عشية زيارته إلى المنطقة، لحضور احتفالات الدولة العبرية بذكرى 60 عاما على نكبة العرب باحتلال فلسطين وإنشاء إسرائيل، قدم الرئيس الأميركي جورج بوش ما يشبه «براءة ذمة» إلى حليفه في مشروع «حل الدولتين» رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت الغارق في مستنقع فضائح الفساد، ودعم هذه التصريحات بأخرى ترى بإمكان التوصل إلى اتفاق سلام على المسار الفلسطيني بقيادة أولمرت.
لكن هذا التدخل الرئاسي الأميركي غير المعهود من قبل، وبالتحديد في قضية داخلية إسرائيلية، أثار تساؤلات بشأن دوافعه ومبرراته، ولاسيما أن التحقيقات لا تزال جارية، بل وتقترب من «زعزعة الكرسي» الذي يجلس عليه أولمرت. وخلال لقائه مراسلي الصحف الإسرائيلية، «هآرتس» و«معاريف» قال بوش إن «علاقاته مع أولمرت ممتازة وأن أولمرت هو شخص من السهل التحدث معه ولديه تفكير استراتيجي». وفي شأن التحقيق الجديد ضد أولمرت قال بوش إن «الأمور القضائية ستتضح من خلال إجراءات قضائية».
هذا التدخل السريع من جانب بوش لإنقاذ حليفه، دفع الكاتب الإسرائيلي المعروف في صحيفة «هآرتس» عكيفا الدار، إلى القول في مقال له إن «بوش شريك في مخالفة جنائية أخطر من كل مخالفات أولمرت مجتمعة بصمته على سياسة إسرائيل التي تدفن حل الدولتين تحت أساسات المستوطنات».
وأضاف الدار «لو كان جورج بوش صديقا حقيقيا لإسرائيل لتشبث بالتحقيق الجاري مع رئيس الوزراء ايهود أولمرت وبقي في الولايات المتحدة. إن لم يكن لديه ارنب في قبعته ستكون هذه المرة الثالثة خلال نصف سنة التي سيظهر فيها رئيس الولايات المتحدة للفلسطينيين والعالم العربي كله.
إن الوقت الذي يهدرونه في محاولة لوضع نهاية للاحتلال بالطرق السلمية مضيعة عبثية. المسألة لا تقتصر على عدم تحسن الوضع منذ انابوليس بل ان مشروع الدولتين آخذ في الابتعاد منذ ذلك الحين وعدد المباني الجديدة في المستوطنات خلال الأشهر الأخيرة ينافس كمية الحواجز التي أضيفت منذ زيارة بوش السابقة للقدس في كانون الثاني من هذه السنة».
وتابع «بوش شريك في مخالفة تفوق بجسامتها كل المخالفات الجنائية التي ارتكبها أولمرت وفق الشبهات. كل خطاب يلقيه يكشف فيضاً من عورة الأوساط الفلسطينيين التي ربطت مصيرها بوعود انابوليس. (التوصل إلى اتفاق قبل نهاية 2008) استقالة الرئيس الفلسطيني تبدو وشيكة الآن في ظل الجمود السياسي أكثر من قرب استقالة أولمرت».
وقال «المراهنة الفاشلة على الولايات المتحدة تضعف مكانة القادة العرب.. كل زيارة عقيمة يقوم بها بوش للقدس تبعد الجامعة العربية عن مبادرتها السلمية (مارس2002) وتوفر سلاحاً بيد إيران وسوريا في صراعهما ضد المحور السني المعتدل حول الزعامة في الشرق الأوسط. غزة ولبنان هما البداية فقط».
وتابع:«لو كان بوش مهتما ومكترثا ببقاء إسرائيل كدولة يهودية لما أرسل أبو مازن في الشهر الماضي جريح النفس مكسور الخاطر. الرئيس الفلسطيني حدثه ان الفلسطينيين اعتقدوا أن المواقف التي طرحها أولمرت وتسيبي ليفني عليهم كانت دعابة.
ليفني وأولمرت يطالبا بأن تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على كل غور الأردن حتى أطراف نابلس بالإضافة إلى اصبع ارئيل ومعالية ادوميم وجبعات زئيف. هما طالبا بإبقاء المستوطنات في منطقة الغور على حالها (600 كيلومتر أي 10 في المئة) من مساحة المناطق وكل القدس والحوض المقدس والبلدة القديمة اما فلسطين فستحصل على السيطرة على جبل الهيكل الموجود أصلاً بيد الأوقاف الإسلامية ولن يعود أي لاجئ في إطار حق العودة وإسرائيل لن تعترف بأية مسؤولية عن مصير لاجئي 1948».
وقال: «أما ان يكون بوش غير مدرك أو انه لا يكترث لما سيحدث هنا في الأشهر القريبة إن لم يرجع احد المفاوضات إلى مسار كلينتون - طابا. مقربو أبو مازن يضغطون عليه لإيقاف المفاوضات والتراجع عن حل الدولتين. أضف إلى أنهم يناشدونه أن يحل السلطة الوهمية فوراً وان يزيل بذلك ما تبقى من مساحيق اتفاق أوسلو عن وجه إسرائيل».
هذا الانتقاد لسياسة بوش وتدخله على خط الأزمة الداخلية لأولمرت، تطرح تساؤلات عن الأسباب والدوافع، ولعل أهمها أن الرئيس الأميركي «لا يزال يعتقد انه بالإمكان التوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني قبل نهاية 2008» وهذا الأمر لن يتم إذا خرج أولمرت من السلطة وجاء شخص مثل زعيم حزب الليكود بنيامين نتانياهو.
ففي مقابلته مع «هآرتس» التي نشرت أمس وردا على سؤال عن إمكان التوصل إلى اتفاق سلام قبل نهاية 2008 رغم مشاكل أولمرت مع القضاء، قال بوش «اعتقد ذلك، نعم». وأضاف بوش «أؤمن بالأفكار القوية واعتقد أن المفاوضين سيتفقون، بمساعدة الولايات المتحدة، على تحديد دولة فلسطينية».
وأكد أنه «لن يتقدم بأي طلبات محددة مرتبطة بمفاوضات السلام خلال لقاءاته مع المسؤولين الإسرائيليين». وقال «لا آتي لأقدم طلبات، إنما لأشجع. قلت منذ بداية رئاستي إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تفرض السلام».وتابع أن «تحديد دولة فلسطينية هو الخطوة الأولى نحو السلام. هذا يتطلب عملا شاقا.
لا اطمح للحصول على جائزة نوبل للسلام، أحاول فقط استخدام نفوذ الولايات المتحدة لإحراز تقدم في العملية». وقال بوش انه «لا يرى كيفية تطور الشرق الأوسط من دون دولة فلسطينية حرة وديمقراطية». وتلقي التساؤلات بشأن مستقبل أولمرت بظلالها أيضا على الآمال بالتوصل لاتفاق سلام.
ويواجه أولمرت الذي يلتقي ببوش اليوم الأربعاء مطالب متزايدة بالاستقالة بسبب مزاعم بأنه تلقى رشا من رجل أعمال أميركي. وهناك مخاوف من أن تؤدي استقالة أولمرت إلى إجراء انتخابات إسرائيلية جديدة وهو ما سيعلق جهود السلام.
وكانت صحيفة «معاريف» كشفت الأحد عن أن المحامي أوري ميسر، وهو صديق أولمرت وشريكه سابقا في مكتب محاماة، اعترف أثناء التحقيق معه في الشرطة بأنه سلّم أولمرت مغلفا مليئا بالمال. وبحسب «معاريف» قال ميسر للمحققين «سلمت ايهود أولمرت مغلفا احتوى على الكثير من المال نقدا».
وأدلى ميسر بمعلومات كثيرة خلال إفادته في التحقيق، تتعلق بشكل تمرير أموال تبرعات لتمويل حملات انتخابية خاضها أولمرت واعترف، بحسب «معاريف»، بأنه تم تسليم الأموال نقدا وبمغلفات. وأضافت الصحيفة أن «الأموال التي تحدث عنها ميسر أمام المحققين وصلت أولمرت من المليونير الأميركي اليهودي، موريس تالانسكي».
وتدعم إفادة تالانسكي أمام الشرطة إفادة ميسر، إذ أقر تالانسكي خلال التحقيق معه أنه حوّل أموالا إلى أولمرت بواسطة مديرة مكتب الأخير، شولا زاكين، والمحامي ميسر.ونقلت «معاريف»عن تالانسكي قوله للمحققين «تبرعت بأموال لأولمرت، نقدا وبشيكات وبتحويلات بنكية طوال سنوات».
وأضاف أنه «إذا تم استخدام هذه الأموال لغايات غير قانونية وإذا لم يتم إعطاء تقارير حولها لمراقب الدولة أو تم ارتكاب مخالفات أخرى، فإن هذا جرى دون علمي ولا علاقة لي بذلك». من جهتها نقلت «يديعوت أحرونوت» عن أولمرت قوله في محادثات داخلية إنه«لو شعرت أن التحقيق الجديد بخصوصي يمس قدرتي في تأدية مهام رئيس الحكومة لاستقلت على الفور».
في ظل هذه المتاعب والاتهامات بالفساد يحاول بوش جاهدا من أجل التوصل لاتفاق رغم أن منتقدين ما زالوا يعتبرون أن جهود بوش قليلة وجاءت متأخرة للغاية بعد أعوام من إهمال الصراع.وقام بوش بأول زيارة له كرئيس لإسرائيل والضفة الغربية في يناير الماضي ولكنه لم يحرز الكثير خلال زيارته.
وكثير من الإسرائيليين مستعدون للترحيب ببوش خلال احتفالهم بمرور 60 عاماً على «قيام »إسرائيل إذ يعتبرونه أفضل حليف لهم على الإطلاق في البيت الأبيض في حين أن كثيرين في العالم العربي يشكون في قدرته على أن يكون وسيطا محايدا للسلام. ولا يشعر الفلسطينيون بأمل يذكر تجاه تفهم بوش لوجهة نظرهم بأن قيام إسرائيل عام 1948 كان معناه تشرد مئات الآلاف من الفلسطينيين.
لكن السؤال لا يزال معلقا من دون إجابة: هل ستؤدي شهادة براءة الذمة التي منحها بوش لأولمرت إلى نجاته من تحقيقات الفساد؟و إذا ما حدث ذلك بالفعل،فهل هناك ضمانة من جانب إسرائيل للرئيس الأميركي بالمساهمة في تقدم عملية السلام عبر التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني؟..لا نظن ذلك!!

