يحتفل المصريون هذه الأيام بالذكرى السادسة والعشرين لتحرير شبه جزيرة سيناء من دنس الاحتلال الاسرائيلي كنتيجة طبيعية لانتصار اكتوبر العام 1973 وان شوّش على وهج الانتصار شروط معاهدة السلام مع العدو الصهيوني والتي قيدت الى حين الوجود العسكري المصري فى قطعة غالية من ارض الوطن.

وهو ما تنبه إليه كثيرون وعملوا على سد ثغراته بالتعمير وجعل الكثافة السكانية والمجتمعات الجديدة حائط صد وخط دفاع اول ضد اى محاولة إسرائيلية لاقتحامها او اعادة احتلالها. لكن هذا لاينفي ان هناك مشاكل كثيرة وعقبات تعترض طريق دمج شبه جزيرة سيناء فى الوطن الأم وجعلها واحة عمرانية وقلعة صناعية وضخ عوائد التنمية لصالح اهلها ومعظمهم من البدو الذين يدفعون ثمن الاعباء الامنية عقب تسلل عناصر ارهابية نفذت عمليات لضرب السياحة فى المنطقة. «البيان» طرحت سؤال غياب سيناء عن اجندة الحكومات المصرية المتعاقبة ولماذا لم يتم حتى الآن اكتمال تعمير سيناء؟ وماهي الرؤى المطروحة لتحقيق ذلك؟ ومتى تنفذ؟.

البداية كانت مع عضو مجلس الشعب المصري (البرلمان) فايز أبوحرب والذي قال إن «التعمير لايزال بطيئا لأسباب عدة في مقدمتها تباطؤ مشاريع الدولة الخاصة بتقديم الخدمات والمرافق لكافة مناطق سيناء». أما العامل الآخر الذى لايزال يعرقل عملية التنمية بسيناء فهو كما يؤكد حرب يعود لقلة الإستثمارات نتيجة لعدة أسباب على رأسها العامل الأمنى كالتوتر الموجود على الحدود بفعل وجود العدو الإسرائيلى على الجانب الآخر من الحدود وما يمارسه من سياسات تعسفية ضد أبناء الشعب الفلسطينى من حصار وتجويع وقتل وتدمير.

ويرى النائب أبوحرب، وأحد أبناء قبيلة الرايشات، أن تمليك الأراضي للمستثمرين هو الوصفة الناجعة والأساسية لعلاج قضية التعمير فى سيناء فهي ستعطيهم حافزا تشجيعيا على بدء مشروعات جديدة بدلا من سياسة حق الانتفاع المطبقة حاليا والتي لا تعطى دافعا للاستقرار لدى هؤلاء ولدى أبناء سيناء أيضا فهؤلاء مع التملك سيعملون على الاستقرار فى أراضيهم والتحول من العمل التجاري المتنقل إلى الزراعة المستقرة، كما أن القرار سيخلق فرص لإقامة مدن ومجتمعات عمرانية جديدة.

وتطالب أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية د. عزة كريم باتخاذ عدد من الآليات التي تهدف لكسر حالة العزلة التي فرضها العامل الجغرافي وذلك لبعدها عن باقي المحافظات اضافة للعامل الزمني على أبناء سيناء من الوقوع لفترة ليست قليلة تحت الإحتلال الإسرائيلي وما تلاه من توجيه البعض لهم دون وجه حق لإتهامات التخوين والتعامل مع العدو واستمرار مثل تلك الأقاويل حتى الوقت الراهن.

ويأتى فى مقدمة تلك الاليات إيجاد شبكة مواصلات شاملة تصل سيناء بكافة أنحاء الجمهورية وإيجاد شبكة أخرى من التواصل الحضاري والثقافي والإعلامي والإنساني مع أبناء سيناء بالإهتمام بتراثهم وثقافتهم واحترام عاداتهم وتقاليدهم.

مشروع قومي

يرى الرئيس السابق لمركز دراسات الشرق الأوسط والمحلل السياسى د. عمار علي حسن أن سيناء رغم مابها من نهضة سياحية كبيرة ومزدهرة ومدن كبيرة كشرم الشيخ ورأس سدر إلا أنها تحتاج إلى مشروع أو خطة قومية إستراتيجية متكاملة للتنمية، مشددا على ضرورة التفكير فى إقامة مشروع قومى يهدف لتوطين ما لايقل عن خمسة ملايين مواطن فى شبه الجزيرة الساحرة وذلك عبر اقامة شريط من المدن العمرانية من رفح شمالا إلى طابا جنوبا وتحديدا بأتجاه حدودنا مع العدو الإسرائيلى وذلك حتى لا تكون سيناء لقمة سائغة فى فم الأخير إذا ما اندلعت نيران الحرب مجدداً.

ويؤكد حسن على أن المواطنين سيكونون هم خط الدفاع القومي الأول فى تلك الحالة، لافتا إلى أن ايجاد تلك الخطة الخاصة بالتوطين هو الحل الأساسي والتعويضي والمساعد فى الوقت نفسه فى قضية قلة الإستثمارات والتنمية فى سيناء لأن وجود تلك الكثافة تعنى وجود مرافق يمكن للإستثمار الإستفادة منها ويعنى أيضا وجود مراكز وفرص للتسويق ويعنى أيضا توفر العمالة المدربة والتقنية وتعنى وفى المقام الأول الشعور بتوافرالآمان فى المنطقة.

ويرجع د. عمار علي حسن العوائق والعراقيل فى نمو باقى المدن فى سيناء الى الفشل فى دمج المواطن السيناوى خاصة البدو مع وطنه الأم. ويرصد أن الأمن المصري قد أرتكب أخطاء جسيمة فى حق البدو أهل سيناء بدءا من الاعتقال العشوائي للوصول لمرتكبى تلك الأحداث الإرهابية حينذاك واحتجاز النساء رهائن ليسلم المطلوبون من الرجال أنفسهم بالمخالفة والانتهاك الشديد لتقاليد وعادات السيناوية.

ونفى صحة مايتردد عن أكبر نسبة من الشباب المصرى المتزوج من إسرائيليات هو من سيناء بحكم سهولة التسلل والسفر أو الاختلاط بهن فى الافواج السياحية، مشيرا الى تمسك شباب البدو بتقاليدهم وعاداتهم والتي تقضى بالزواج من نفس القبيلة بل ونفس فرع العائلة بها من أبناء العمومة.. في حين تحتل محافظة الدقهلية فى الدلتا المرتبة الأولى من نسبة الشباب المصرى المتزوج من اسرائيليات وبالأدق من عرب 48 وعددهم تقريبا 16 ألف شاب مصرى.

أحلام ومشاريع مؤجلة

وبالمثل يرى أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز الدراسات والبحوث السياسية والإستراتيجية في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة د. عبدالمنعم المشاط أنه لم يتم حتى الآن وضع خطة للإستفادة من سيناء وتنميتها على كل الجوانب فلم توضع مثلا خطة لاستصلاح الأراضى لزراعة الفاكهة تحديدا وذلك رغم ماهو معروف من أن مستوى المياه الجوفية مرتفع فى بعض المناطق ويسمح بوجد تلك الزراعة.

كما لم تنفذ افكار العديد من المشروعات الإقتصادية التى كانت مطروحة وتتلاءم مع ماهو موجود فى سيناء من موراد وثروات معدنية وجبال كمصانع كبرى للزجاج وأخرى للأسمنت، وثالثة للمنسوجات البدوية التى كان يمكن تصديرها لكافة دول العالم لشهرتها الواسعة.

ويقول المشاط إنه «حتى على المستوى العلمى لم يفكر أحد فى إقامة مراكز بحوث علمية كبيرة بالتنسيق مع كبرى الجامعات والمعاهد الدولية، بل أنه حتى لم يفكر أحد فى إنشاء مدينة ترفيهية لخدمة السياحة الداخلية والخارجية أو مدينة جديدة للإنتاج الإعلامي.

تحذير من توطين

ويحذر المشاط من استمرار تلك الحالة من الإنعزالية لأهل سيناء واستمرار تباطؤ التنمية بها خاصة فى ظل التحديات الإقليمية التى تواجه المنطقة، منوها بأحداث شهر يناير الماضى من اقتحام أهالى قطاع غزة لسيناء بوعي أو بغير ذلك بعد إحكام الحصار الإسرائيلى قبضته على القطاع.. رابطا بين ذلك وما يتردد عن وجود مخطط إسرائيلى يستهدف إفراغ الفلسطنيين من قطاع غزة ونقلهم وتوطينهم بسيناء الخالية من وجهة النظرالإسرائيلية وهو الأمر الذى يشكل تهديدا استراتيجيا للأمن القومى المصري.

ضآلة الاستثمارات الحكومية

وحول الإستثمارات الموجهة من الدولة للمنطقة، يشير الخبير الإقتصادى ممدوح الولي إلى أنه فى موزانة العام 2006 - 2007 لم يتم تخصيص سوي مايقرب من 406 ملايين جنيه للتنمية والخدمات فى شمال سيناء و160 مليون جنيه للهدف ذاته لجنوبها،أي أن المبلغ الاجمالى لايتعدى 566 مليون جنيه أى بما يمثل 2 فى المئة فقط من موزانة الدولة.

أما نقيب الصحافيين المصريين مكرم محمد أحمد فيقول إن «سيناء تستحق رؤية متكاملة لمشروع تنموي شامل، يضع في اعتباره الوظيفة الاستراتيجية لسيناء، ليس فقط باعتبارها المدخل الشرقي لمصر الذي جاءت منه معظم الغزوات الخارجية، ولكن باعتبارها الجسر الذي يربط آسيا بإفريقيا، ويجعل لمصر امتدادا أرضيا يصل إلى السعودية والخليج جنوبا، وإلى شرق المتوسط وأوروبا شمالاً».

ويضيف أحمد إن سيناء «ينبغي أن تظل هاجس مصر الأمني، ليس فقط لأن إسرائيل بكل تاريخها العدواني تقبع عند الحدود، أو لأن الزحام السكاني الكثيف في قطاع غزة يكاد يكون بمثابة قنبلة سكانية يمكن أن تنفجر جنوبا في أي وقت تحت ضغوط الحصار، ولكن لأن سيناء يمكن أن تكون ملاذا وممرا لجماعات الإرهاب التي تتوطن العراق الآن، وتسعى إلى اختراق أمن مصر والأردن، وتحاول أن تجد لها أوكارا تعشعش فيها داخل قطاع غزة، وما من سبيل لدرء هذه الأخطار سوى وجود إدارة رشيدة في سيناء، تجعل همها الأساسي كسب قلوب وعقول أهل سيناء».

ويؤكد الأمين العام للحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف أن مصر قادرة على الدفاع عن ترابها الوطنى دون تعديل لاتفاقيات. وقال الشريف، خلال مناقشات مجلس الشورى المصرى لتقرير تنمية سيناء ردا على أقوال أحد نواب المجلس عما وصفه بأطماع لإسرائيل فى سيناء وطلبه اعادة النظر فى إتفاقية كامب ديفيد، إن مصر «قادرة بقواتها المسلحة وشعبها على أن تقف سدا منيعا يردع كل من تسول له نفسه أن يقترب من ترابها المقدس دون تعديل لاتفاقية».