عندما قرر العجوز العراقي نعمة النوري قبل خمسة أشهر التقاعد كان يظن انه سيستمتع بمنزله البغدادي الذي رأى فيه عائلته تنشأ وتكبر منذ ثلاثين سنة. لكن الحرب اقتحمت عتبة داره. وقال النوري (80 سنة) الذي كان تاجر عبايات، وهو جالس على عتبة منزله المتواضع قرب «تقاطع طرق 55» في مدينة الصدر شرق بغداد «نحن على خط النار ونعيش وسط المواجهات».
وروى الرجل كيف تحطم حلمه في ان يقضي بقية أيامه هانئاً بين أبنائه وأحفاده في بيته، في المعركة الحامية الوطيس التي تدور حوله بين «جيش المهدي» التابع للتيار الصدري والحكومة العراقية المدعومة من الجيش الأميركي. وأضاف ان «الاشتباكات كانت متقطعة خلال الأسابيع الماضية لكن منذ أسبوع تحولت المنطقة حولنا إلى جحيم. كل يوم هناك اشتباكات وانفجارات وقصف».
وتراكمت الشظايا في الزقاق الذي يسكنه النوري وتدلت الأسلاك الكهربائية على الرصيف الذي تكدست عليه القمامة بروائحها الكريهة. وأصيبت مدرسة في الحي بقذيفة ودمر سورها الخارجي في حين هجر السكان المنازل المجاورة وتوقفت مولدات الكهرباء المحلية تماماً عن العمل وشكلت مياه الصرف الوسخة بركا إلى جانب الرصيف.
وحلقت في الأجواء مروحيتان أميركيتان على ارتفاع منخفض مستعدة لإطلاق النار على مجموعات مقاتلي «جيش المهدي»، ميليشيا الزعيم الشيعي مقتدى الصدر. ومن حين لآخر تسمع عيارات رشاشة في الشوارع الخالية ويهز انفجار القذائف جدران المنازل وما زال النوري الذي يكنى بالسيد، في إشارة لتحدره من سلالة النبي محمد، يتذكر عام 1977 عندما اشترى أرضا في الضاحية الشعبية ووضع فيها الحجر الأساس لمنزله.
لكن اسم الحي تغير مراراً مع تبدل الأنظمة واتسعت عائلة التاجر حتى بلغ عدد أفرادها 18 بين أبنائه وأحفاده وأبناء الأحفاد. إلا انه لم يكن يتصور ان يتحول تقاطع طريق رئيسي يعرف باسم «55» في اشارة إلى رقم مجموعة منازل وسط مدينة الصدر- على بعد اقل من مئة متر من حديقة الصغيرة إلى ساحة معارك.
وتقول القيادة الأميركية انها تريد بذلك منع تسلل جماعات مسلحة تطلق قذائف وصواريخ على المنطقة الخضراء المحصنة حيث مقر الحكومة العراقية والسفارة الأميركية. لكن انهالي مدينة الصدر يشككون في نوايا القوات الأميركية، وقال احمد الابن الأصغر لنوري ان «الأميركيين ينتشرون في كل مكان يريدون ان يحتلوا مدينة الصدر ويقسمونها إلى مربعات ليسيطروا عليها».
ويكتفي بالقول «نحن مع الحكومة لكنهم يقولون انه لا يمكنهم الوقوف بوجه الأميركيين. والصدريين يقولون نحن مقاومة ضد الاحتلال»، ويسلم أمره لله ويقول بحزن «نتوكل على الله، فهو القادر على تحقيق أحلامنا بعيشة هنية، نحن مؤمنون وعلينا ان نتحلى بالصبر».
(ا.ف.ب)