تناشد مبان ومنازل ومستوصفات في شارع في وسط بغداد، أهلها العودة بعدما كانت تنبض بالحياة قبل اجتياح العراق العام 2003.

ففي شارع السعدون، أقدم شوارع بغداد، وعند ساحة النصر، تنتصب مبان كان عشرات الأطباء العراقيين المعروفين يتخذون من طوابقها عيادات لهم ويستقبلون مئات المرضى يوميا من جميع أنحاء العراق ودول الجوار.

ويجلس حسين عبد الحسين (65 عاما) أمام بناية «الجنابي» المؤلفة من خمسة طوابق، احد المباني التي طالما كانت تبعث أملاً بالحياة لمرضى عراقيين وعرب، منحني الظهر، يتفقد بالكاد من هم على مقربة منه، ويراقب من على كرسيه الحديدي الداخلين والخارجين من البناية التي يتولى حراستها وتنظيفها مرتين في الأسبوع.

ويقول حسين الذي يسكن في قبو البناية مع زوجته واثنين من ابنائه، ان «مئات من النساء والرجال والأطفال كانوا يأتون كل يوم إلى هنا لزيارة الأطباء». ويضيف «كنا نصرخ بين وقت وآخر لنحذر الناس من لصوص قد يندسون بين المرضى».

ويتابع الرجل الذي يرتدي ملابس متواضعة جدا «الآن، أغلق معظم الأطباء عياداتهم ورحلوا عن المكان، ولم يبق سوى سبعة منهم من أصل أكثر من ثلاثين»، لافتا إلى ان «معظم هؤلاء يستقرون في الطابق الأول من المبنى».

في شارع السعدون ووسط ساحة النصر، كانت عيادات الأطباء والصيدليات تشكل المقصد الأول لكل من يطلب الشفاء من مرض ما أو يحتاج إلى دواء، ويقول طبيب الأسنان مروان بهجت (47 عاما) جالسا مع زوجته واحد أبنائه في عيادته في الطابق الرابع حيث يعمل منذ ثمانية أعوام في انتظار أي مريض، «يزورني مريضان أو ثلاثة في اليوم بعدما كانت عيادتي تضيق بالمرضى الذين يأتون من مختلف محافظات العراق ولا يقل عددهم عن عشرة أشخاص يوميا».

ويضيف بهجت الذي أمضى 22 عاما في المكان نفسه، «صرت أغلق عيادتي عند الرابعة بعد الظهر في حين كنت أبقى حتى العاشرة مساء قبل 2003». ورغم ذلك، يؤكد بهجت الذي درس الطب في جامعة بغداد انه لا يفكر في الرحيل عن العراق «لأنه بلدي».

يبدو الطابق الرابع الذي غطى الغبار معظم أركانه مقفرا وحزينا بعدما أغلقت كل العيادات أبوابها باستثناء عيادة بهجت، وتدلت الأسلاك من سقوف الممرات.

بدوره، قال الطبيب زيد الصفار (47 عاما) الاختصاصي بجراحة التجميل وهو يتصفح كتبه في عيادة خلت تماما من المرضى، ان أعداد هؤلاء «تراجعت في شكل كبير خلال الأعوام الماضية». ويضيف «يزورنا الآن عدد قليل جدا بعدما كانوا يأتون بالعشرات».