إسرائيل.. كيان شاذ في قلب الخريطة العربية، من الصعب أن يتقبله بسهولة أي مواطن عربي، بل ولانبالغ ان قلنا أيضا أن أي باحث أو مراقب محايد من خارج حدود المنطقة العربية لا يستطيع أن يقر أو يتنبأ ببقاء دولة إسرائيل. والأكثر من ذلك هناك شخصيات من داخل الدولة العبرية على يقين بفناء الدولة العبرية مستقبلا.

فربع يهود إسرائيل يرون أن كيانهم لا مستقبل له، (ذكر معهد دحاف الإسرائيلي المستقل، ان إسرائيليا يهوديا من كل أربعة يشك في أن يكون للدولة العبرية مستقبل). يضاف إلى ذلك أن هناك جماعات يهودية داخل وخارج إسرائيل، ترفض في الأصل وجود دولة لليهود. ومن هذه الجماعات «ناطوري كارتا» التي ترفض الصهيونية بكافة مشاريعها التوسعية.ما كان بالإمكان أن نتحدث عن مستقبل «وجود» دولة، ما لم يكن لدينا من المعطيات ما يؤكد أن تلك الدولة لا جذور ولا تاريخ لها، وبالتالي لا مستقبل لها. لقد زعموا أن اليهود دخلوا فلسطين لأنه وطن بلا شعب، في حين أن إسرائيل هي دولة بلا شعب.

فلا يوجد في سجلات التاريخ ما يسمى بالشعب اليهودي لكي يكون له وطن. هناك ديانة يهودية معترف بها من المسلمين والمسيحيين. ولم يكن هناك وطن لتلك الديانة. وفلسطين أقامها العرب الكنعانيون واليبوسيون قبل مولد النبي موسى عليه السلام بأربعة آلاف سنة باعتراف التوراة التي أقرت بأنها أرض كنعان، وبالتالي لأصلة لليهود بها. بل إن النبي موسى لم يدخل أصلا أرض فلسطين، فقد مات عليه السلام قبل أن تطأ قدماه أرضها.لقد اغتصبوا فلسطين تحت ذرائع دينية وتاريخية لا سند وثائقي أو تاريخي لها. بل وبرروا إعلان دولتهم في الخامس عشر من مايو 1948، قائلين أيضا إن فلسطين حق إنساني لهم إلى جانب حقوقهم الدينية والتاريخية والقومية، بمعنى أنها تعويض لما لحق باليهود على أيدي النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. وبمقتضى هذه الذرائع نالوا وعد بلفور اللعين الذي أعطى ما لا يملكه لمن لا يستحقه.

ولكن هل ضمنت إسرائيل بقاءها بعد ما حققته من سياسة الأمر الواقع؟

بالطبع لا.. والنفي هنا يأتي من ألسنة شخصيات ومؤسسات إسرائيلية ويهودية، ومن تقارير إسرائيلية أو يهودية تكشف عن مستقبل معتم في انتظار الدولة العبرية:

- فقد كشف تقرير إسرائيلي عرض أمام المؤتمر السنوي - في العام الماضي بشأن «مستقبل الشعب اليهودي» نظمه معهد تخطيط سياسات الشعب اليهودي الذي يرأسه المبعوث الأميركي الخاص السابق للشرق الأوسط دنيس روس، عن المخاطر والتهديدات التي يواجهها يهود إسرائيل ومنها الخطر الديمغرافي (المتمثل في التوازن بين السكان اليهود والعرب). فأشار إلى حدوث تغيير سلبي في التوازن الديمغرافي في إسرائيل. وتؤكد الدراسات الإسرائيلية أن الفلسطينيين في إسرائيل سيبلغ تعدادهم حوالي 40% من سكان الدولة العبرية خلال عشرين عاماً.

- من عوامل الخطر على إسرائيل أيضا، أن وصفها بأنها دولة يهودية هو أيضا مفتاح زوالها. هذا ما يعترف به رئيس الكنيست السابق والرئيس السابق للوكالة اليهودية افراهام بورغ في كتابه المثير «الانتصار على هتلر» الذي صدر في الآونة الأخيرة. إذ يصف إسرائيل بأنها «غيتو صهيوني» يحمل بذور زواله في ذاته، لانها تقول انها دولة يهودية. وبالتالي فتلك الدولة هي بمثابة «ديناميت» قابل للانفجار..

- وهناك مخاوف إسرائيلية على مستقبل الدولة العبرية، ألا وهو الخوف من تآكل الهوية اليهودية ليهود الشتات. والأخطر من ذلك أن الولاء بين يهود أميركا لإسرائيل بات يتقلص. فتقول دراسة أعدتها مؤسسة أندريا وتشارلز برونفمان اليهودية الأميركية أن شباب اليهود الأميركيين ينأون بأنفسهم عن إسرائيل، وهؤلاء ليسوا من الارثوذوكس، فهم غير ملتزمين بالتقاليد الدينية، ويبدون فتورا متزايدا ان لم يكن ابتعادا عن تأييد إسرائيل في اتجاه من غير المرجح العدول عنه.

ووجدت الدراسة أن الاندماج في المجتمع الأميركي جزء مما يحدث. وتظهر دراسات مسحية أن من بين من يذهبون للمعابد في أميركا 40 في المئة تقريبا يمكن تصنيفهم بأنهم إصلاحيون ليبراليون و32 في المئة من المحافظين وثمانية في المئة من اليهود التقليديين «الارثوذوكس».

ومن جانبهما، ذكر الباحثان اليهوديان سيرجيو فرغولا وحاييم فاكسمان في مؤتمر«مستقبل الشعب اليهودي» الآنف الذكر، أن 72% من يهود أميركا لا يعتبرون أنفسهم صهاينة. و15 في المئة فقط يشعرون بأنهم قريبون من إسرائيل مقابل 44 في المئة يشعرون بأنهم بعيدون عنها. (عدد اليهود في العالم الآن يبلغ 13 مليوناً، وعدد اليهود في إسرائيل 4. 5 ملايين نسمة.أي أنها تفوقت لأول مرة على عدد اليهود في الولايات المتحدة والذي يقدر بنحو 3. 5 ملايين يهودي.

- القلق على وجود إسرائيل يأتي أيضا من أن أعداد المهاجرين إلى إسرائيل- كما تؤكد الوكالة اليهودية - بلغت أدنى مستوياتها منذ عقدين. إذ تقلص أعداد اليهود في دول الاتحاد السوفييتي السابق التي هاجر ومنذ بدأت دول الكتلة الشرقية في الانهيار عام 1989، هاجر قرابة مليون شخص إلى إسرائيل. فدول الاتحاد السوفييتي السابق شكلت المخزون البشري الوحيد للهجرة إلى إسرائيل.

ولم يساهم المليون شخص الذين نزحوا منها إلى الدولة العبرية في أن يميل الميزان الديمغرافي لمصلحة اليهود في إسرائيل. والآن يتراجع الميزان الديمغرافي في إسرائيل، الذي يحفز الهجرة المضادة، ولا سيما لدى اليهود ذوي القدرة على أن يستوعبوا في الغرب.

وتتوقع الوكالة اليهودية أن يبلغ عدد اليهود في إسرائيل في عام 2020 حوالي 6. 228 ملايين نسمة، أي بزيادة 3. 17%. لا تتوقع الوكالة هجرات يهودية ضخمة إلى إسرائيل، وهذا لأن 90% من اليهود في العالم يعيشون في دول مستواها المعيشي فيها أعلى من المستوى في إسرائيل.

ويمكن القول بوجه عام، إن سر بقاء دولة إسرائيل يرتبط ارتباطا وثيقا بنظرية أمنها القومي، فضمان التفوق على جميع العرب، هو أحد أهم عناصر الحفاظ على بقائها، بل ولضمان استمرار هذا التفوق، تعمل على إضعاف العالم العربي بوسيلتين:

أولا - تحييد أو فصل القوى الإسلامية الرئيسية ( تركيا - إيران - باكستان) عن العرب.

ثانيا- دفع العرب إلى صراعات بعيدا عن الصراع العربي - الإسرائيلي.

ويبقى السر الأكبر للبقاء، ألا وهو تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. هذا التحالف الذي تسارعت وتيرته إلى أبعد الحدود منذ العدوان الإسرائيلي في يونيو 1967. إسرائيل باختصار لا تتنفس ماديا وسياسيا إلا برئة أميركية.

فهي تحصل على أضخم المساعدات من برنامج المعونة الأميركية للعالم. تلقت على مدار الستين عاما من عمرها أكثر 150 مليار دولار. فسنويا تحصل على 3 مليارات دولار في صورة مساعدة مباشرة. وهو مبلغ يعادل تقريبا 20% من ميزانية المساعدات الخارجية. أي أن كل إسرائيلي يحصل من الولايات المتحدة سنويا على 500 دولار!!.

حسن صابر