بدا لبنان أمس على وشك الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة مع تصاعد المواجهات المسلحة بين المعارضة والموالاة على خلفية الإضراب والتظاهرة التي دعا إليها الاتحاد العمالي العام وما سبقه من قرار الحكومة اللبنانية بشأن ملاحقة المتورطين بشبكة اتصالات حزب الله ومتابعة التحقيق في ملف التجسس على مطار بيروت، وتخوفاً من تصاعد عمليات أعمال العنف أعلن الاتحاد العمالي إلغاء التظاهرة التي كانت مقرة أمس.

فيما أكدت مصادر الجيش اللبناني الذي انتشر بكثافة في كافة أرجاء لبنان أن «الوضع متوتر جدا»، في الوقت الذي من المنتظر أن يعلق الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله اليوم الخميس على الأحداث الجارية والقرارات الحكومية الأخيرة. وشهدت بعض أحياء بيروت أمس اشتباكات مسلحة بين مناصري المعارضة والموالاة تدخل الجيش لضبطها على خلفية الإضراب العمالي المدعوم من المعارضة. وأشعل المحتجون السيارات القديمة والإطارات لإغلاق الطريق الرئيسية المؤدية إلى مطار بيروت الدولي بينما علقت الرحلات بسبب تلبية موظفي المطار لدعوة الاتحاد العمالي العام للاضراب للمطالبة بزيادة الاجور.

وذكرت مصادر أمنية أن عناصر من حركتي «أمل» وحزب الله المعارضتين سيطرت على مقر تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري، زعيم الأكثرية النيابية، في منطقة بربور المتاخمة لمنطقة كورنيش المزرعة في بيروت. وأشارت إلى أن أنصار المعارضة صادروا من المقر «كمية من الأسلحة والعتاد الحربي». وفي منطقة راس النبع والنويري والبسطة جرت اشتباكات بين أنصار ل«حزب الله» وحركة «أمل» من جهة، ومؤيدين ل«تيار المستقبل» وبعض أنصار الحزب التقدمي الاشتراكي استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وبعض قذائف الـ «آر.بي.جي» كما افاد شهود عيان.

كما ذكر تلفزيون «المستقبل» الناطق بلسان تيار المستقبل الذي يقود الأكثرية النيابية أن مكتب «تيار المستقبل» في منطقة النويري القريبة من قلب العاصمة تعرض لهجوم بالرصاص والقذائف الصاروخية من دون أن تشير إلى حجم الخسائر الناجمة عن الهجوم. وبعد هذه التطورات الأمنية أعلن رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن في مؤتمر صحافي عقده في بيروت ظهراً أنه تقرر «تعليق» المظاهرة التي كانت مقررة أمس بسبب ما اعتبره «عجز الدولة عن تأمين أمن المتظاهرين» قائلا إنه حريص «على السلم الأهلي بعد أن سمحت السلطة بانتشار مسلحين».

وحمل غصن الحكومة اللبنانية مسؤولية النتائج المترتبة عن الإضراب الذي دعا إليه الاتحاد العمالي «احتجاجا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية». وابلغ مصدر في الاتحاد العمالي لوكالة «يونايتدبرس انترناشيونال» أن التظاهرة ألغيت بسبب «توترات أمنية». وكان الإضراب الذي دعت إليه الاتحاد العمالي العام ودعمته المعارضة شل العديد من المناطق في العاصمة اللبنانية بيروت ومناطق أخرى.

وارتفعت في سماء العاصمة سحب الدخان الأسود من الإطارات التي أشعلت في عدة شوارع بما فيها تلك المحيطة بوسط بيروت التجاري حيث السراي الحكومي وخيم اعتصام المعارضة المستمر منذ أكثر من سنة. وكان أنصار المعارضة بقيادة حزب الله والموالين للأغلبية الحاكمة يقفون في وضع المواجهة في منطقة كورنيش المزرعة مرددين هتافات غاضبة ضد بعضهم بعضا، قبل أن تنجح الشرطة اللبنانية في تفريق الجانبين، ولكن أنصار زعيم الأغلبية المؤيدون لسعد الحريري وزعوا منشورات تحذر أنصار المعارضة من المرور عبر مناطقهم.

وصرح ضابط في الجيش اللبناني لوكالة الأنباء الألمانية بأن «الوضع متوتر جدا ونحن نحاول تفادي أي مواجهات». وكانت الساعات السابقة على إلغاء المظاهرة شهدت إصابة خمسة أشخاص بينهم جنديان في الجيش جراء إلقاء قنبلة صوتية على مجموعة من المتظاهرين في منطقة كورنيش المزرعة.

وفيما عم الإضراب مناطق في الجنوب والبقاع شرق لبنان، شهدت مناطق أخرى في جبل لبنان والشمال حركة طبيعية ولم تشارك في الإضراب. ورفضت قيادات عمالية منشقة المشاركة في الإضراب كما دعت مكاتب عمالية في تيارات موالية للحكومة إلى عدم المشاركة بينما قال بيان للأكثرية النيابية أن هذا الإضراب «مسيس».

وقال مسؤولون إنه تم تأجيل أو إلغاء 32 رحلة قادمة ومغادرة لمطار بيروت وهو المطار المدني الوحيد في لبنان، إلا أن حركة الملاحة الجوية استؤنفت بعد الظهر حيث هبطت ثلاث طائرات تابعة لشركة الطيران اللبنانية قادمة من اسطنبول والكويت وكانو.. في وقت ألمح أطراف في الموالاة إلى أن السلطات الرسمية قد تعتمد مطار القليعات في شرق بيروت كبديل إذا استمر إغلاق الطرق المؤدية إلى المطار الدولي أو إذا قررت المعارضة وضع يدها عليه.

وكانت حكومة السنيورة اتهمت حزب الله بانتهاك السيادة اللبنانية بإقامة شبكة اتصالات خاصة به وتركيب كاميرات مراقبة في مطار بيروت، كما أقدمت على إقالة مدير أمن المطار في تحد آخر لحزب الله الذي رد بالقول إن شبكة الاتصالات الخاصة به جزء من جهازه الأمني ومعركته المستمرة ضد إسرائيل.. في حين اعتبرت قوى 14 آذار الدعوة إلى الإضراب «دعوة سياسية تندرج في إطار خطة تقويض الدولة لصالح بناء دولة حزب الله».

قنبلتان أمام «التيار الوطني الحر» و«باب التبانة»

أفادت لجنة الإعلام في التيار الوطني الحر أنه تم العثور قبل ظهر أمس على قنبلة يدوية قرب مكتب التيار في منطقة الضبية، كما أفاد مندوب الوكالة الوطنية للإعلام في طرابلس محسن السقال أن الجيش اللبناني عثرلاحقاً على قنبلة يدوية معدة للتفجير في محلة باب التبانة في طرابلس وقامت فرق الهندسة في الجيش اللبناني بنقل العبوة إلى مكان آمن.

التجاوب مع الإضراب عكس الانقسام السياسي

تفاوتت نسبة التجاوب مع الإضراب في مختلف أرجاء لبنان أمس بحسب الانتماءات السياسية الأمر الذي ابرز بقوة حجم الانقسام في الشارع اللبناني بين المعارضة والموالاة. ولبت منطقة الهرمل والبقاع الشمالي بشرق لبنان الدعوة إلى الإضراب حيث أقفلت سائر المحال والمؤسسات التجارية، وأغلقت المصارف أبوابها، وتعطلت الدراسة في كل المدارس الرسمية والخاصة، وشل العمل في الدوائر الرسمية. وعمد البعض إلى حرق الدواليب أمام مبنى السرايا وساحة البلدية، فيما قطعت صباحاً طريق عام بعلبك حمص لبعض الوقت.

ولم تستجب مدينة طرابلس للإضراب باستثناء قيام بعض العمال بالاعتصام في ساحة التل، تحدث خلاله رئيس مجلس المندوبين في الاتحاد علي السلو ورئيس الاتحاد شعبان بدرة. كما أعلنت نقابة مستخدمي وعمال المياه في البقاع عن مشاركتها في الإضراب حيث توقف العمال والمستخدمون عن العمل.

وتجاوبت صور الجنوبية مع الدعوة إلى الإضراب، فشهدت المدينة وجوارها اقفالاً عاماً في جميع المؤسسات والمحال التجارية والمدارس والثانويات والجامعات، وسط انتشار للقوى الأمنية والجيش اللبناني بشكل كثيف، وسير الجيش دوريات مكثفة في الشوارع. وتجمع حشد من المواطنين أمام النصب التذكاري لشهداء المقاومة في صور، وانطلقوا بمسيرة شعبية في اتجاه مقر اتحاد بلديات صور حاملين اللافتات «المنددة بالسياسة الاجتماعية والاقتصادية للحكومة».

وفتحت المصارف أبوابها في كل المناطق، وكذلك فتح المصرف المركزي أبوابه لكن الظروف الأمنية وإحراق الإطارات حالت دون وصول بعض الموظفين إلى أعمالهم. وشهدت مناطق كسروان حركة عمل عادية، حيث فتحت المحال التجارية والأفران والصيدليات والمدارس والجامعات والمصارف، ولم تشهد الطرقات إقفالا أو قطعا من قبل أحد.

ولم تشهد منطقتا عاليه والمتن الأعلى الجبليتين أي مظاهر للإضراب أو الاعتصامات. وعملت المؤسسات التجارية والصناعية والمصرفية والتعليمية في جبيل بصورة عادية، وبدت حركت السير على الاوتوستراد الساحلي وفي الأسواق طبيعية وسط إجراءات أمنية نفذها الجيش. وعاشت قرى قضاء المنية الضنية الشمالية يوماً عادياً ولم تستجب لدعوة الاتحاد العمالي العام وفتحت المدارس أبوابها أمام الطلاب في معظم المراحل الدراسية.

وتجاوب قضاء الكورة بشكل خجول مع الإضراب. وفتحت المدارس والمهنيات الخاصة والرسمية أبوابها فيما لم يحضر الطلاب بسبب توقف باصات المدارس عن العمل . ولم تلتزم مناطق زغرتا الإضراب إلا بشكل خجول، وشهدت المنطقة حركة سير عادية، وفتحت المؤسسات الخاصة والعامة والمصارف والمقاهي أبوابها، فيما تفاوت الالتزام بقرار لجنة التجار الإضراب حسب الانتماءات السياسية للتاجر، في حين فتحت معظم المدارس الرسمية والخاصة أبوابها. ولم تستجب صيدا للدعوة إلى الإضراب، في ظل المخاوف من الاضطرابات.

لبنان ـ علي بردى والوكالات