على عكس ما ساد من آمال لدى الكثيرين بشأن تطور مسيرة الديمقراطية على الصعيد العالمي، في منحنى تصاعدي، وعلى عكس ما بشرنا به صاموئيل هنتنغتون في كتابه بشأن «الموجة الثالثة» يصدمنا لاري دياموند أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد وأحد مؤسسي جريدة «الديمقراطية» في مقال له نشره في العدد قبل الأخير من مجلة «فورين آفيرز» الأميركية بأطروحة يدعمها بالأدلة والأمثلة على تراجع الديمقراطية في العالم.

مشيرا إلى أنه بعد عقود من المكاسب التاريخية، يشهد العالم انتكاسة ديمقراطية في ظل صعود ما يصفه بـ «الدولة المفترسة»، على نحو يهدد الديمقراطيات الوليدة ومساعي تأسيس ديمقراطيات جديدة حول العالم. غير أن دياموند لا يتركنا فريسة لهذه المخاوف بل يبشرنا بأن هذا الاتجاه يمكن تغييره أو بالأحرى تحويل مساره من خلال العمل على تطوير نظم حكم جيدة تتسم بقواعد حازمة بشأن المسائلة، فضلا عن استخدام المساعدات المشروطة من قبل الغرب من أجل تحقيق هذه المهمة.

من البداية يشير لاري دياموند في مقالته إلى أنه منذ عام 1974 تحولت أكثر من 90 دولة إلى الديمقراطية وأنه بحلول نهاية القرن الماضي أصبحت نحو 60% من دول العالم المستقلة تقريبا تدرج في عداد الدول الديمقراطية، ويذكر أن دمقرطة المكسيك واندونيسيا في نهاية التسعينات و«الثورات الملونة» في جورجيا وأوكرانيا شكلت قمة المد الخاص بالتحول الديمقراطي.

وفي محاولة لدعم هذا الجانب يشير الكاتب بصياغة بالغة الدلالة على النظرة التي تسود لدى الكثيرين في العالم الغربي سواء كانوا حكاما ومسؤولين أم مفكرين، على أنه حتى في العالم العربي ـ ما يعني أنه من المفترض أننا بعيدون عن توقع أن نكون ضمن سياق هذه التطورات ـ فإن هناك تحولا ملحوظا نحو الديمقراطية، وهو ما يجعل العالم العربي خارج نطاق المناقشة بشان التحول الديمقراطي.

غير أن الكاتب هنا يستعين بمثال ملغم يتمثل في ما يعتبره نجاح القوى الديمقراطية في لبنان عام 2005 في التحرك على نحو أدى إلى خروج القوات السورية من لبنان، كما أن العراقيين ـ حسبه ـ صوتوا في انتخابات تعددية للمرة الأولى منذ نصف قرن تقريبا.

غير أننا يجب ألا نأخذ كلام الكاتب على علاته، فرغم الخلفية البحثية لدياموند والتي قد تجعله يقدم لنا مادة ذات طبيعة اقرب إلى العلمية والحيادية، إلا أنه ممارس للسياسة بشكل أو بآخر حيث عمل مستشارا في سلطة الائتلاف المؤقت بالعراق وهو ما قد يسوغ محاولة تسويقه لما جرى في العراق على أنه تطور نحو الديمقراطية.

ولا شك أن حديثه عن تطور الموقف في لبنان يعكس موقفا سياسيا أكثر منه موقفا علميا محايدا، حيث ان معيار الحكم على الأوضاع في لبنان ينبغي أن يكون بما يجري على صعيد صيغة الحكم والتي وصلت إلى طريق مسدود ما قد يعزز الأطروحة الرئيسية لدياموند بشأن التراجع الديمقراطي بغض النظر عن التحفظات التي ترد على صيغة النظام اللبناني الأساسية التي تقوم على أبعاد طائفية.

ومن خلال الطرح العام الذي قدمه يخلص الكاتب إلى أنه قد يكون من السابق لأوانه رغم ما سبق الاحتفال بانتصار الديمقراطية، إزاء تباطؤ مسيرتها خلال الأعوام الماضية من خلال التيارات المناهضة التي تمثلها قوة الأنظمة التسلطية، ما عرض العالم لانتكاسة ديمقراطية.

هنا يشير الكاتب إلى ان الديمقراطية بدأت تتعرض للخنق في عدد من الدول المحورية تشمل نيجيريا وروسيا وتايلاند وفنزويلا وأخيرا بنغلاديش والفلبين. ويدلل على موقفه بآخر ما يعتبره انتكاسات ديمقراطية ممثلة في تلك التطورات التي حدثت في كينيا ديسمبر الماضي والتي مثل تراجعا حادا أغرق البلاد في حالة من العنف.

وفي الوقت ذاته فإن معظم الوافدين الجدد إلى النادي الديمقراطي بل وكذلك بعض الدول التي لها باع في مجالها كان أداؤها بالغ الفقر، بل إن العديد من الأقطار التي ينظر إليها على أنها تعكس قصص نجاح للديمقراطية مثل تشيلي وغانا وبولندا وجنوب إفريقيا، تواجه مشكلات خطيرة.

أما في جنوب آسيا حيث سادت الديمقراطية لوقت طويل، فإن دولة مثل الهند تحيط بها دول غير ديمقراطية وغير مستقرة سياسيا. كما أن الطموحات بشأن التقدم الديمقراطي في العالم العربي جرى تقويضها على مداه مع استثناءات محدودة، سواء على يد الإرهاب والعنف السياسي والديني كما في العراق، أو من خلال الانقسام المجتمعي كما في لبنان، أو على يد الأنظمة التسلطية كما في عدد من الدول العربية.

هنا وفي محاولة لرؤية ضوء في نهاية النفق، يقرر الكاتب أنه لكي يتم نشر الديمقراطية، يجب العمل على تجذيرها في الدول التي أخذت بها. كما أن الديمقراطيات الصاعدة يجب أن تكشف قدرتها على حل مشكلات الحكم التي تواجهها، وأن تحقق تطلعات مواطنيها على صعيد الحرية والعدالة والحياة الجيدة والمجتمع النزيه.

وعلى ذلك فإنه إذا لم تفعل الديمقراطيات الكثير وعلى نحو فعال من أجل مواجهة الفساد والعمل على تعزيز النمو الاقتصادي وتأمين الحريات وحكم القانون فإن الشعب حتما سوف يفقد الإيمان بها ويتحول إلى بدائل أخرى تتسم بالتسلط.

ويشير الكاتب إلى أن الساسة الغربيين يمكن لهم أن يساهموا في تكريس الديمقراطية من خلال المطالبة بما يتجاوز انتخابات ديمقراطية مصطنعة فمن خلال مساءلة الحكومات وجعل المساعدات مشروطة كَُُّيَهمَُّ بالحكم الجيد، فإن المانحين يمكن لهم تقديم دعم ملموس على صعيد استرجاع ازدهار الديمقراطية.

ورغم أن الكاتب يلمس عن حق العديد من الجوانب السلبية في المواقف الغربية بشأن التطور الديمقراطي على النحو الذي يمكن القول معه إن هذه المواقف ذاتها ساهمت في تراجعها إلا أنه يغيب عنه بعض الجوانب الهامة. ومن ذلك مثلا ما أشارت إليه الكاتبة الإنجليزية المعروفة ناعومي كلاين من دور لفئات معينة في النظام الأميركي على صعيد تدمير الديمقراطية فيما لا يقل عن 12 دولة مع الاستعانة في بعض الحالات بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتنفيذ بعض الصدمات وإثارة الفتن والفوضى ونشر الاضطرابات.

ويذكر الكاتب أن صناع السياسة الغربيين فشلوا في التعرف على مدى التدهور والتراجع الذي لحق بالديمقراطية جراء عدة أسباب يأتي على رأسها اتجاه التقييمات الدولية سواء تلك المقدمة من قبل إدارة بوش أو من قبل مؤسسات ذات مصداقية عالية مثل «فريدوم هاوس» إلى رصد العدد الإجمالي وكذا الاتجاهات الكلية للديمقراطيات القائمة مع إهمال حجم والأهمية الإستراتيجية للأقطار المقصودة في الوقت ذاته.

غير أن الكاتب يشير إلى أنه مع بعض الاستثناءات ذات الأهمية مثل اندونيسيا والمكسيك وأوكرانيا، فإن المكاسب الديمقراطية خلال العقد الماضي تحققت بشكل أساسي في دول أصغر واضعف. وأما على النطاق الأوسع، فإن الدول ذات الأهمية الإستراتيجية مثل نيجيريا وروسيا وتوسيع نطاق السلطة التنفيذية وتخويف المعارضة وعمليات التزوير في الانتخابات قضت على الجانب الأكبر من صيغة العملية الانتخابية الديمقراطية.

وإن كان هنا يمكن التحفظ على ما يشير إليه دياموند في ضوء صعوبة اعتبار ما جرى في روسيا خلال السنوات الأخيرة تراجعا للديمقراطية، إن لم يكن العكس، حتى وفقا للمقاييس والمعايير الغربية للتطور الديمقراطي. ويشير دياموند إلى أنه في مناطق مختلفة من العالم النامي وما بعد الشيوعية، فإن الديمقراطية أصبحت ظاهرة شكلية، يتم إفسادها من الصيغ المتعددة لنظم الحكم السيئة.

وانتهاكات الشرطة وقوات الأمن وسيطرة حكم الأقلية المحلية والبيروقراطيات العاجزة والنظام القضائي الفاسد وفاقد الفعالية، والنخب الحاكمة المرتشية التي ترفض تطبيق حكم القانون ومحاسبة عناصرها. وعلى ذلك، فإن الكثير من الناس في هذه الأقطار، وبشكل خاص الفقيرة، يعدون مواطنين فقط بالاسم في ضوء حقيقة غياب القنوات التي تسمح لهم بالانخراط في عملية مشاركة سياسية واسعة.

توجد انتخابات ولكنها مجرد تنافس بين الأحزاب العميلة والفاسدة فقط. توجد برلمانات وحكومات محلية، ولكنها لا تعكس المكونات الأوسع للمجتمع. يوجد دساتير ولكن في ظل غياب روح الالتزام بها. وفيما يراه معبرا عن وجهة نظره يشير الكاتب إلى أنه حيث توجد الديمقراطية فإنها تعمل وسط صعوبات خطيرة، ففي معظم المناطق فإن الأغلبيات تؤيد الديمقراطية باعتبارها الصيغة المثلى من حيث المبدأ، ولكن الأقليات تريد أن تمارس البديل التسلطي.

الأكثر من ذلك، انه في الكثير من ديمقراطيات العالم، فإن المواطنين تنقصهم الثقة في السياسيين والأحزاب السياسية والمسؤولين الحكوميين. ويستعرض الكاتب هنا مجموعة مسوح أجريت لمتابعة تطور الوضع الديمقراطي في عدد من الدول ويشير إلى انه طبقا لاستطلاعات للرأي أجريت في أميركا اللاتينية فإن فقط خمس سكان القارة يثقون في الأحزاب السياسية، وربع السكان يثقون في الهيئات التشريعية، وتقريبا الثلث لديهم إيمان بالنظام القضائي.

مصير الديمقراطية يتحدد خلال العقد المقبل

في محاولة استشراف مستقبل الديمقراطية يشير الكاتب لاري دياموند إلى أنه في العقد المقبل سيتحدد مصير الديمقراطية ليس بمدى توسعها قياسا على الديكتاتوريات القائمة في العالم، ولكن قياسا على أدائها في مواجهة المخاطر.

ويشير إلى أن الديمقراطيات التي تواجه الأخطار توجد في الغالب في الدولة ذات الأداء الضعيف سياسيا، وحيث يتم احتكار السلطة وتقييد الحريات السياسية واستخدام السلطات المؤسسية من أجل تعظيم أرباح النخبة الحاكمة وهي في النهاية تمثل ما يصفه المؤلف بالدولة المفترسة. وفي ظل هذه الدولة فإن الحكومة لا تهتم بالصالح العام مثل الطرق والمدارس والعيادات ونظام الصرف الصحي، وتتم المشاركة السياسية على أساس التعبئة من أعلى.

ويخلص من عرض أوضاع الدولة المفترسة إلى أنها لا تستطيع دعم الديمقراطية في ضوء أن تحقيق تلك المهمة يتطلب المؤسسية والتوافق واحترام القانون. كما أنها لا تستطيع حتى تحقيق نمو اقتصادي ذي قيمة. ثم يعرض الكاتب ما يراه وصفة مطلوبة من أجل انتصار الديمقراطية، مؤكدا على أن ذلك يتطلب بالأساس تقييد الاتجاهات الافتراسية لدى الحكام من خلال قواعد مشددة ومؤسسات نزيهة.

ويضيف دياموند أن هذه الدول يجب أن تبني مؤسسات فعالة من أجل تقييد حرية التصرف التي يتمتع بها «الحاكم المفترس»، وأن تخضع قرارات وأفعال هؤلاء الحكام للرقابة والفحص، وأن يكونوا قابلين للخضوع للمساءلة أمام القانون وهي وصفة رغم ما قد تبدو عليه من مثالية إلا أنه لا شك أن تحقيقها قد يعزز مسيرة الديمقراطية على مستوى العالم.

إعداد ومناقشة ـ مصطفى عبدالرازق