ربما لم يكن فوز بوريس جونسون في انتخابات عمدة لندن مفاجئاً، في ضوء الاعتراض من الناخبين البريطانيين على حزب العمال الحاكم في الانتخابات المحلية الخميس الماضي. وجاء فوز مرشح حزب المحافظين اليميني المعارض بفارق ليس بالكبير عن مرشح حزب العمال والعمدة السابق كين لفنجستون، ذلك لأن لفنجستون حظي بأصوات عدد كبير من أصوات الجاليات من أصول غير بريطانية في لندن. اما جونسون، فقد كان المرشح المفضل في التصويت الثاني لمؤيدي الحزب القومي البريطاني المتطرف في يمينيته.

وقد حقق الحزب القومي، الذي يرفع شعارات أقرب للعنصرية ومعادية للمهاجرين عموماً، والآسيويين والمسلمين خصوصاً، انجازاً بفوزه بمقعد في مجلس لندن وحصوله على المرتبة الخامسة في انتخابات العمدة. وإذا كانت انتخابات المحليات في انجلترا وويلز أسفرت عن أكبر خسارة لحزب العمال، تعبيراً عن عزوف الجماهير عن حزب يسار الوسط بعد عقد من الزمن في السلطة فإنها تأتي في سياق توجه أوروبي عام على ما يبدو.

ذلك ان حزب العمال، الذي تخلى عن قدر من يساريته متجهاً نحو الوسطية السياسية في أواسط التسعينات، يكاد يكون استنفد كل مقومات التغيير بعد مدة طويلة في الحكم. ورغم ان رئيس الوزراء الحالي، غوردون براون، كان مهندس التحول إلى «العمال الجديد» ليصل إلى السلطة بزعامة توني بلير عام 1997 لكنه لم يحقق الكثير في الحكم منذ استلامه من بلير العام الماضي. وبدا ان العمال يحيدون عن الوسط، ربما نحو اليمين وقرباً من المحافظين الذين جددوا شبابهم بزعيم جديد هو ديفيد كاميرون الذي يوصف بأنه «بلير اليمين».

وتأتي تلك التحولات في بريطانيا بعد عام من تحول في فرنسا عبر وصول نيكولا ساركوزي إلى سدة الرئاسة الفرنسية بادئاً حقبة أكثر يمينية وقاضياً على آمال اليسار في السياسة الفرنسية. كذلك، قبل أسابيع، عاد رمز يمين الوسط الإيطالي سيلفيو برلسكوني إلى الحكم في ايطاليا بعد تجربة قصيرة من حكم يسار الوسط. وهذه المرة، فاز برلسكوني بأصوات اليمين المتشدد ممثلاً في حزب رابطة الشمال وغيره من قوى الفاشيين الجدد، أي مبتعداً عن الوسط نحو اليمين.

أما المفارقة ذات الدلالة المهمة فهي ان فوز عمدة يميني في لندن، ربما ببعض أصوات اليمين المتشدد، جاء بعد أيام من فوز عمدة يميني في روما للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وكان فوز جياني اليمانو، وهو من عتاة الفاشيين الجدد في ايطاليا، أخيراً قد قوبل باحتفال مؤيديه برفع الأيدي على طريقة أيام موسيليني هاتفين «دوتشي، دوتشي». وتعهد عمدة روما الجديد بطرد 20 ألف مهاجر من المحكومين من المدينة، في أول خطاب له بعد توليه منصبه.

ومع ان بوريس جونسون حاول في حملته الانتخابية التخفيف من حدة تصريحات سابقة كانت أقرب للتطرف والتعالي، إلا انه يظل ممثلاً لتيار لا يرحب بالمهاجرين. ولا يقتصر هذا التوجه على ايطاليا وفرنسا وبريطانيا، وإنما يتصاعد في دول أخرى من هولندا إلى السويد. وإذا كان توسيع الاتحاد الأوروبي زاد من حدة الهجرة إلى دول أوروبا الغربية من دول أوروبا الوسطى والشرقية، فان مشكلة المهاجرين من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية تظل بؤرة الاهتمام في المدن الكبرى كلندن وباريس وروما.

(بي بي سي)