يرتبط نشاط المهن والصناعات التراثية القديمة التي لاتزال منتشرة في أسواق مدينة طرابلس بعاملين أساسيين: الأول، هو عامل الحاجة الناتج عن الأوضاع المعيشية والاجتماعية المتردية والتي تدفع بالكثير من المواطنين في المناطق الشعبية للجوء إلى أصحاب هذه المهن، لإصلاح ما أفسده الدهر، لعدم قدرتهم على شراء كل ما هو جديد.
والثاني يمكن وصفه بالتراثي السياحي وهو عامل يتعلق بمهنة أو اثنتين على صعيد صناعة الأواني النحاسية والتذكارات الخشبية المختلفة التي لا تعرض في الواجهات لأبناء المدينة، بل تحضّر للسواح والمغتربين الذين يتوقون للاحتفاظ بمثل هذه المقتنيات التراثية.
وما بين الحاجة والتراث يبقى الإهمال الصفة الملازمة لكل هذه المهن التي اندثر بعضها، ويتجه بعضها الآخر لسلوك ذات الطريق، وذلك نتيجة انعدام الاهتمام وعدم توفير بعض الدعم للعناية بها وتأمين مقومات صمودها. فبغض النظر عن ما تحققه من مردود لأصحابها، تساهم هذه الصناعات في تحويل أسواق طرابلس إلى متحف حي، تتناغم فيه هذه المهن مع محيطها من المعالم الأثرية التي تخضع حاليا للترميم عبر مشاريع دولية ومحلية مختلفة. وهي مهددة بالاختفاء إذا ما توقف أربابها عن ممارستها.
النحاس، والمنجد، والمبيض، والكندرجي، والخياط، والنجار العربي، والبوابيري، والصابونجي، وقشاش الكراسي والسلل، وغيرهم يمتهنون صناعات لايزال لها «مرقد عنزة» في أسواق طرابلس القديمة، ولاتزال تشهد بعض النشاط كل منها حسب ارتباطها بالوضع المعيشي المتردي وحاجة المواطنين لها.
في هذا الإطار يشير أكثرية أصحاب هذه المهن أنه طالما أن هناك طبقات فقيرة، ستبقى هذه المهن ناشطة، وسيبقى الفقير يأتي لإصلاح بابور الكاز والألبسة والأحذية، وسيلجأ إلى «المبيض»، لتبييض الطناجر كونه غير قادر على شراء الجديد. كما يلفتون إلى انه في حال تحسنت الأحوال وتم الاستغناء عن هذه المهن، سيتوقفون عن ممارستها وستتجه هذه المهن نحو الاندثار النهائي.
لكن هؤلاء لا يخفون تعلقهم الكبير بصناعاتهم التي يعملون بها منذ عقود أو ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، داعين وزارتي الثقافة والسياحة إلى الاهتمام بهم، والعمل على تحويل محلاتهم إلى متاحف للحفاظ على هذه المهن وترويجها ضمن النشاط السياحي.
* ينشر هذا الموضوع بترتيب خاص مع صحيفة «السفير» اللبنانية
طرابلس ـ غسان ريفي
