يختلف اللبنانيون حول أمور كثيرة، وقد عودتهم الأحداث ومحطاتها المؤلمة على اللجوء إلى تسويات حول قضاياهم التي يختلفون عليها، وكثيرا ما صدرت دعوات عاقلة من أصوات سياسية وغير سياسية ومن مختلف الجهات، تدعو أطراف الخلاف اللبناني إلى الاتعاظ مما سبق، واللجوء إلى تسوية محلية، من دون المرور بحروب وصدامات، كانت نتيجتها دوما الوصول إلى مثل هذه التسويات. وشرط الوصول إلى هذه التسويات دائما وفي كل زمان ومكان، هو الحوار وتبادل التنازلات الممكنة، التي لا تلغي أحدا، ولا تسجل نصرا باهرا لأحد، في بلد أثبتت التجارب انه يبقى ويستمر في ظل شعار «لا غالب ولا مغلوب».
لذلك، بات اللبنانيون يدركون بحسهم وفطرتهم السياسية، ان الجدال في البديهيات، مثله مثل اختلاق أسباب الخلاف واصطناع العقد، هو الطريق إلى الفتنة والى تفجير الأوضاع الداخلية. ومن هنا يبدو مستغربا وصف البعض للحوار بأنه «سم في الدسم» إضافة إلى ارتباك بعض الأطراف السياسية تجاه الدعوات إلى الحوار الوطني.
وبرأي أستاذ العلوم الاجتماعية د. طلال عتريسي أن الحوار الذي هو صفة إنسانية، هو الوسيلة الأساسية لهذا العيش مع الآخر، وللتعبير عن حاجات الإنسان ومخاوفه. لكن ما يحصل في لبنان هو أزمة في فهم طبيعة العيش المشترك بين أفراده، هل هي حاجة متبادلة، أم أن هناك من يستطيع أن يستغني عن الآخر؟
يضيف: هذه الخلفية هي التي تجعل الحوار موضع تساؤل وشكوك، وصولا إلى الرفض، لان فكرة الحوار تحولت إلى فكرة مخيفة.
وبالتالي فان رفض الحوار كأنه يستبطن رفضا للتفاهم مع الآخر، ورفضا للشراكة معه في العيش والحياة، لان أي خلاف إنساني واجتماعي يبدأ حلّه بالحوار.
أما عندما يستمر انقطاع الحوار، يرى عتريسي أن ذلك يستتبع تصعيدا وتحريضا متبادلين، لان كل طرف يرغب في إثبات انه صاحب الحق، وفي كسر إرادة الطرف الآخر ليصل في أقصى حالاته إلى إعلان الحرب.. في حين يرى المحامي زياد بارود أن مقاربة مسألة الحوار تكتسب في لبنان أهمية خاصة، فلبنان في تركيبته السياسية والاجتماعية هو مجتمع تعددي ومتنوع.
وكما في كل مجتمع تعددي، لا بد من آليات لفض النزاعات وإرساء حالة من القبول المتبادل بالآخر، ويتم ذلك عادة اما من خلال الأحكام الدستورية التي غالبا ما تنطوي على آليات من هذا النوع، أو من خلال أدبيات معينة ترسي أصولاً وعادات وتقاليد قد تكون بقوة الدستور وأحكامه.
وفي هذا الإطار يحتل الحوار مساحة مميزة بين اللبنانيين، من خلال هذا التقليد الذي عرفه لبنان منذ نشأة الكيان، باللجوء والركون إلى محاولات التوفيق بين المختلفين في الرأي بالحد الأدنى، والمتنازعين في الحد الأقصى، التي غالبا ما كانت افعل من أي نص جامد.
ويؤكد بارود ان الحوار في لبنان يرتبط بسؤال حول الخيار الآخر. ماذا إذا لم يذهب اللبنانيون إلى الحوار؟ وهل هو فعلا خيار يمكن التغاضي عنه؟ أو انه الخيار الأوحد، وما هو البديل؟ ويجيب: الخيار البديل هو النزاع والصراع خارج أي إطار دستوري لحل النزاع.
ويشدد بارود على ان الجلوس حول طاولة مستديرة والتحاور أفضل دائما من الوقوف بصورة متقابلة والتراشق، مهما تكن نتائج هذا الحوار، وان اللبنانيين يخلطون بين التفاوض والحوار، فمسألة الشروط تنتمي إلى التفاوض أكثر منه إلى الحوار.
والحوار هو المبدأ وهو الإطار الواسع، أما التفاوض فهو من آليات الحوار. ويقول: انا افهم ان يشهد التفاوض شروطا وشروطا مضادة، لكن الأهم أن يتم الحوار. وينبه إلى أن رفض الحوار هو قراءة مغلوطة للتجارب السابقة في البلد، وقراءة خاطئة لتاريخ البلد. وأن الحوار حتى لو لم ينتج حلا مثلما حدث للقاءات «سان كلو» خلال الصيف الماضي.
ينشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية
بيروت ـ عدنان الساحلي