أوساط إعلامية ودوائر ثقافية ودبلوماسية في المشرق والمغرب العربي تعرف رجل الدبلوماسية وخبير الإعلام الأميركي الشهير (كنتون كيث)الذي عمل سفيرا لأميركا في قطر، كما تولى مناصب إعلامية وثقافية في سفارات أميركا في القاهرة ودمشق والسعودية والمغرب والعراق.

وكان طبيعيا أن يكتسب من خلال هذه المواقع والمهام زادا من الخبرة الواسعة بأحوال العالم العربي في مشرقه وفي مغربه، وبخاصة ما يتعلق بالجماهير الناطقة بالعربية، فضلا عن الأساليب التي يراها ناجعة ومؤثرة وفعالة في التواصل مع هذه الجماهير. والدراسة التي يساهم بها في فصول الكتاب الذي نناقشه هنا تركز بالذات على نقطة محورية في جهود الإعلام المعاصر تستطيع أن تسميها الاتصال الشخصي. وأحيانا يسميها الخبراء الإعلام (المواجهي) بمعنى الأسلوب المباشر بين فرد وآخر، أو بين فرد ومجموعة من الأفراد المستهدفين من حيث توجيه الرسالة الإعلامية المطلوبة. يوضح السفير (كيث) في دراسته أن ثمة دائرة مسؤولة، أو كانت هي المسؤولة، في الحكومة الأميركية عن جهود الإعلام والاتصال على امتداد العالم، وقد اصطلحوا على الإشارة إليها من خلال الرمز ( باو)،الذي يعني وكالة الولايات المتحدة للإعلام .

يوضح المؤلف أن مهمة الاتصال الأميركي بالعالم ظلت تتسم بنوع من الازدواج: بين ما هو (دعائي) وبين ما هو (ثقافي) مع ذلك فثمة جهود ظلت مبذولة لتقليل الجانب الدعائي بكل ما قد يرتبط به من فجاجة مباشرة ولصالح الجانب الثقافي أو حتى الإعلامي الأكثر جدية والأقل مباشرة.وقد ارتبطت هذه الجهود بصفة خاصة بالرئيس بيل كلينتون الذي حرص على تأكيد أن صورة أميركا على امتداد العالم تظل الجانب الأكثر أهمية من رصيدها الإيجابي الذي لا ينبغي أن يعرف التراجع وكان طبيعيا - يضيف صاحب الدراسة - أن تفضي هذه الجهود إلى التقارب بين الإعلام الخارجي ومجال الدبلوماسية بحيث نشأت تلك الخطوط التي أطلقوا عليها في السنوات الأخيرة ذلك الوصف الذي ما برح بحاجة إلى تعميق وتعريف:الدبلوماسية.. العامة.

من هنا أصبح مسؤول الدبلوماسية العامة في سفارات أميركا بالعالم العربي مكلفا بالتعامل مع عدد من الملفات السوبر - خطيرة، سواء تلك التي تهم المنطقة مباشرة أو تلك التي تمس مصالح واشنطن على الصعيد الدولي بشكل عام.. ومن تلك الملفات (ص17) ما يلي: الصراع العربي - الإسرائيلي (يسميه المؤلف بالنزاع) + أمن الطاقة (طبعا بالنسبة للغرب على وجه الخصوص) + الإرهاب (راجع القوس السابق) + قضايا التجارة الدولية والاقتصاد العالمي + حماية البيئة + الأمن الغذائي. وهنا تعلق سطور الدراسة قائلة: تلك قائمة تضم الحد الأدنى من القضايا الشائكة التي ترد على أجندة تحديات الدبلوماسية العامة التي ما برح يواجهها مسؤولو الإعلام والثقافة والدبلوماسية العامة الأميركيون المبعوثون إلى العالمين العربي والإسلامي.

وفي ضوء هذه الاتجاهات يمضي صاحب الدراسة موضحا أن تحدي الدبلوماسية العامة في أميركا كان يتمثل منذ سنوات بعيدة في إقناع العرب بأن واشنطن تسعى إلى حل عادل ودائم للصراع (النزاع) العربي - الإسرائيلي مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز المشاعر الإيجابية بشكل عام التي ظلت تراود العرب تجاه الولايات المتحدة (بوصفها قوة مستجدة على الحلبة العالمية .

جاءت دون أن تكون (صاحبة سوابق - كما تقول تعبيرات الشرطة - في مضمار الاستغلال الاستعماري أو القهر الامبريالي على نحو ما يطفح به تاريخ الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية على سبيل المثال).. وكانت أنجع أدوات النشاط الإعلامي والثقافي الأميركي بالمنطقة تتمثل في المراكز الثقافية والمكتبات وبرامج التبادل التعليمية والعروض الرياضية والفعاليات الثقافية.

تضيف الدراسة إلى هذه الأدوات إشاراتها إلى مشاريع الترجمة الواسعة النطاق التي عملت أميركا على تبنيها لكي تضع بين أيادي القراء العرب الأعمال الكلاسيكية من الأدب الأميركي والنصوص المرجعية الصادرة عن الحكومة الأميركية إضافة إلى تراجم وسير أبرز الشخصيات في تاريخ الولايات المتحدة، هذا فضلا عن مجلة (المجال) التي تصفها الدراسة بسعة الانتشار.

كل هذه الأدوات والأساليب أدت إلى رسم صورة عن مجتمع أميركا دينامكية بمعنى نابضة بالحياة وخاصة عندما تعرض إلى المشاركة الكاملة لعناصر ناجحة من الأميركيين الذين ينحدرون من أصول عربية.

بهذا ظلت أميركا تمثل (في الذهنية العربية) نموذجا للفرصة المتاحة والحرية الشخصية، حتى برغم ما يشوب مؤسساتها من نزعات عنصرية وما تعانيه قطاعات فيها من ضروب اللامساواة الاقتصادية وبرغم ما كانت تخوضه في عقود سبقت من حروب لم تنل تأييدا شعبيا.. في ؟يتنام.

بيد أن هذه الإيجابيات كلها طرأت عليها اتجاهات سلبية اعتبارا من بداية الثمانينيات. وفي ضوء التحولات التي استجدت بدورها - كما تقول هذه الدراسة - على منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها اندلاع الثورة الإيرانية فقد دارت بعدها عجلة الأحداث لتسلم - كما هو معروف - إلى كارثة الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك التي أدت إلى تغييرات أساسية في مجالات شتى.

إن الدراسة ترصد حالة من التباعد وشقة من سوء الفهم المتبادل ما برحت قائمة بين الجانبين: العالم العربي والولايات المتحدة.. وفي ضوء إجراءات التشدد والرفض التي اتخذتها السلطات الأميركية في إزاء تأشيرات الزيارة أو الدراسة أو السياحة أو التجارة.

بدأ انحسار مد الاتجاه نحو أميركا.. ويكفي - كما تضيف الدراسة - أن صناعة التعليم في الولايات المتحدة وكانت مع أوائل هذا القرن الجديد بحجم 13 مليار دولار تعرضت نتيجة هذا التباعد بين الجانبين إلى تقلص وانكماش.. وبارت أسواقها لصالح أسواق بديلة في بلدان أخرى قصدها الدارسون العرب في أوروبا واستراليا وكندا ونيوزيلندا (ص20).

بل أن بعض الأقطار التي لا تمثل الانجليزية لغتها الرسمية عمدت من جانبها إلى تأسيس برامج تعليمية ودرجات أكاديمية ناطقة بالانجليزية لكي تلبي الاحتياجات المستجدة والمربحة أيضا للأعداد الغفيرة من الطلاب العرب والدارسين المسلمين الذين كانوا يريدون الدراسة بالانجليزية ولكنهم كانوا يودون في الوقت ذاته أن يجنبوا أنفسهم مغبة (الوصم) أو التمييز في الولايات المتحدة.

هنا يورد السفير كيث التعليق التالي:في واقع الأمر، فإن خسارة حصة من سوق التعليم الدولي مازالت أقل أهمية بكثير من خسارة هذه الفئة المهمة (من أبناء العالميْن العربي والإسلامي) التي كان يمكن أن تأتي إلينا وتعرفنا وتفهمنا بأكثر السبل فعالية واقتناعا وتلك مشكلة علينا (كأميركيين) أن نبادر بغير توان إلى التعامل معها..

وعندنا أن السفير كيث قد كان موَّفقا كذلك حين مضى (ص21) ليقول فيما يشبه التأمل أو النقد الذاتي ما دامت سياسة الولايات المتحدة نحو النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي تلقى رفضا شعبيا عبر منطقة العالم العربي بوضعها الحالي، يظل من السذاجة أن نتصور حدوث تغيير سريع في الموقف إزاء أميركا.

عند هذا المنعطف من مقولات هذا الكتاب يتحول الحديث إلى منحى آخر يتساوى في الأهمية، حيث تركز السطور، لا على أهمية مضمون الرسالة المطلوب توصيلها إلى جماهير العالم العربي والعالم الإسلامي وحسب، بل يتطرق البحث أيضا إلى الأساليب والسبل والوسائل الكفيلة بنجاح وفعالية هذا التوصيل.

هذه السبل والأساليب ترتبط أساسا بالتكنولوجيا الحديثة التي أصبحت من ألزم ما يكون في مضمار الإعلام. وهذا هو موضوع الدراسة التي قدمها ضمن فصول كتابنا، البروفيسور باري فولتون.. أستاذ الإعلام والإتصال الأميركي الذي يجمع، كما تقول سيرته الذاتية، بين خلفية أكاديمية في نظريات التواصل الإعلامي وتدريسها بجامعة واشنطن، وبين خبرة ميدانية واسعة النطاق وبخاصة في تركيا وباكستان وغيرهما من أنحاء العالم الإسلامي.

ومن الطريف أن يستهل البروفيسور فولتون مداخلته في هذا الكتاب بالإحالة إلى مقال غريب نشرته (واشنطن تايمز) منذ أكثر من 10 سنوات ونعت فيه على وكالة الإعلام الأميركية أنها تخلت عن وسائل الإعلام التقليدية من راديو أو تليفزيون أو منشورات مطبوعة - لصالح استخدام تكنولوجيا الحاسب وشبكة الانترنت في التوصل واستقاء المعلومات.

والحاصل أنه حتى تلك الأقطار الفقيرة شهدت الآن ازدهارا في التعامل مع أحدث تكنولويات الإعلام والاتصال حسب ما تؤكده أحدث الإحصاءات. ومن هنا فإن صاحب الدراسة التي نحيل إليها يركز بشدة على أهمية استخدام تلك التكنولوجيات الحديثة، بكل قدرتها الواسعة بل المبهرة في التواصل مع شعوب العالميْن العربي والإسلامي.

وهو يلاحظ أن الإعلام المتطور يرتبط بدعم التحولات الديمقراطية: ألم يأت اختراع الطباعة على يد الألماني غوتنبرغ (عام 1437) لكي يتحدى مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية واحتكار كهنتها للعلم والثقافة وهو ما مهد السبيل إلى ما عرفته الحضارة الأوروبية باسم عصور الإصلاح بوصفها من اللبنات الأساسية التي أسهمت في نهضة أوروبا وتطورها إلى العصر الحديث؟

ألم يفض تطور الصحافة الحرة وطفرة الإصدارات من الكتابات والكراسات والجرائد والمجلات منذ القرن الثامن عشر إلى ارتفاع شأو الممارسة وأساليب الحكم الديمقراطي في غربي أوروبا وفي أميركا؟

ألم تفد الإذاعات والرسائل الإعلامية التي وجهت إلى، بل سلطت طويلا على شعوب الستار الحديدي في شرقي أوروبا الواقع خلال الحرب الباردة تحت الهيمنة السوفييتية والأيديولوجية الشيوعية إلى الإبقاء على وعد الحرية وإذكاء التوق إليها في دول ما كان يعرف باسم المعسكر الاشتراكي خلال النصف الثاني من القرن العشرين؟

والأطرف أن أمعنت الصحيفة الأميركية الكبرى في التحكم والسخرية من حكاية استخدام الانترنت فقالت:ترى.. كم مواطنا يملك جهاز حاسوب في الصين أو بورما أو كوبا أو التبت أو حتى في روسيا؟وبديهي أن لم تكن الجريدة على حق، ولا كانت تصدر عن بُعد نظر وخاصة حين تصورت أنها بتركيزها في أوساط التسعينات على دول فقيرة أو على أنظمة شمولية.

لكي تستبعد استخدام جهاز الكومبيوتر وشبكة الانترنت مع هذا كله فالتكنولوجيا الحديثة، كما تنبه دراسة الأستاذ باري فولتون ليست هدفا بحد ذاتها ولا هي خيرا مطلقا ولا شرا خالصا.. هذه الفتوحات التقنية في دنيا الإعلام والاتصال ما هي إلا وسائل أو ذرائع يمكن استخدامها لصالح تأكيد الديكتاتورية وتكريس الهيمنة وتزييف وعي الناس، بقدر ما يمكن استخدامها لزيادة الوعي وإنارة البصائر وزرع القيم الإيجابية في الحكم الديمقراطي الصالح والرشيد.

يلاحظ البروفيسور (فولتون) أيضا أن العنف يأتي وليد التعاسة والفقر والشعور بالدونية والخضوع لنير التهميش أو النبذ أو الاستبعاد.. وبمعنى أن الإنسان الذي يعاني أيا من تلك الظروف قد يلجأ إلى العنف سبيلا إلى التعويض وملجأ للتنفيس.. وتلك ملاحظة سجلها مفكر مرموق من العالم الثالث هو الدكتور فرانز فانون في كتابه الشهير الصادر مع منتصف القرن الماضي بعنوان (المعذبون في الأرض).

من هنا يطالب صاحب هذه الدراسة بمزيد من الإنفاق الوافر بل الطائل على جهود الإعلام والتواصل مع شعوب العالم الثالث من أجل إخراجها من ربقة ذلك الشعور بالنبذ أو التهميش أو الاستبعاد. وهو يورد للقارئ مثلا رسما بيانيا يوضح حصة الإنفاق من الميزانية القومية الأميركية على أهم ثلاثة مجالات من اهتمام صانع القرار الأميركي.

والرسم التوضيحي يفيد القارئ بما يلي: في عام 2004، على سبيل المثال، أنفقت واشنطن على شؤون الدفاع 400 بليون دولار، وعلى الاستخبارات نحو 40 بليون دولار، ولكنها لم تنفق على الإعلام والاتصال الخارجي أو ما أصبح يعرف باسم الدبلوماسية العامة سوى مبلغ لا يزيد إلا قليلا على 10 مليارات من الدولارات.

تحرير السفير وليام رو ـ عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مجلس الدبلوماسية العامة ،تيويورك 2008

الصفحات: 184 (متوسط)