للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات تتعرّض صورة المفاوض الوطني في شخص رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، إلى ضربة قاسية بعد زيارته الأخيرة إلى دمشق وإعلانه بعد لقائه الرئيس السوري بشّار الأسد، عن أنه يحمل مفاجأة إلى اللبنانيين تتطلّب أولاً إعلان نوايا من الأكثرية.
وللمرة الأولى أيضاً منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، تظهر على الزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط عوارض صادقة وجدّية بالرغبة في تسوية داخلية هادئة وهادفة تجاه القيادة السورية. ثم تنقلب بين ليلة وضحاها إلى مواجهة عنوانها «دولة حزب الله» والسفير الإيراني في بيروت الذي طالب جنبلاط بطرده من لبنان. وللمرة الأولى أيضاً تتصرّف قيادة حزب الله بتوتّر شديد وارتباك أمام وقائع تفصيلية في حركتها العسكرية، تبدأ بكاميرا تصوير موجّهة مدرج في مطار بيروت ولا تنتهي بشبطة اتصالات خاصة سبق لمجلس الوزراء ان تحدّث عنها في أكثر من جلسة له.
وللمرة الأولى أيضاً وأيضاً، يعود سعد الحريري زعيم كتلة «تيار المستقبل» النيابية بهدوء إلى لبنان بعد غياب استمر لمدة شهرين لينفّذ خطة تشاور مع قيادات سياسية ودينية ثم يطلب تفويضاً للحوار المحدّدة عناوينه مع برّي ليحصل عليه فيبقيه في جيبه حتى موعد لقاء لم يتم حتى الآن مع رئيس المجلس النيابي. ما الذي جعل كل هذه المرات الأولى تتكرّر في الوقت نفسه وتحت عنوان واحد هو الحوار؟
بدأت القصة بالزيارة التي قام بها نبيه برّي منذ أسبوعين إلى دمشق للتباحث مع الرئيس السوري، في تطوّرات الوضع اللبناني بعد القمة العربية التي عقدت في العاصمة السورية. كان واضحاً ان القيادة السورية تريد من القمة العربية محطة لاستعادة الانفتاح على الدول العربية التي خفّضت مستوى تمثيلها إلى الحد الأدنى وبخاصة السعودية ومصر. استناداً إلى ان البيان الختامي للقمة أخذ بعين الاعتبار العناصر المشتركة لعودة الحوار بين دمشق والرياض والقاهرة في العناوين الاستراتيجية للمنطقة في مثلث الأزمات في فلسطين والعراق ولبنان أيضاً.
هناك روايتان حول اللقاء الدمشقي بين الأسد وبرّي: الأولى تقول ان رئيس المجلس النيابي اللبناني اعتبر زيارته هي الأنجح منذ 27 سنة. منها عشرون سنة حفلت باللقاءات مع الرئيس الراحل حافظ الأسد. وسبع سنوات من التعرّف إلى الرئيس الجديد للدولة السورية.
عاد برّي ليلقي في البحر السياسي اللبناني عنواناً جديداً، وهو ان المطلوب من الأكثرية النيابية ان تعلن نواياها بشأن الدائرة الانتخابية المزمع اعتمادها في القانون الانتخابي وتحديد النسب في التشكيلة الحكومية الجديدة بين الأكثرية والأقلية والرئيس الجديد للجمهورية.
ظهر من التعبير «إعلان النوايا» ان هناك تطوّراً في الموقف السوري والمعارضة لا بد من أخذه بعين الاعتبار. إذ ان إعلان النوايا ملزم معنوياً، لكنه مختلف عن الشرط السابق للمعارضة الذي يقول باتفاق على «السلة» يسبق انتخاب رئيس الجمهورية.
شعر وليد جنبلاط وسعد الحريري أنهما أمام وقائع جديدة ليس من السهل تجاهلها، وبخاصة ان الجمهور الذي لبّى نداءهما وحلفاءهما في الرابع عشر من فبراير الماضي في الذكرى الثالثة لاستشهاد رفيق الحريري، هو جمهور راغب بتسوية تحقق الاستقرار وتعيد للمؤسسات الدستورية دورها في مختلف المجالات.
اندفع جنبلاط إلى الأمام متقدماً على حلفائه ومتجاوزاً لمواقف بعضهم التي رفضت الحوار بالمبدأ، باعتبار انه يراد منه كسب المزيد من الوقت على الطريقة السورية السياسية الدائمة في الشأن اللبناني. تمهّل سعد الحريري في حركته انما لم يرفض الحوار فبدا وكأنه الميزان المقرّر للنتيجة النهائية بين من رفض ومن استعجل الحوار في قوى الـ «14 من آذار».
اندفع الرئيس بري مرة أخرى ليبلغ جنبلاط بأنه يحمل عرضاً بتشكيل حكومة على قاعدة 13 للأكثرية، عشرة للمعارضة، وسبعة لرئيس الجمهورية. ووافق جنبلاط بعدما حاول تعديل الصيغة إلى 14 - 10 - 6. الرواية الثانية تقول ان القيادة السورية أبلغت الرئيس برّي انزعاجها من صيغة الأحرف التي اعتمدها رئيس المجلس قاعدة للحل في لبنان وهي «س ـ س» اختصاراً للمصالحة السعودية ـ السورية.
إذ ان الاستمرار في هذه الصياغة يزيد من حدّة الخلاف بين البلدين بدلاً من ان يسهّل تقاربهما. فضلاً عن انه يؤكد الانطباع السائد عربياً ودولياً بأن سوريا هي المعرقلة للحل في لبنان بسبب رفضها لما تتبناه السعودية علناً في سياستها من أولوية انتخاب رئيس للجمهورية على أي شأن آخر. لذلك اقترحت القيادة السورية على برّي العودة إلى الحوار لكي تعود الصورة إلى الخلاف اللبناني ـ اللبناني فيصبح حرفي «ل ـ ل» بديلاً من «س ـ س».
ليس مؤكداً حتى الآن أي الروايتان هي الأصح لكن الأكيد ان عناصر كثيرة طرأت على المنطقة، جعلت نتائج زيارة الرئيس بري إلى دمشق من الماضي بدلاً من ان تكون مؤسسة للمستقبل. لم يتورّع العماد ميشال عون عن تناول حركة بري، ووصفها بأقسى الأوصاف باعتبار انه لم يتجاوز التفويض المعطى لعون من المعارضة فقط، بل تساهل في الأهداف التي تسعى إليها المعارضة أيضاً. آخذاً في طريقه وعلى طريقته الحاجة الدائمة إلى مفاوض محترف مثل بري في أي مفاوضات مقبلة عاجلة كانت أم آجلة.
في المقابل، أنهى الحريري جولته على القيادات اللبنانية بزيارة إلى رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وبادر إلى الإعلان من السرايا الكبير عن موافقته وحلفائه على القضاء دائرة انتخابية وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية. والقبول بمبدأ الحوار مع العماد عون بعد تمهيد سياسي وتقني يجريه مع بري، ليكون الحوار معبراً ملزماً لإجراء انتخابات رئاسية في جلسة الثالث عشر من هذا الشهر.
دخل أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، على بري ليأخذ منه ورقة تنص على قيام حكومة «تطمئن الجميع». أما تفسير الاطمئنان هذا فمؤجّل حتى الجلوس إلى طاولة الحوار. لم يستطع موسى بالطبع الاجتهاد في هذا المجال طالما ان بري على تردّده حتى لا يقال رفضه استقبال رئيس أكبر كتلة نيابية في المجلس.
لا يعبّر هذا التردّد من بري عن أسلوبه أو سياسته أو حتى رغبته، لكنه يعبّر عن مدى الحدة في تطوّرات محاولة الانفتاح السوري على الدولتين العربيتين الكبريين أي مصر والسعودية، والإصرار الدولي دون مهادنة على فك التحالف بين سوريا وإيران. أول هذه التطورات المحاولة التي قام بها العاهل الأردني في زيارته الأخيرة إلى السعودية لفتح باب الحوار بين دمشق والرياض. فكان جواب العاهل السعودي انه لا يريد ان يسمع أي حديث عن هذا الموضوع.
ثاني هذه التطورات نفي الأمير سعود الفيصل علمه بموعد محدد لزيارة الرئيس الأسد إلى الرياض أو القاهرة، بعد إعراب الرئيس السوري عن رغبته بزيارة العاصمتين السعودية والمصرية، في حديث إلى صحيفة قطرية. أتى جواب الوزير السعودي في سياق حديث اعتبر فيه تدويل القضية اللبنانية لا يختلف عن الجهود العربي. وهو ـ أي التدويل ـ دليل علاقات لبنان الواسعة والتاريخية في العالم.
جاء حديث الفيصل، بعد نشر وكالة أنباء «فارس» اتهامات للسعودية بالمشاركة في اغتيال الشهيد عماد مغنية رئيس المجلس الجهادي في حزب الله. ولم يشفع نفي الرئيس الأسد لاحتمال مشاركة عربية في عملية الاغتيال في التخفيف من ردة الفعل السعودية.
التطوّر الثالث من حيث الأهمية وليس من حيث التوقيت، هو اجتماع أصدقاء لبنان على هامش مؤتمر دول جوار العراق في الكويت، تبنت فيه الدول مجتمعة تفسير المبادرة العربية القائل بانتخاب رئيس للجمهورية أولاً وقبل أي حوار حول الحكومة أو قانون الانتخاب. جرى الاجتماع دون دعوة سوريا إلى المشاركة باعتبار ان حضورها سيتسبب بغياب دول أخرى على حد التفسير الأميركي.
التطوّر الرابع خوض الإدارة الأميركية موجة تعبئة في وجه سوريا أميركياً ودولياً، استناداً إلى صور تظهر ان المبنى العسكري السوري الذي دمّره الطيران الإسرائيلي في سبتمبر الماضي، كان يحضّر بالتعاون مع كوريا الشمالية لامتلاك سوريا قوة نووية.
انتظرت الإدارة الأميركية شهوراً جواباً من كوريا الشمالية حول هذا البناء ولم تتلقَ جواباً. مما حدا بالإدارة إلى خوض مفاوضات صعبة وطويلة مع المخابرات العسكرية الإسرائيلية للحصول على صور جوية للمفاعل الافتراضي قبل تدميره، على حد قول مصادر عربية دبلوماسية في واشنطن.
التتمة الطبيعية لموجة التعبئة هذه ان يبدأ الدكتور محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتحضير حقائبه لزيارات متكررة إلى سوريا للتفتيش عن «الأسرار النووية السورية»!. ثم يحال الملف إلى مجلس الأمن ليتولى مناقشة عقوبات على سوريا على الطريقة العراقية.
استنفرت القيادة السورية في أربعة اتجاهات. الأول في الداخل حيث عقد الرئيس الأسد اجتماعات مطوّلة مع القيادة المركزية أعلن بعده الأسد ان سوريا لن تجري محادثات سرية مباشرة مع إسرائيل بل ستعتمد الوسيط التركي لنقل الرسائل بين الطرفين. النقطة الأهم في الموضوع ان القيادة المركزية وافقت على قيام الرئيس الأسد بمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل. وهذا بحد ذاته سابقة في تاريخ الاتصالات السرية الإسرائيلية ـ السورية.
الاتجاه الثاني هو استقبال رئيس الوزراء التركي، وتحميله رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي حملها بالأمس وزير الخارجية التركي إلى زميلته الإسرائيلية. بصرف النظر عن مضمون الرسالة ومدى استعداد إسرائيل للدخول في مفاوضات من هذا النوع في الوقت الحاضر. فان الرئيس السوري أراد من هذه الرسالة تأكيد رغبة بلاده بالسلام على عكس المتداول عنه دولياً بأنه لا يزال على موقفه الداعم لعمليات عسكرية ضد إسرائيل بالتحالف مع إيران.
تجاهل الرئيس السوري في محادثاته مع صديقه التركي الواقعة التي تقول ان الدفاعات الجوية التركية تجاهلت مرور الطائرات الإسرائيلية في الأجواء التركية، في طريق عودتها من ضرب «مفاعل» دير الزور ورمت خزانات فارغة في الأراضي التركية. واكتفت الحكومة التركية لاحقاً بقبول اعتذار الخارجية الإسرائيلية عن خطأ ارتكبه سلاحها الجوي عن غير قصد.
الاتجاه الثالث نحو إيران التي تولّت منفردة توجيه الاتهامات الأمنية مرة إلى الأردن وأخرى إلى السعودية. بينما يعبّر الجنرال يحيى صفوي المستشار الأمني للمرجع الأعلى عن موقف بلاده من المملكة السعودية بأشد الاتهامات.
قام وزير الخارجية السوري وليد المعلّم بزيارة طهران وأعلن بعد لقائه الرئيس أحمدي نجاد أن القيادة الإيرانية في جو الاتصالات التي يجريها الرئيس السوري مع إسرائيل عبر الحكومة التركية، بينما نقلت وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء عن نجاد دعوته «للتحلي بالاستعداد واليقظة باستمرار لإحباط تحركات أميركا في المنطقة».
الاتجاه الرابع هو لبنان. ألغيت كل التحضيرات لجو سياسي لبناني يمهّد لجولة الأسد العربية وعاد الحوار إلى نقطته الأولى. فتأكّدت الصيغتان الحرفيتان «السين ـ سين» و«اللام ـ لام» أيضاً هذه المرة. هل تكفي هذه الوقائع لتبرير الاستنفار السياسي العشوائي لدى قيادة حزب الله.
فلا يذكر في بيانهم لماذا ركّزت الكاميرا في محيط المطار على هذا المدرج دون غيره واستكثروا اعتذاراً علنياً من المسؤول الاشتراكي الفرنسي الذي حقّق معه بتهمة التصوير في موقع يسكنه قيادي في الحزب، وغيرها من التفاصيل التي عولجت بحدة مماثلة للهجوم عليها أو بسببها؟ وهل تشفع الوقائع نفسها لوليد جنبلاط انقلابه السريع جداً والحاد جداً؟
تتصرّف قيادة حزب الله على ان الهجمة الأميركية عادت إلى سوريا ولبنان، بعدما كانت لفترة طويلة في إيران. وانه لم يعد ينقصها إلا الطيران الإسرائيلي محلّقاً وضارباً في العمق اللبناني. لذلك وضعت مقاييس حادة للرد على أي هجوم تتعرّض له من الداخل، بصرف النظر عما إذا كانت هذه المقاييس تزيد من احتمال البيئة الصديقة أو تخفض منسوبه.
أما وليد جنبلاط فقد اعتبر ان اتهام تلفزيون «المنار» للحزبي الاشتراكي هشام ناصر الدين بالمشاركة في اغتيال عماد مغنية، مؤشراً على عمليات أمنية تستهدفه وغيره من حلفائه. ثم جاءت كاميرا محيط المطار لتضيف إلى هواجسه الدائمة هاجساً جديداً.
انتظروا مفاجأة سعد الحريري في 13 مايو
ما تفسير الحكمة المدعومة بالقدرة التي نزلت فجأة على سعد الحريري؟
من أين يأتي سعد الحريري بهدوئه وابتسامته التي استقبل بها زوّاره قبل مغادرته إلى الكويت؟
تزداد ابتسامته اتساعاً بسبب السؤال. ويدعو سامعيه إلى انتظار مفاجأة في الثالث عشر من مايو. ليست هي إجراء انتخابات رئاسية بل حدث يجعل الانتخابات قاب قوسين أو أدنى من موعدها المحدد.
ما هي؟
يقسم بأنه وحده يعرفها ولن يبوح بها قبل حدوثها في موعدها المقرّر.
نهاد المشنوق


