«الواحد كرمال يلاقي بيت يضبه، يعمل كناطور». تلك هي رؤية علي من الجنسية السودانية لعمله كحارس بناية في حارة حريك. يكره علي (26 عاماً) تلك المهنة لأنه خدع. ممن؟ لبنان. لماذا؟ لأنه سمع من أصحابه أن هذا البلد هو جنة تستقطب العرب للعمل فيه. عمل علي بنصيحة الأصدقاء وتوج بخيبة أمل كبيرة: «بلد وضعه خربان، أشعر بالندم لأنني لجأت للعمل فيه».

ست سنوات مرت حتى الساعة على علي الذي جاء بهدف العمل ضمن دوام، فلم يجد في انتظاره سوى مهنة حراسة البناية. رغم ذلك، استسلم للواقع الذي فرض عليه، على اعتبار أن «العمل ليس عيباً». تزوج من اثيوبية. والسبب؟ «حبّيتها.. شو بعمل؟»، كما يقول، وهي تعمل في صالون حلاقة للسيدات.

لم يخف يوماً، رغم انتشار الإشاعات عن وجود جواسيس سودانيين للعدو الإسرائيلي خلال حرب يونيو الأخيرة على لبنان: «لم أخف لأنني واثق من عملي ونفسيتي». يحاول استيعاب الأوضاع الراهنة في البلد. يفشل كلما حاول فك هذا اللغز، فهو يرى البلد سائباً.

يعرب عن انزعاجه من معاملة اللبنانيين له: «حرام عليهم يهزأوا مني لأني أسود البشرة، ويسمعونني كلاماً سيئاً كلما خرجت إلى الطريق. أفضّل تجنبهم لأنهم يريدون خلق إشكال معي».

يتقاضى علي مبلغ 250 دولاراً كراتب شهري. يصف مهنته ب«التافهة». وكان قد عمل في شركة بدوام براتب خجول. غادرها بعدما اضطر أخذ مكان ابن خالته الذي يعمل كحارس بناية. كرّت السبحة مع علي الذي التزم تلك المهنة. لم يكن بوسعه تحمّل مهنته في البداية. يعود السبب في كثافة طلبات السكان الذين «لا يرحموني لا صبح ولا ليل».

برأيه، يجب أن يقتصر عمله على رمي النفايات، غسيل الدرج، وحراسة البناية. يرفض فكرة العمل على طريقة « شخدلي هيدا الغرض وجبلي هيدا الغرض»، نزولاً عند رغبة سكان البناية. أكثر ما يزعجه في عمله هو طلبات ربّات المنزل التي لا تنتهي: «لا أحد يفهم أن هناك دواماً قد انتهى وحان وقت الراحة».

يفكر جدياً بالعودة إلى بلده الأم. من هناك سيتوجه إلى أوروبا: « في تلك القارة، سأجد من يحترم عرقي، ويحفظ حقوقي كعامل ولا يهينني، ويعاملني بشكل أفضل».

يضحك حين نسأله عن مشاريعه في عيد العمال: «عادةً، يحتفل كل إنسان مع أصدقائه في أي عيد كان. إلا أن عملي لا يتيح لي الفرصة كي أعدّ الأيام للتعرّف على الأعياد فيها». يطلق صرخة باسم العمال «أمثالي»: شمن الواجب تكريمي في هذه المناسبة. لكنهم لا يعطون قيمة لهذا العامل الذي يخدمهم ويحرس منازلهم».

®.وعبد الله ينشد الحرية

«عبد الله. يا عبد الله. وينك يا عبد الله». موال لا يكف عن ترداده «انترفون» إحدى البنايات. الموال الذي تحول إلى كابوس في حياة عبد الله من الجنسية السورية.

بالنسبة إليه، «عيد العمال» هو مناسبة تمر عليه مرور الكرام. لم يعترف يوماً بالعيد. السبب بسيط: «لما يصير معي مصاري، بيحق لي عيّد، الآن ممنوع عّيد». رغم ذلك، يتمنى الاحتفال يوماً ما بهذا العيد.

يتقاضى عبد الله مبلغ 500 ألف شهرياً. يتقاسمه مع العائلة المؤلفة من ثلاثة أولاد وزوجة، بالإضافة إلى والديه.

لم يوفق عبد الله في الدراسة أيام شبابه. هجرها وأتى إلى لبنان في العام 1992 ليعمل: «ناطور، أحسن من العمل في مجال البناء».

لكنه يكره مهنته كحارس للبناية. يعتبرها متعبة جداً، خصوصاً أنها تسبب له المرض في ظهره. أكثر ما يزعجه أيضاً هو إرساله لجلب أغراض للمنزل: «أريد سبباً يجبرني على تلبية حاجات ستات البيوت المنزلية بينما يجتمعن كل صباح على النميمة. لا يدعنني وشأني، حتى أثناء قيامي بتنظيف الدرج، يردن مني ترك عملي لإحضار غرض ما».

تراكمت هذه الأمور على عبد الله الذي زاد كرهه للمهنة، متمنياً تركها: «لكني لا أستطيع التوقف عن العمل. أنا أربعيني، ولا أحد يوظفني بهذا العمر». يعتبر عبد الله أن من حقوق أي عامل أن يتمتع بضمان وتأمين على حياته. ضمانه حالياً هو تعاطف بعض الجيران معه فيتكفلون بالمصاريف في حال إصابته بالمرض.

يشكو عبد الله من غلاء البلد. يمارس سياسة التقشف ويعتمد على سكان البناية لتحضير الطعام له. يؤكد عدم خوفه من الأوضاع الراهنة: «حتى بعد انسحاب الجيش السوري، أعيش بسلام طالما أنني لا أتدخل بأحد». يحب الشعب اللبناني. لكنه ينزعج من بعض «الزعران» على الطرقات الذين «يشتمون السوري».

لعبد الله بعض الأمنيات. أفصح عنها لمناسبة عيد العمال، «وإذا تحققت فبإمكاني الاحتفال بهذا العيد». تتلخص أمنياته ب: «أن يدعني الشباب الزعران في شوارع بيروت وشأني. أن يتحسن وضعي كعامل. أن أمتلك وظيفة حرة وأعود إلى بلدي. أن أتمتع بالحرية لأني أعتبر نفسي سجيناً».

بيروت ـ زينة ناطور