مرة أخرى تجرب مصر اليوم نوعا جديدا من الاحتجاجات وهو الدعوة للإضراب عبر «الفيس بوك» احتجاجا على ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. وتتواكب هذه الدعوة مع عيد الميلاد الثمانين للرئيس حسني مبارك وبعد أقل من شهر على إضراب 6 أبريل الماضي الذي قاد الدعوة إليه فصيل سياسي جديد أطلق عليهم «نشطاء الفيس بوك» واستجاب لهم عمال شركة غزل المحلة الذين انفردوا بتحدي الاحتياطات الأمنية المكثفة التي اتخذتها الحكومة.

و أعلن منظمو الإضراب عن مطالبهم وهي: حد أدنى للأجور لكل فئة مع ربط الأجور بالأسعار، وإجراءات فوريه وإصدار تشريعات وقوانين يتم تطبيقها على الجميع لمكافحة الغلاء والتحكم في السوق ومنع الاحتكار، والإفراج عن معتقلي يوم 6 ابريل.

كما وطالبوا المشاركين في الإضراب البقاء في منازلهم مع تعليق لافته على باب منزله بمطالب الإضراب وتعليق علم مصر في البلكونات ورايات، مقاطعة شراء أي سلع في «اليوم ده» تحديدا، ومقاطعة الجرائد الحكومية التي وصفوها بأنها مضلله وكذلك مقاطعة الفضائيات غير المحايدة والتي تستجيب للضغوط وتذيع النشرات والإخبار القادمة من أمن الدولة وخاصة برامج «90 دقيقة» و«القاهرة اليوم». كما طالبوا المواطنين بالوقوف أمام منازلهم حاملين شارات سوداء.

وساهمت خدمة «الفيس بوك» في تنشيط النقاش السياسي، والمساعدة على تجميع أفراد حول قضايا ذات اهتمام مشترك. في حين دفعت الأزمة الاقتصادية العمال إلى التحرك للمطالبة بزيادة أجورهم لمواجهة غلاء الأسعار.و يمثل الشباب الذين تقدر نسبة البطالة بينهم بنحو 22% غالبية «نشطاء الفيس بوك». وشهد عام 2007 قرابة 700 احتجاج عمالي للمطالبة برفع الأجور.

ولاقت الدعوة الأولى للإضراب يوم 6 أبريل رواجا بسبب حالة التذمر الشعبي نتيجة لموجة الغلاء التي تشهدها البلاد وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه المصري. حيث سجل شهر مارس تضخما مقداره 15 في المئة. وقبل أيام من الإضراب أعلنت جماعة الإخوان المسلمين مشاركتها في الإضراب وهو ما أثار جدلا، فاتهم البعض الجماعة بالانتهازية، ورغبتها في امتطاء الغضب الشعبي. وكانت الجماعة قد رفضت المشاركة في إضراب السادس من إبريل وبرر عدد المراقبين تغير موقف الجماعة إلى إصدار المحكمة العسكرية أحكاما بالسجن ضد عدد من أعضاء الجماعة.

ومن المتوقع أن يشارك في الإضراب أحزاب الغد والكرامة والناصري والعمل وحركة كفاية وحركة 9 مارس مشاركتها في الإضراب، إلا أن هذه الأحزاب لا تتمتع بوزن شعبي وتأثير في الشارع، بما فيها حزبا التجمع والوفد اللذان أعلنا مقاطعة الإضراب بدعوى رفض المشاركة في إضراب لم يشاركا في تنظيمه ولا يعرفا الجهة المنظمة له ولا أهدافه.

وإذا كانت الاحتجاجات تجتاح العالم بسبب أزمة الغذاء فإن الوضع في مصر أسوأ، في بلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، ويعاني من احتقان سياسي. وكانت الحكومة استخدمت العنف لمنع الاحتجاجات يوم 6 أبريل وواجهت بالعنف عمال غزل المحلة، الذين انفردوا بتحدي السلطات الأمنية، ولقي ثلاثة أشخاص مصرعهم وأصيب قرابة 10 آخرين حين واجهت الشرطة المتظاهرين باستخدام الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسلية للدموع.

وقامت الأجهزة الأمنية بحملة اعتقالات واسعة في عقب 6 إبريل وأصدر وزير الداخلية أوامر اعتقال مباشر ضد عدد من النشطاء الذين أفرجت النيابة عنهم وهو الإجراء الذي لم تستخدمه الداخلية ضد نشطاء سياسيين مدنيين منذ عام 1981. إلا أن تحذيرات من انفجار غضب شعبي من جراء الغلاء دفعت نظام الرئيس حسني مبارك إلى اتخاذ عدد من الإجراءات الأخرى لنزع فتيل الغضب الشعبي أملا في إفشال الإضراب.

وتضمنت هذه الإجراءات إعلان الرئيس مبارك خلال خطابه بمناسبة عيد العمال الأسبوع الماضي عن زيادة العلاوة السنوية من 10 في المئة إلى 30 في المئة، من المنتظر أن تكلف الموازنة الجديدة نحو 12,5 مليارات جنيه مصري.

وقامت الحكومة بتكثيف جهودها لتوفير رغيف الخبز المدعم فئة 5 قروش والذي لم يزد سعره منذ 20 عاما واعتمدت الحكومة 4,5 مليارات جنيه إضافية لزيادة مخصصات دعم الخبز، إلى جانب إحكام الرقابة على المخابز وفصل إنتاج الخبز عن توزيعه، ومساهمة الجيش في إنتاج الخبز.

وقد أسفرت هذه الإجراءات عن توفير الخبز بعد فترة شهدت فيها البلاد سقوط قتلى ومصابين في طوابير الخبز. وأصدرت قرارا بإعفاء عدد من السلع الأساسية المستوردة، من بينها الأرز والسمن ومنتجات الألبان وزيت الطعام وحليب الأطفال من الرسوم الجمركية. وفي نفس الوقت وقف صادرات الأرز والأسمنت لمدة 6 أشهر.

(د.ب.أ)