«فيهم وبلاهم مثل بعضه»، يقول ابن الثانية والعشرين، متهكماً، عندما يتحدث عن عينيه المطفأتين. ظل أحمد مرتضى يرى الملامح حتى بلغ الخامسة من العمر حين فقد بصره بسبب ضعف في ضغط العينين. ابن بعلبك، الوافد من القرية إلى المدينة، موسيقي بامتياز، يجيد العزف على أكثر من 10 آلات موسيقية. هو فنان بالفطرة وبالتنشئة وبالهواية. لهذا الموضوع قصة ما زال والده يرويها إلى اليوم. كان يبلغ العام والنصف من العمر عندما مرت إحدى الفرق الكشفية عازفة موسيقاها، على إيقاعات معينة، من أمام منزل العائلة في بعلبك. التقط الطفل الصغير الإيقاعات وبدأ بطرقها على الطاولة في المنزل. يومها، استبشر الوالد خيراً.
ستكون الطبلة المصنوعة من الفخار أولى الهدايا التي سينالها أحمد، وستليها ثانية من البلاستيك وثالثة من الجلد. البداية إذاً مع الآلات الإيقاعية. التعرّف على الآلة الموسيقية يبدأ عن طريق الاستكشاف في المرحلة الأولى، ورويداً رويداً تتدرج المعرفة فيها والمثابرة عليها إلى أن تصل إلى رتبة إتقان العزف. من بين الآلات التي يجيد العزف عليها، هناك الكمان، الغيتار، البيانو، الأورغ الكهربائي، الأكورديون، الدف، الطبلة، الكاتم، الفلوت، والدرامز. يريد أن يكون جاهزاً لأية آلة يُطلب للعزف عليها، وهو متمسك بحلم العزف مع فرقة محترفة في يوم ما.
الوقتان المفضلان للعزف هما الأكثر هدوءاً، الصباح الباكر وآخر الليل. في الصيف، يحب صرصور الليل وعريره الذي يتناغم مع أذنيه. تصبح هناك علاقة ورابط، فيها شيء من الموسيقى، بين الحشرة الليلية وبين حواس الشاب.
في غرفة الموسيقى في «مؤسسة الهادي» التابعة لجمعية المبرّات»، يتناول أحمد الكمان ليعزف «قلبي سعيد وياك يا حبيبي». هو حاضر في كل الحفلات الموسيقية التي ينظمها المعهد. بعد قليل، سيتناول الغيتار ل«يدوزنه» ويلعب مقطوعات مختلفة مثل «انت عمري» و«أهواك» و«نار يا حبيبي نار» وبعض الألحان الفرنسية، ثم إلى البيانو ليعزف «فقدتك» للفنان حسين الجسمي، فعودة إلى الكمان. العودة دائمة إلى الكمان لأنه مصدر إبداعه سواء في الألحان الشرقية أو الغربية.
وقد شبّه هذه الآلة بشريكته وصديقته وحبيبة قلبه والشخص الذي يشكو له، في الأزمات. غير أن الآلة ليست الصديقة الوحيدة في حياته. لأحمد صديقة، وهو في حالة إعجاب وليس حب، لكننا لن نتحدث أكثر عنها لأن هذا الموضوع من الخصوصيات، ولكي يبقى الموضوع «ما بين الأصدقاء المقربين فقط».
مع سائقي الفانات
يمضي أحمد أيام الأسبوع من الإثنين إلى الخميس في «مؤسسة الهادي» ويعود إلى بعلبك في بقية الأيام. يدرس الكومبيوتر إلى جانب الموسيقى، بهدف الحصول على شهادة ال« آي سي دي ال» في الكومبيوتر، وهي شهادة دولية تمنحها الأونيسكو.
يأخذ الفان من منطقة المشرّفية أو السفارة الكويتية إلى بعلبك. يعرف معظم السائقين من أصواتهم التي تصل «ملعلعة» إلى أذنيه. ذات مرة، شك بأحدهم فسأله: «الست من عائلة فلان؟». انبهت السائق وأجابه: «شو عرفك؟»س. عندما التقاه في المرة الثانية قال له مباشرة، ومن دون مقدمات: كيفك يا فلان؟». وعلى الرغم من اللقاءين السابقين، لم يتذكره السائق: «لا ألومه. كثيرون يصعدون معه يومياً. كيف سيتذكر الجميع؟».
قد ينسى السائق، لكن أحمد لا ينسى الأصوات.
في الحمام
لا يحمل عصا المكفوفين على الرغم من أنه خضع لدورة تدريبية عليها. موضوع العصا يشعره بنوع من الخجل وبإحساس الناس بالشفقة تجاهه ويسبب له الإزعاج. برأيه، ما زالت هناك الكثير من العقليات المتخلفة التي تحتاج إلى التطوير. لكنه يعود ليؤكد أنه سيستخدمها عند الحاجة. يستغرب الكثير من أسئلة الناس السخيفة الخاصة بالمكفوفين، والتي تبين عن جهل واضح. سأله أحدهم مرة: «كيف تستحم؟». لكنه وبلباقة مغلفة بشيء من السخرية قلب السؤال فوراً على سائله وقال له ما معناه: «أنت عندما تدخل الحمام لتستحم تغمض عينيك عند استعمال الشامبو حتى لا تتحرحران. أنا أستحم بنفس الطريقة!».
«أبو وديع»
عزف في إحدى المرات مع المطرب أيمن زبيب وهو مغرم ب«ابو وديع» (جورج وسوف) ويجيد عزف معظم أغانيه. يستطيع أن يسمي أغاني كاسيتات وسوف بالتدريج وقد استطاع أن يحصل على أغنيتين مهربتين من ألبومه الأخير، قبل أن ينزل إلى الأسواق.
ذات مرة، في ختام إحدى الحفلات، التقى وسوف شخصياً فسلّم عليه ملياً وضمه إلى صدره. قال له: إنه تضايق عليه كثيراً بعد خضوعه لعملية جراحية في الولايات المتحدة وتمنى لو كان يستطيع أن يكون معه في ذلك الموقف. هذه الكلمات تركت أثراً كبيراً بوسوف. في لحظتها، طلب منه المرافق الشخصي الابتعاد قليلاً لأن وسوف تأثر بهذه اللفتة، وهو تفهم هذا «لأنه مطرب حساس جداً». وفي تلك المقابلة أيضاً، عرض وسوف خدماته عليه إلا أنه أبى أن يطلب منه العمل معه في فرقته، على الرغم من حلمه بهذا. لا يريد للمطرب الشهير أن يظن أن محبته له هي محبة مقابل غاية. محبته له مجرّدة من أي مصلحة.
بيروت ـ يوسف حاج علي
