يصعب الحديث عن مشهد أشد سوريالية من المشهد الرسمي الإسرائيلي في هذه الأيام. فما ان كادت تدوي آثار صور ما أشيع أنه المفاعل النووي السوري الذي دمرته الطائرات الحربية الإسرائيلية حتى برزت قضية رسائل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت السلمية عبر تركيا للقيادة السورية.
وفي ذروة السجال الإسرائيلي بين حزب المعارضة الرئيسي «الليكود» والحكومة بقيادة حزب كاديما حول من «باع» الجولان أولا للسوريين، يستعد الجيش الإسرائيلي للحرب أو التهدئة في قطاع غزة. وبين كل هذه الأحداث وفي خلفيتها تتعاظم استعدادات إسرائيل للاحتفال بالذكرى الستين لإنشائها بحضور أوسع جوقة عالمية بقيادة الرئيس الأميركي جورج بوش.
ولكن في الوقت الذي كان فيه أولمرت يرسل الرسائل السلمية بعد التهديد الواسع بالحرب لسوريا كان يقضي إجازته في إحدى مستوطنات الجولان السوري التي شدد فيها على أنه لم يكنّ مقدار حب الإسرائيليين لهذه المنطقة.
وحينما كان أولمرت يحض صديقه بوش وأصدقاءه الآخرين في فرنسا وإيطاليا والعديد من الدول على حضور احتفالات الستين لقيام إسرائيل كان يفهم أن حضورهم فيه تعزيز لشعبيته المتردية. ومع ذلك لا يبدو أن الأمور سارت أو تسير كما أراد. وتبددت دفعة واحدة أوجه الاهتمام بالحرب والسلام و«عظمة» إسرائيل في عيدها الستين ولم تعد هناك سوى قضية واحدة اسمها قضايا الفساد التي تلاحق أولمرت.
ولا ينبغي الاستخفاف بهذه القضايا التي على كثرتها تعود الجمهور الإسرائيلي على فقد الاهتمام بها. ومع ذلك فإن إحياءها بهذا الشكل بدا وكأنه إخراج لها ليس من الغرف المظلمة وإنما من القبر وبعثها للحياة من جديد. والأمر هنا ليس مجرد حدث داخلي بل يمكن أن تكون له انعكاسات إقليمية ودولية كبرى بالنظر إلى ما بُني حتى الآن على أولمرت.
فالإدارة الأميركية التي سبق وأعلنت أن العام 2008 هو عام التسوية الدائمة بين إسرائيل والفلسطينيين راهنت بدرجة كبيرة على أولمرت من الجانب الإسرائيلي. وثمة قسم من العرب راهن على أن تغييرا جوهريا في العلاقة الإسرائيلية العربية ارتكازاً على أولمرت بسبب أن بدائله من زعيم الليكود بنيامين نتانياهو ووزير العمل إيهود باراك.
وفي الحلبة الإسرائيلية الداخلية كان أولمرت عنوان الشلل الذي يحول دون عودة السلطة إلى اليمين الإسرائيلي جراء أية انتخابات مبكرة. وهكذا فإن الأنظار تتوجه بشدة إلى الأيام القريبة التي يمكن أن تكون مصيرية ليس فقط لأولمرت وإنما كذلك للكثير من الخيارات في المنطقة. فالصحف الإسرائيلية تتحدث هذه المرة بنبرة يقل فيها منسوب الشك في صحة الاتهامات بفساد أولمرت عن المرات السابقة. وهي في الوقت نفسه تتعامل مع أولمرت وكأنه أقل ثقة بنفسه من أي وقت مضى.
وإذا كان لذلك معنى فهو أن الكثيرين يريدون تصفية حسابات تاريخية مع أولمرت: حسابات تعود إلى مكانته في «الليكود» ورئاسته لبلدية القدس وزعامته لكاديما وحربه في لبنان صيف 2006 وقبل ذلك وبعده خطة الفصل التي نفذها مع رئيس الوزراء السابق أرييل شارون في غزة.
والبعض في إسرائيل يعتقد أن نهاية أولمرت قد حانت، وبالتالي يؤمن أن ذلك ينهي قضية الاتصالات مع سوريا أو حتى موضوع التهدئة مع الفلسطينيين. وقد يكون ذلك صحيحا بالمعنى المباشر للاتصالات أو الرسائل المتبادلة مع كل من سوريا ومصر ولكنه لا يغير شيئا من واقع أن هناك مشاكل وقضايا تتطلب حلا.
ومن المعلوم أن أولمرت كان من بين الصقور في إسرائيل الذين يرفضون كل تنازل ليس فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة وإنما أيضا في هضبة الجولان. ولكن التغيير الذي جرى عليه هو تغيير جرى أيضا على كل من كانوا يعتبرون «أمراء» في «حيروت» و«الليكود»، وهو تغيير يقر الكثير من الإسرائيليين أنه حتمي.
ويحاول أولمرت هذه المرة أيضاً الإيحاء بأن شيئا لم يتغير بالنسبة إليه في موقفه إزاء كل قضايا الفساد التي أثيرت بحقه. وربما أنه سينجح في ذلك بدرجة ما. ولكن أي نجاح له هذه المرة لن يعيده حتى إلى المكانة الدنيا التي كان فيها قبل افتضاح القضية الأخيرة لدى الجمهور الإسرائيلي. فهذا الجمهور، معبراً عنه بوسائل الإعلام، ضجر أكثر من أي وقت مضى من استمرار رئيس حكومة مشبوه في قيادته طوال هذا الوقت. وقد يكون للملف الجنائي للرئيس الإسرائيلي الأسبق موشيه كتساف دور في ذلك.
وإذا كان هذا هو ما يمكن أن يحدث في حال تبرئة أولمرت من التهم المنسوبة إليه فإن الحال أسوأ بما لا يقاس في حال تجريمه. والجميع في إسرائيل يفكرون اليوم بطريقة «الباب الذي تأتيك منه الريح سده واستريح». وهذا يعني أن العديد من القوى في إسرائيل بما في ذلك أعضاء «كاديما» سيفكرون في وجوب فعل شيء للخروج من المأزق.
وليس من المستبعد أن يتم التوافق على انتخابات مبكرة. ومع ذلك من الصعب تخيل حدوث تطورات مثيرة من هذا النوع قبل انتهاء الاحتفالات بالذكرى الـ 60 لقيام الدولة العبرية. فإسرائيل لا يمكنها التخلي عن فكرة احتفاء العالم بقيامها فقط لأن هناك من يريد فرض القانون على شخص واحد حتى لو كان رئيس حكومتها. بالإمكان فرض القانون أن يتأخر قليلاً.