في عام 1938 ولدت إذاعة لندن الناطقة بالعربية (بي. بي. سي) وفي ظل طفولة البث الإذاعي الذي كان ينطلق من الأقطار العربية ذاتها استطاعت الـ (بي بي سي) أن تكسب قطاعات واسعة من جماهير المستمعين في المشرق والمغرب العربي، فضلاً عن قدر لا ينكر من المصداقية الذي يرجع في تصورنا إلى الالتزام بالقواعد المهنية في أداء الرسالة الإعلامية، بحيث أضفت الإذاعة البريطانية على رسالتها هذه ثوباً أو ظلاً من الموضوعية مما جعلها مصدراً أثيراً لدى هذه الجماهير الناطقة بالعربية يستوي في ذلك عامتها ومثقفوها.

لكن مع غروب عقد الأربعينات كان هناك طرف دولي يبحث لنفسه عن دور مهم على خارطة القوى والنفوذ في عالم النصف الثاني من القرن العشرين: هذا الطرف كان يحمل اسم أميركا. وكان معه كل الحق، حيث خرجت أميركا من أتون الحرب العالمية الثانية بوصفها الطرف المنتصر الوحيد بعد أن دحرت قوات النازي في ألمانيا وقوى اليابان في الشرق الأقصى، فيما خرجت القوى المتحالفة مع أميركا ـ انجلترا وفرنسا بالذات ـ مثخنة رغم النصر بجراحات بالغة وآثار دمار بفعل ويلات الحرب الضروس.الأهم من الانتصار العسكري بالنسبة لأميركا كان حسن السمعة، وإيجابية الصورة، التي تكونت في وجدان جماهير العالم عن «العم سام» الأميركي الأشيب الطيب الذي بدأ مع الخمسينات برامج - كان من أشهرها مثلا «برنامج النقطة الرابعة» الذي أعلنوا أنه يقصد إلى دعم جهود الشعوب الفقيرة من أجل التنمية والتحرك إلى حيث الرفاه والازدهار.

كان الدور الأميركي الواعد وقتها بحاجة إلى إعلام أو حتى دعاية وإعلان وكانت الظروف أكثر من مهيأة لتلبية مثل هذه الاحتياجات، إذ كانت الصورة لدى انتصاف القرن الماضي تتألف من الظروف والأبعاد التالية: نضوج مدرسة التنظير الإعلامي التي صادفت نشأتها الأولى ـ كعلم وفكر واجتهاد بحثي في الدوائر الأكاديمية الأميركية بالذات.. كيف لا وقد سبقت أميركا إلى تطوير الصحافة سواء على مستوى المهنة أو الأعراف أو الصناعة الصحافية. وربما كانت أحداث وملابسات الحرب العالمية هي معمل التجارب الحاسم الذي نضجت في بوتقته بحوث الإعلام والاتصال إلى حيث انفصلت هذه البحوث عن علم الاجتماع وعلم النفس وهندسة الاتصالات كي تشكل نهجا علميا ومبحثا أكاديميا قائما بذاته يحمل اسم «علم الإعلام والاتصال»

ثم كان هناك البعد العقائدي الذي بدأ مع أواخر الأربعينات في الظهور والبروز حيث لم يعد الأمر ـ مع نشوب الحرب الباردة ـ هو أمر صراع بين حلفي الناتو في الغرب وغريمه ـ وارسو في الشرق.. بل اتسع النطاق إلى حيث بات صراعا أيديولوجيا بين نهج الرأسمالية في الغرب والماركسية ـ الشيوعية في الشرق.

وهكذا جاءت ولادة الإذاعة التي حملت اسمها المعروف: صوت أميركا (فوُيس أوف أميركا) هذا هو الموضوع الذي اختاره الإعلامي الأميركي المخضرم «آلان هيل» كي يؤرخ له ضمن المداخلة التي أسهم بها في هذا الكتاب.

عمل «هيل» نائبا لمدير إذاعة «صوت أميركا» على مدار سنوات طويلة وكتب بإسهاب حول تاريخ هذه الإذاعة وجوانب أدائها والتطورات التي استجدت على مسارها. إن هذه الدراسة تتقصى أولى بدايات صوت أميركا كإذاعة متخصصة ومتكاملة انطلقت لأول مرة في أجواز الأثير العربي يوم 1 يناير من عام 1950 ونقول «إذاعة متخصصة ومتكاملة» لأن الأمر سبق وأن شهد بثا إذاعيا من أميركا باللغة العربية إلى جماهير الشرق الأوسط.

وربما لا يعرف الكثيرون أن أميركا تولت بث فقرات إذاعية بالعربية ولأول مرة في عام 1942 وبالتحديد يوم 25 فبراير من العام المذكور لكنها كانت عبارة عن فقرات متناثرة وموجزة (15 دقيقة) إضافة إلى تكريسها تماما لإذاعة أخبار الحرب التي كانت مشتعلة في تلك الأيام.

وجاءت نهاية هذه الفقرات الإذاعية العربية مع بواكير عام 1945. لماذا؟ لأن الحلفاء وعلى رأسهم أميركا باتوا يدركون أن انتصارهم بات وشيكا ومحققا على ألمانيا الهتلرية وبذلك لم يعد لهم حاجة إلى مخاطبة الجماهير العربية ولا خطب ودها، دعك بالطبع من حكاية الفوز بعقلها ولا بقلبها، فالمسألة مصالح ومآرب وغايات.

أكثر من هذا، انتهت الحرب العالمية في عام 1945 فإذا بالإدارة الأميركية في واشنطن تصدر قرارها باختصار الإرسال الإذاعي الدولي من 40 لغة مستخدمة في خدمات البث إلى حيث اقتصر أمر هذا بالراديو على البث بالراديو على 23 لغة، أو بالأحرى من 1167 ساعة أسبوعيا إلى 446 ساعة فقط لا غير.

يقول «آلان هيل» في هذا الصدد:على مدى أكثر من سنتين بعد انقضاء الحرب العالمية.. ظلت تدور تساؤلات حول مدى الحاجة - مع مرحلة السلام الذي خيّم على آفاق العالم - إلى أي بث إذاعي - بل إلى أي جهود إعلامية تبذلها الولايات المتحدة الأميركية على صعيد العالم الخارجي بوجه عام.

ثم يستدرك صاحب هذه الدراسة قائلا: بيد أن الحرب الباردة غيرت هذه الأوضاع والتوجهات تماما.. وعندما جاء يوم 27 يناير 1948، أصدر الكونجرس قانونا قام الرئيس ترومان بالتوقيع عليه يحمل العنوان التالي: قانون الولايات المتحدة للاعلام والتبادل التعليمي.

وبهذا القانون تم إحياء «الدبلوماسية العامة» بمعنى جهود الإعلام وبث المعلومات وبناء جسور التواصل بين واشنطن والعالم الخارجي.. وعمدت أوساط الإدارات الأميركية المتعاقبة على تعميق وتوسيع نطاق هذا القانون ولاسيما من أجل مجابهة التحديات المستجدة، سواء بفعل وجود الاتحاد السوفييتي أو بسبب دخول طرف جديد وقتها إلى الحلبة الدولية تحت اسم.. الصين الشعبية ونظامها الشيوعي بقيادة «ماوتسي تونغ».

وهكذا جاء الأول من يناير عام 1950 وفي ذلك اليوم انطلق أول صوت يبث بالعربية الإعلان التالي:هنا إذاعة صوت أميركا كان هذا صوت الأستاذ «عيسى خليل صباغ» المذيع السابق المخضرم في الإذاعة البريطانية الذي التحق للعمل في الإذاعة الوليدة «صوت أميركا».

ويذكر المذيع العربي أهم الشعارات التي حاولوا بها جذب انتباه المستمع العربي (وربما كانت المحاولة ترمي أيضا إلى منافسة حول المصداقية والثقة مع البي. بي. سي).. يقول عيسى خليل صباغ أنهم ظلوا منذ الساعات الأولى لصوت أميركا يرددون العبارات التالية: «أيها السادة.. قد تكون الأخبار الني نذيعها طيبة، وقد تكون أخبارا سيئة ولكننا نلتزم بأن تكون أخبارا صادقة في كل الأحوال»

ما هي أهم السمات التي تميزت بها برامج «صوت أميركا» في تلك المرحلة؟

تجيب الدراسة التي نحن يصددها موضحة أهمية ما تم من تركيز على الجوانب الثقافية والاجتماعية بين العالم العربي والولايات المتحدة وخاصة بعد إنشاء مركزي الإذاعة الأميركية في كل من القاهرة (1951) وبيروت (1955) وفي هذا الإطار جرت استضافة أعلام الفكر والأدب وكبار المؤرخين ومشاهير نجوم الفن.

مع ذلك فالملاحظ أن هذه البرامج والفعاليات الإذاعية الأميركية كانت تركز بقدر أكبر على جوانب الفن والثقافة.. أو ما يمكن وصفه بأنه الجوانب «الناعمة - اللينة» ذات الطابع غير السياسي (بمعنى غير الخلافي بالطبع).. ومن هنا فقائمة الأسماء التي توردها الدراسة (ص52) تشمل مثلا فيروز.. محمد عبدالوهاب.. عبدالحليم حافظ.. و.. الشاعر اللبناني سعيد عقل (تصفه الدراسة بأنه كاتب ومؤرخ).

وكان طبيعيا مع أواخر الخمسينات أن تسعى إذاعة أميركا الناطقة بالعربية إلى التماس جانب المواد الإعلامية «الخشنة.. أو الصلبة» بمعنى السياسية والعقائدية - الخلافية بحكم طبيعتها.. وإلا خرجت إذاعة «صوت أميركا» من مضمار المنافسة إزاء الإذاعة البريطانية الأكثر رسوخا والأوسع شعبية في عالم العروبة والشرق الأوسط.. لهذا قررت إدارة «فويس أوف أميركا» أن تدخل الحلبة للمنافسة بوصفها مصدرا محترما على مستوى العالم للأخبار والبرامج الرصينة الجادة.

عمل مديرو صوت أميركا على بلورة ما أصبح يعرف بأنه «ميثاق الإذاعة الأميركية» الذي تستهله 3 فقرات أساسية على النحو التالي:

(1) ان تعمل الإذاعة بوصفها مصدرا موثوقا ومتواصلا ويمكن التعويل عليه والنقل عنه للأخبار الرسمية بما يقتضي توخي عناصر الدقة والشمول في المادة الإخبارية المطلوب إذاعتها.

(2) ان تحرص الإذاعة على أن تمثل أميركا في عمومها وشمولها.. بحيث لا يقتصر الأمر على تمثيل قطاع بعينه أو شريحة بذاتها أو مصالح بخصوصها داخل المجتمع الأمريكي مما يلزم الإذاعة بأن تقدم صورة متوازنة ومتكاملة وشاملة وغير متحيزة لهذا المجتمع بشكل عام.

(3) ان تتوخى الإذاعة عنصري الوضوح والفعالية في طرح السياسات الأميركية.. فضلا عن إتاحة المجال للحوار المفتوح والنقاش المسؤول والآراء المتباينة بشأن تلك السياسات.

يعلق «آلان هيل» صاحب هذه الدراسة قائلا:تم نشر هذا الميثاق أساسا بوصفه توجيها صادرا خلال السنوات الأخيرة من إدارة الرئيس أيزنهاور ولكنه أصبح تشريعا قانونيا في عام 1976.. ومن ثم فقد جاء الميثاق.. مع ما واكبه من ابتكارات في تكنولوجيا البث والصناعة الإعلامية، ليجسدا مدى التغييّرات المدهشة التي استجدت على برامج إذاعة صوت أميركا ونطاق الاستماع إليها خلال عقدي الستينات والسبعينات.

إن الإشارة هنا تلمح إلى «حقبة رودس» من عمر إذاعة صوت أميركا حيث كانت حاملة الطائرات الأميركية العملاقة «كوريير» راسية في مرفأ تلك الجزيرة المتوسطية كي يعاد من فوق متنها بث إرسال إذاعات صوت أميركا في 16 لغة بما فيها اللغة العربية إلى حيث تتوخى الوصول إلى أخلاط شتى من جماهير المستمعين على اختلاف الأعراق والأوساط والثقافات على مستوى كوكب الأرض «ما بين الاتحاد السوفيتي إلى مصر، وما بين إيران إلى شمال أفريقيا (المنطقة المغاربية العربية) وما بين وسط أوروبا إلى شرقي تركيا في مناطق هضبة الأناضول.

في هذا السياق أيضا يصرح «باري زورثيان» مدير البرامج في «صوت أميركا» أن الإرسال من فوق ظهر حاملة الطائرات في رودس كان إجراء مؤقتا ريثما يتم الاتفاق - كما قال - مع الحكومة اليونانية على بناء محطة إرسال عملاقة في إقليم جزيرة رودس ذاتها. ومع ذلك فالحاصل أن كل المواد الإخبارية كان يتم فحصها وإجازتها وإقرارها في العاصمة واشنطن قبل أن يتم بثها على ملايين المستمعين.

ثم جاءت «حقبة النهضة» كما تسميها الدراسة حيث شهدت «صوت أميركا» انتعاشا في غمار أحداث زيارة السادات إلى القدس وما أعقبها من عقد اتفاقات كامب ديفيد - وفي تلك الملابسات وبحكم رعاية إدارة الرئيس كارتر لهذه الاتفاقات كان طبيعيا أن تشهد إذاعات صوت أميركا العربية ازدهارا حيث كانت تتجه إليها آذان واهتمامات ملايين المستمعين لاستقاء أنباء تلك الأحداث اللاحقة والتطورات اللاهثة.. وسياسة الصدمات الكهربائية على حد تعبير الرئيس أنور السادات - ومن مصادرها الأميركية على وجه الخصوص.

لكن جاءت حرب الخليج مع فاتح التسعينات لتشهد فتورا في أهمية الراديو بشكل عام - وراديو صوت أميركا بشكل خاص.. ربما كانت تلك الحرب هي أول مواجهة عسكرية ساخنة ينجح في تغطيتها على نحو من التفصيل الدرامي المثير.. جهاز التليفزيون وهو بالطبع المنافس التاريخي الشرس للإذاعة المسموعة.. هذه المنافسة كان لابد وأن تفضي في رأي صاحب هذه الدراسة إلى المرحلة الأخيرة من عمر صوت أميركا التي يطلق عليها الأستاذ «آلان هيل» الوصف التالي: سنوات الغروب.

وليس صدفة أن تشهد الخدمة العربية في إذاعات صوت أميركا تخفيضا في عام 1994 لساعات إرسالها من ذروة بلغت 15 ساعة ونصفا في اليوم إلى 7 ساعات ونصف فقط.. فما بالك - يضيف الخبير الإعلامي الأميركي - بأن كُتب عليها المنافسة في سوق تزدحم باستمرار بشتى الأفكار والأطروحات!

ربما لهذا شرعت صوت أميركا في محاولة التوجه إلى جماهير الشباب في العالم الناطق بالعربية بحيث تغير طابعها وتوجهاتها في إطار بطاقة هوية جديدة تحمل اسم «راديو سوا»،الذي ينطلق الآن محاولا استقطاب الشباب العربي عبر الجمع بين الأخبار الموجهة وثقافة البوب ،مجسدة في الموسيقى والغناء.

تحرير السفير وليام رو ـ عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مجلس الدبلوماسية العامة

الصفحات: 184 (متوسط)