبل، وجرى الحديث عن ضرورة تعويض ما فات من سنوات.

وأعلن الرئيس المصري حسني مبارك في فبراير 2006 خلال تكريم مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للسلام«أننا في مصر حريصون على تعزيز استفادتنا من الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وهو حق تكفله أحكام معاهدة منع الانتشار للدول أطرافها». بعدها توالت التصريحات الحكومية الرسمية عن أهمية البرنامج النووي المصري.

ورغم الحماس الحكومي شكك البعض في ان الخطوة ربما تكون نوعاً من الدعاية السياسية التي أرادت الحكومة منها كسب التأييد الشعبي، وهو ما حاولت الحكومة نفيه بشدة والتأكيد مرة تلو الأخرى على ان المشروع يمثل ضرورة وطنية لخدمة كل المصريين. ونتمنى هذه المرة ان تصدق الأقوال ونرى الأفعال على الأرض وحتى نتخطى الإحباط الذي اعترى المصريين قبل أكثر من عشرين عاماً.

tnh57@hotmail.com