عندما تولى رئاسة روسيا عام 1999 قام فلاديمير بوتين بشد حبال الفيدرالية الروسية المتراخية الوليدة خلال حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي مما أوجد ما يسمى «رأسية السلطة» وهي هرم بشري للسلطة جزء منه إقطاعي وجزء بيروقراطي ينتهي عند الكرملين.

لكن لأول مرة في تاريخ روسيا سيترك بوتين المنصب اليوم دون أن يجبره أحد على ذلك، بل إنه يتركه وهو في ذروة نفوذه وشعبيته خضوعا لبنود الدستور. ولأول مرة أيضا يقايض بوتين الرئاسة برئاسة الوزراء ويومئ إلى عزمه الإمساك بمفاتيح السلطة التي بناها على مدى السنوات الثماني التي أمضاها على رأس السلطة التنفيذية. وقد تنازل بوتين عن المنصب القوي لأصغر رئيس روسي على الإطلاق ديمتري ميدفيديف الذي يدين بصعوده إلى الرئيس وحده.

وتدور نقاشات حامية عما إذا كان ميدفيديف البالغ من العمر 42 عاما والذي يجعله مسلكه الليبرالي وحديثه الناعم على النقيض من بوتين رئيس الكي.جي.بي السابق يمكنه فعلا أن يمسك بزمام «رأسية السلطة» في روسيا. ويسلط منتقدون الضوء على الأسلوب الذي أتبعه الكرملين في ضمان فوز ميدفيديف في الانتخابات الرئاسية فور فوز حزب «روسيا الموحدة» الذي تصدر بوتين قائمته الانتخابية بأغلبية هائلة في البرلمان في حملة تم تسويقها بشكل صريح تحت اسم بوتين كنوع من التصويت على استمرار الاستقرار أو «خطة بوتين».

ويرى المحللون أن بوتين عمل بهدوء خلال الأسابيع الأخيرة له في الحكم على تعزيز مكانة وصلاحيات رئاسة الوزراء. ففي 28 أبريل الماضي عدل بوتين مرسوما يرجع إلى عام 2007 بما يمنح رئيس الوزراء سلطات مهمة على حكام الأقاليم. وبموجب التعديل يتعين على حكام الأقاليم الآن إرسال التقارير عن أعمالهم وما أنجزوه إلى مقر رئاسة الوزراء وليس إلى موظفي الكرملين.

وصرح اليكسي موكين المدير العام لمعهد «مركز المعلومات السياسية» لصحيفة «تفوي دن» الروسية بأن «بوتين قام في الواقع وببساطة بإقامة رأسية سلطة إقليمية تحت رئاسته ومن ثم عزز دور رئيس الوزراء». وأضاف موكين أن «بوتين يتصرف بشكل منطقي. فحكام الأقاليم سيكونون الآن مسؤولين أمام رئيس الوزراء والعمد سيكونون مسؤولين أمام حكام الأقاليم»، مشيرا إلى أن هذه مجرد بداية في عملية «إعادة ترتيب السلطة». ويشير خبراء آخرون إلى وعود بوتين وميدفيديف التي لا لبس فيها بشأن عدم التلاعب بموازين القوى في روسيا.

بيد انه حتى دون تعديلات فإن كل الدلائل تشير إلى أن بوتين سيكون أقوى رئيس وزراء في تاريخ البلاد. فبوتين سيسيطر على مجلسي البرلمان عبر رئاسته لحزب الأغلبية «روسيا الموحدة» وهو عملاق بيروقراطي مطيع تضم صفوفه جميع كبار رجال الأعمال في روسيا تقريبا. ومن خلال هذه الكتلة يستطيع بوتين توجيه الاتهام للرئيس بالإخلال بمهام منصبه ومن ثم ترتيب إجراءات لعزله، وكذلك تمرير تعديلات دستورية بسهولة.

وبموجب مشروع قانون صدر في فبراير الماضي يحجم الاستثمار الأجنبي في 42 قطاعا رئيسيا وصفت بالإستراتيجية ومنها البترول والغاز والاتصالات تم تعيين «رئيس الوزراء» بوتين كأول رئيس للجنة الجديدة التي تنظر في طلبات الاستثمار.

(د ب أ)