أي وطن هذا الذي يمكن لملمته في صرة ملابس، ورغيفي خبز، وقارورة ماء.. وقدمين معدتين جيدا لمعاودة النزوح؟! بيروت اختبرت مرتين طعم النزوح المزدوج: حلاوة ترك البيت تحت حراب العدو الإسرائيلي، وما تحمله من وعود العودة المشرفة. ومرارة الانتزاع من البيت بخطاطيف الأشقاء في الحرب الأهلية.. والعودة المذلة لمحاولة فصل دماء الأخوة على الشرفات.

يا لها من مدينة عجيبة.. إذ تعود لاختيار طعم المرارة! كيف يجرؤ المسلح المعارض على مواجهة قلبه فرحاً، بأنه طرد عائلة شقيقه العدو الموالي؟ وكيف يجرؤ الموالي على مواجهة ضميره، بسد أفق أخيه المعارض بسواتر الفخ السياسي المحكم؟ هل كانت الأم وابنها يفكران بذلك، حين باغتهما الرصاص هاربين إلى حتفهما؟ ها هم يعودون تدريجياً إلى التدرب على حمل الضروري في رحلة النزوح العبثي. الحياة مؤقتة بين نزوحين.. في انتظار نزوح ثالث حين تتغير الأجندات مجدداً، في بلد ينام على حلم أن «يصبح بلدا» في رأي زياد رحباني. إلى أين سيهرب البيروتي الغربي؟ وهل سيسمح له الشرقي بحمل صرته وشرارته إلى الأحقاد الموقوتة.

إلى أين سيهرب اللبناني سوى إلى لبنانيته؟ الآن، وفي اشتداد العصبيات البدائية وتواري النوازع الإنسانية، تنتظر شوارع بيروت صرخة آدمية:« لا وجهة إلا لبنان». وليلقي النازح صرته في وجه المحتربين بالوكالة، وليعد إلى بيته اللبناني.. اللبناني الصرف.