تشتعل القاهرة بما يفوق طاقة أهلها على التحمّل، فيبشّرهم شهر «أمشير»، وهو شهر قبطي يمتد بين مارس وابريل ببوادر صيف أقسى.

ارتفع صوت سعاد حسني من التلفزيون تغني: «الدنيا ربيع والجو بديع»®. فضحك جميع الجالسين. في الماضي، كان بث التلفزيون لهذه الأغنية يعلن وصول الربيع عن حق. وفي مصر، يُحتفل بالربيع يوم «شم النسيم».

يعرفه المصريون قبل آلاف السنين وبقيت العادات نفسها لم تتغير: مع شروق الشمس يكون الجميع في الحدائق، يتناولون «الفسيخ» (السمك المخزون في الملح لمدة سنة على الأقل)، والبصل، والبيض المسلوق الملون، والخس. وكان الفراعنة يستقبلون شروق الشمس عند سفح الأهرامات، إذ تنعكس في هذا اليوم تحديداً أشعة الشمس لتلقي بظلال أضلع الهرم الأكبر، لتتطابق مع الاتجاهات الجغرافية الأربعة للكرة الأرضية، وتعلن ميلاد الربيع في مصر، لا قبله ولا بعده!

لكن هذا العام شهد ارتفاعا مخيفا في درجات الحرارة! فلقد تجاوزت القاهرة الربيع وهبطت مباشرة في قلب الصيف، موجات حارة متلاحقة، ومؤشر الحكومة يعلن ـ في صحفها الرسمية ـ أن درجة الحرارة ثابتة عند 32 درجة. أذاع الراديو أن درجة الحرارة في القاهرة 42، ثم بعد ساعة واحدة عاد ليعلنها 32، 10 درجات أقل!

يأتي الربيع فلا تفرح قلوب المصريين. زمان، كانوا يقولون إن الصيف «سترة»، وأن «ملاءته» واسعة، فالصيف يحب الفقراء: ملابس قليلة، لا أغطية، ولا شهية مفتوحة على الطعام.

الآن، تخلى الصيف عن «ستره». ففي يوم واحد، صحا سكان القاهرة على كارثة انفجار محول كهربائي في إحدى أهم محطات مترو الأنفاق، وانفجار آخر لمحول كهربائي في نفق الأزهر، أحد أهم أنفاق العاصمة! كارثتان.. كل منهما كفيلة بشل العاصمة، لكنهما - ولحظ المصريين - وقعتا في اليوم نفسه، في الساعة نفسها، في يوم شهد ذروة إحدى الموجات الحارة، ليتركا المصريين مع بؤسهم، لا يرغبون في سماع «الدنيا ربيع.. والجو بديع».

قدّر الخبراء خسائر الكارثة المرورية بحوالي 250 مليون جنيه ـ نصيب هذا اليوم من النشاط الاقتصادي في القاهرة! وطالب آخرون بضرورة توفير مولدات كهربائية احتياطية لاستخدامها في حالات الطوارئ، تكلفتها لن تزيد على 100 مليون جنيه: أي أقل من نصف خسائر يوم واحد يتعطل فيه المرور.

ولم تقف القصة عند هذا الحد.

هناك في «أمشير» 10 أيامٍ يستعيرها الشهر من الصيف، جاءت الأيام هذا العام بلا رحمة. في أسبوعٍ واحد، اشتعلت الحرائق في القاهرة.. والفاعل يبدو مجهولاً. يقولون في الريف والأحياء الشعبية إن الحريق الذي يبدو بلا فاعل هو من فعل «العفاريت» (الأشباح)، ويكاد كل فرد يجزم بأنه رأى الشبح يختال وسط النيران.

أشباح القاهرة هي سوء البنية التحتية. فبمجرد ارتفاع درجة الحرارة، عادت أعطال السيارات تفرض نفسها بجنون، سيارات الأجرة القديمة المتهالكة تلك، التي لن يفلح معها عزم الحكومة عدم تجديد التراخيص لموديلات ما قبل العام 1980. ولو ذهبت في مشوار واحد، وقررت أن تسلك كوبري 6 أكتوبر مثلاً (أحد أهم محاور القاهرة)، فمن العادي أن تصطدم بثلاثة أعطال، كمتوسط أعطال، وتخيّل ما يمكن أن يفعله هذا في كوبري هو محور رئيسي في منتصف نهار القاهرة!

بدأت الشرارة الأولى في «سوق الحمزاوي» الذي يقع في منطقة الأزهر، الواقعة بدورها في وسط القاهرة، وهي منطقة تجارية شديدة الأهمية.. والازدحام. ورث سكانها وتجارها وجودهم فيها من أجيال أبعد من أن تحصى، هم «ولاد البلد» الحقيقيين: قاهريين حتى النخاع، بلا مكان آخر ينتمون إليه على أرض المحروسة.

الحريق المؤلم دمّر أربعين محلاً ومخزناً، وثلاثة منازل، ولم تفلح مياه عشرين سيارة إطفاء في تلافي الضرر: فالشوارع أضيق من أن تسمح بمرور السيارات!

فرح مسؤولو الثقافة لأن الآثار الإسلامية لم تصب بضرر، فالمنطقة أشبه بمتحف مفتوح للتاريخ الإسلامي، هل يجب إخلاؤها لتكون معلماً سياحياً؟ وكيف سيتم التعويض على سكانها؟ الشيء الوحيد المؤكد هو أن الكارثة آتية لا محالة، فالبشر يتكاثرون، والبنية التحتية لم تعد تحتمل، والحر بدأ يكشّر عن أنيابه.

الفاعل دائماً هو ماس كهربائي، أو عقب سيجارة، يمتد ليشعل الحرائق في سوق للخضار في منطقة باب اللوق، ثم في «بدروم» (مخزن) دار القضاء العالي حيث أوراق أهم الدعاوى القضائية! وبعدها، يصل إلى مركز «بلينا» في منطقة الدلتا، ثم «قنا» في صعيد مصر!

10 أيام استدانها «أمشير» من الصيف وأشعلت القاهرة. فماذا يفعل أهلها حين«يهل» الصيف شخصياً عليهم؟!

القاهرة ـ فاطمة خير