لكل مدينة صورة ترتسم في ذهن من يعرفها فيتعلق بما فيها من خصوصية. في باريس تجد رحابة المدينة المفتوحة الذراعين لاستقبال زائرها. شوارع عريضة وساحات جميلة، للصغيرة منها والكبيرة رواية وتاريخ ومعلم فن أيضاً. مخازن في واجهاتها أجمل ما يمكن ان يشتريه القادر المتذوّق. لم تستطع المدن التي حاولت والتي لم تحاول ان تأخذ منها قدرتها على إسعاد زائر لا يعرف المدينة ولا حتى لغة أهلها. ليلها موصول بنهارها. خدماتها لا تتوقّف عن ابتكار ما يجلب مزيداً من السائحين إلى شوارعها قبل فنادقها.
في لندن تنتشر العراقة في كل واجهة مبنى. محافظة في حركتها. جنونها محدود. لا يستطيع زائرها ان لم يكن خبيرا في نظام أبوابها المغلقة ان يشعر بترحاب المدينة به. تزورها مرّات حتى تمسك الخيط الأول من نظامها الليلي. أما في النهار فلا تبهرك شوارعها ولا واجهات مخازنها ما عدا «هارودذ» الأشهر بمتاعب صاحبه محمد الفايد، والذي تحتاج إلى ان تكون خبيرا في الخرائط حتى تصل إلى مبتغاك فيه مهما كان بسيطا. وفوق ذلك ضباب يسرق ما اختزنته من ضوء أتيت به من مدينتك.
تذهب إلى نيويورك لتواجه المدينة الأحدث في العالم. تجد فيها أجمل وأرقى ما في الدنيا من فنون، وأعقد التقنيّات، والشوارع التي عليك ان تحفظ اتجاهاتها الهندسية المستقيمة للتدرّج بسهولة مشياً على الأقدام من كبير إلى شارع اكبر. تندم اذا كنت في منتصف العمر، انك لم تعرفها جيدا وأنت شاب كي تمشي فيها رافعا عينيك إلى أعلى ما يطاله النظر من بناء.
خلطة الثقافات الجمالية
ذهبت منذ اشهر قليلة إلى مراكش الحاضرة المغربية، التي ما زالوا يطلقون اسم «المدينة» على جزئها القديم داخل السور الأقدم. فاكتشفت ان فيها سحراً يجذب اليها رموز الفن والتأليف والموسيقى في العالم. يبنون بيوتاً مغربية الطراز تشعّ بالدفء في أبرد ايام الشتاء. ينتشر حولها النخيل الذي يوحي انتصاب جذعه الطويل انه يقف هناك منذ مئات السنين.
مراكش، ربما، المدينة الوحيدة التي يرتبط اسمها باسم رسام فرنسي عاش فيها لسنوات طويلة ورسمها ولوّن صور أهلها، فجعل للمدينة وأهلها انتشارا سحريا وسرياً في كل منتديات العالم. حفظت المدينة الجميل للرسام «ماجوريل»، وحفظ له مواطنه «ايف سان لوران» حديقته ومنزله وجعلهما مزارا للسياح يدفعون بدلاً ماليا للدخول إلى حديقة متوحّشة بنباتاتها الصحراوية.
إلى جانبها منارة مسجد قديمة، جميلة، متواضعة الارتفاع. يضفي منظرها من الحديقة سحراً على الشجر الممنوع لمسه حفظا لنموّه الدائم منذ عشرات السنوات. جعل اسم ماجوريل من مراكش مدرسة للرسامين المحليين وملتقى للفنانين القادمين من جميع أنحاء أوروبا لينعموا بدفء وجمال المدينة.
دخل الإبداع الفرنسي إلى المدينة القديمة فجعل من «رياضها» اي منازلها القديمة فنادق صغيرة رائعة الذوق تستطيع ان تمضي فيها اياما، لا تخرج منها إلا ليلا نحو «ساحة الفنا» الشهيرة بمأذنتها وجمهورها الذي يجعل من ليلها عرسا دائماً.
اينما مشيت في شوارع مراكش ترى قمم جبال «الأطلس» بقممها البعيدة البيضاء. سفوحها الملوّنة التراب تجذبك بألوانها عن بعد. فتندرج من الأبيض على القمة إلى الباذنجاني ثم الليلكي ولا تصل عيناك إلى الصحراء الرابضة على سفوح الأطلس. تفهم عندها من أين يأتي فنانو مركاش بألوان لوحاتهم وفرح حياتهم سواء أكانوا من أهلها أو من المقيمين الدائمين فيها.
تتمنى «خرج ولم يعد»
تذهب إلى المطاعم التقليدية في «المدينة» بضم الميم كما يلفظها أهلها. لتجد الحضارة الأندلسية بأرقى ما فيها من عمران وأغنى ما فيها من طعام وادفأ ما فيها من سحر. يتسلّل اليك فلا يترك لك مجالا من الغرق في ألوانها وأشكالها، فتتذكّر فيلم المصري العريق في قدرته على التمثيل، يحيى الفخراني، «ذهب ولم يعد». وتتمنى لو تفعل مثله في مراكش فتذهب ولا تعود.
تسمع الموسيقى في الطابق الأول من «دار ياقوت» فتمايل مخيّلتك معها. تنزل إلى الأسفل لتجلس حول البركة وأمامك المائدة بما تحمل من الأطباق المرصوفة أمامك. خرير الماء يخالط ألوان «الزليج» أي البلاط المغربي بألوانه الزاهية مهما عانق من المياه لعشرات السنوات.
تقرّر الاقتراب من جبال الأطلس لتغني عينيك بألوانها عن قرب. تذهب في السيارة الرباعية الدفع في اتجاه الصحراء النائمة على سفوح الجبال. تستغرق الرحلة 5 ساعات على طرقات لا تشعر بأن هناك حجراً متروكا ولو بالخطأ على مسارها ولا حفرة منسيّة من الجهة الرسمية المعنية.
تصل إلى «ورززات» المدينة المقيمة على فم الصحراء المغربية. تنظر من الساحة المدينة ظهراً لتشعر بالدفء الصادق في أحجارها. تمتد الصحراء أمامك وبين نظرة وأخرى تقع على «قصبة» (قلعة) مرمّمة أو متروكة على حالها من القدم فتتعرّف إلى نظام عمران وحضارة لم تعرفها من قبل إلا في الصور.
قلعة سادة الصحراء
أنت الآن في مقام الحضارة البربرية التي تختلط فيها العمارة العربية الصحراوية مع ألوان الإسلام الإفريقي. اذ ان الصحراء تمتد من هناك إلى تومبكتو العاصمة التاريخية للطوارق سادة الصحراء. تراهم في «ورززات» كما في الأفلام تماما بثيابهم الملّونة مثل أمواج البحر واللفّة السوداء التي تغطي رأسهم ووجوههم ولا يظهر منها الا عينين يسكنهما تاريخ من الفروسية وحاضر من الركود.
تجد في حوانيت المدينة ابسط الأشياء وأجمل الأذواق. أبواب خشبية قديمة قادمة من إفريقيا الإسلامية والفن القادم من فاس المدينة الإسلامية الأعرق في المغرب بألوانه الأندلسية، وبعض المصنوعات الموّنة بالأزرق والأبيض المصنوعة في «الصويرات» المدينة البعيدة عن مراكش ساعتين بالسيارة والقابعة على المحيط الأطلسي. لوّنها الاستعمار البرتغالي بألوان البحر وأمواجه.
كذلك خصائص الفن البربري خشباً ببساطة من الجمال والغريب من النسيج بألوانه المختلة تماماً عن النسيج الإسلامي. تسمع في المدينة عن واحة تدعى «زكوره»، جاءها مصمّم فرنسي وجعل من قاعة كبيرة فيها فندقا خاصا. اعتمد المصمم في ترميمه للقلعة مزيجا من التبن الأصفر والطين البني كما كانت تبنى تاريخيا. حين تقترب من القلعة ـ الفندق، يلمع التبن الأصفر على حوائط الطين المبنية امامك.
بعد وساطات باللغة الفرنسية التي يتقن أصولها العريقة «الباشا المصري» رفيق الرحلة، تسمح لك السيدة الفرنسية العاملة في الفندق ـ القلعة التي خرجت على صوت «البحص» الكبير المرصوف على ساحة الباب الخارجي للقلعة، بالدخول إلى أجمل ما يمكن ان تراه عيناك. للحديث صلة....
