تعيش نيبال هذه الأيام مرحلة تحول سياسي هامة جداً ستنعكس بلا شك على كافة مناحي الحياة في هذه المملكة الصغيرة التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الهيمالايا بين عملاقين آسيويين هما الصين والهند، فقد جرت فيها مؤخراً انتخابات تشريعية شارك فيها لأول مرة المتمردون الماويون وهي تستهدف تشكيل جمعية تأسيسية سيناط بها مهمة وضع دستور جديد للبلاد يقضي بإلغاء الملكية وإنشاء نظام جمهوري. ومن خلال النتائج المتوفرة حتى الآن، يبدو أن الماويون في طريقهم إلى تسجيل نصر انتخابي فاجأ المراقبين الذين لم يتوقعوه.
هذا التحول الذي من المتوقع أن ينهي النظام الملكي المتربع على العرش في البلاد منذ 239 عاماً لا يزال محاطاً ببعض الشكوك إزاء احتمالات نجاحه وما يمكن أن يسفر عنه من تغيير على المستوى المحلي وعلى صعيد علاقات البلاد بجارتيها الكبيرتين. وبصرف النظر عمن يكون الفائز في الانتخابات، فإن التحديات المقبلة التي تنتظره قد لا يتمكن من مواجهتها وحده، وبالتالي يحتاج إلى تعاون من جميع الأحزاب الوطنية التي شاركت في الانتخابات والتي ستمثل في الجمعية التأسيسية. إلى أين تتجه الأوضاع في البلاد في ضوء احتمال فوز الماويين بغالبية مقاعد الجمعية التأسيسية؟ هل ستستقر الأوضاع الأمنية ويبدأ بناء مؤسسات الدولة الجمهورية الجديدة؟ هل ستقبل الأحزاب الأخرى والنظام الملكي بإلغاء الملكية وقيام نظام جمهوري يكون الماويون على رأسه؟
هل سينفرد الماويون بحكم البلاد أم سيتجهون إلى تشكيل ائتلاف مع الأحزاب الأخرى؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير تطرح نفسها على المراقبين للشأن النيبالي الذين يبدون مخاوفهم من احتمال فشل التجربة الديمقراطية في نيبال التي تعيش منذ أكثر من عقد حرباً أهلية دموية أودت بحياة أكثر من عشرة آلاف شخص معظمهم من المدنيين وشردت ألوفاً آخرين.
هناك مبررات لهذه المخاوف، فالماويون ما زالوا يفكرون بعقلية عسكرية وقد اتضح ذلك من تصريح لزعيمهم براشاندا، واسمه الحقيقي بوشبا كمال داهال، قبيل الانتخابات قال فيه إن حزبه «سيستولي» على الدولة. وتعززت المخاوف كذلك من خلال الترهيب والاعتداءات التي مارسها أعضاء ما يسمى بالشبيبة الشيوعية ضد المرشحين المنافسين في الانتخابات.
كما أن هناك مخاوف تتعلق بمستقبل العلاقة بين الماويين والأحزاب الأخرى وما إذا كانوا يتقبلون الرأي الآخر والديمقراطية الحقيقية. وإذا كانت هذه المخاوف تراود النيباليين، فإن الجوار الهندي يشعر بقلق أكبر خوفاً من انتقال عدوى ما جرى في نيبال إلى مملكة بوتان الصغيرة حيث يشن ماويون انفصاليون في جنوبها حرباً ضد الهند منذ عام 2003.
ورغم هذا القلق الهندي إلا أن الهند رحبت بتقدم الماويين في الانتخابات وأعلن وزير خارجيتها بأن الهند مستعدة للعمل مع أي حزب يصل إلى السلطة بما في ذلك الماويين. وفي الواقع أن الهند والماويين النيباليين قد تبادلوا تصريحات ايجابية كل اتجاه الآخر. وكانت الهند قد ساعدت في التوصل إلى الاتفاقية الموقعة بين الماويين والائتلاف الحاكم في 2005 والتي نصت على إجراء الانتخابات وإلغاء الملكية ومهدت الطريق لوصول الماويين إلى السلطة. وكان من الواضح في حينه كما هو الآن أن السؤال ليس ما إذا كان الماويون سيتسلمون زمام الأمور في نيبال وإنما كيف سيديرون نيبال بنظام ماوي.
وإذا صدقت التوقعات بفوز الماويين بأغلبية في الجمعية التأسيسية، فإنهم سيحتاجون إلى تعاون الأحزاب الأخرى للوصول إلى إجماع حول البنية الدستورية المستقبلية. وبالتالي، يتوقع المراقبون أن يواصل الماويون العمل في ظل الائتلاف الحالي لأنه يلائم هدفهم بتعزيز موقفهم.
وستكون أولوياتهم في إرساء بعض الاستقرار وترتيب الوضع الاقتصادي الصعب وإيجاد حل دائم لمشكلة منطقة تيراي الواقعة على الحدود مع الهند. وإذا كان الماويون جادين في الانضمام إلى التيار السياسي الرئيسي، فإن عليهم بادئ ذي بدء تفكيك الإدارة الموازية التي ما زالوا يحتفظون بها في بعض المناطق الريفية وإعادة الممتلكات التي سبقت مصادرتها.
المتطلب الأصعب والملح يتمثل في لجم عناصر الشبيبة الشيوعية التي تحولت إلى تنظيم خارج عن القانون يمارس العنف بلا هوادة. ونقل عن زعيم الماويين براشاندا قوله إنه أبقى على الشبيبة الشيوعية التي يقدر عدد أعضائها بـ 50 ألف عنصر من أجل منع أي استيلاء على السلطة من قبل القوات الملكية بعيد الانتخابات.
ورغم التطمينات التي صدرت على لسان براشاندا والموجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء، إلا أن المحللين السياسيين والأحزاب السياسية الأخرى التي لمست ممارسات الماويين على الأرض يشككون في تلك التصريحات ويرون أنها لا تعدو كونها فقاعات إعلامية للاستهلاك الدولي.
ويقول شيخار كويرالا، عضو اللجنة المركزية في حزب المؤتمر النيبالي، معلقاً على النوايا الحقيقية للماويين: «لا تزال هناك بعض الشكوك حيال نواياهم. فما زالوا يعتقدون بأن بمقدورهم الاستيلاء على السلطة باستخدام القوة. وذلك مصدر قلق كبير».
من جانبهم، يصر الماويون على أنهم لا يرغبون بالعودة إلى الحرب، ولكنهم لم يعلنوا شجبهم للصراع المسلح. وبالنظر إلى حملة الترهيب التي مارسوها خلال الحملة الانتخابية، فإن النقاد في الداخل والخارج يقولون إنهم لا يثقون بأن يتصرف متمردو الأمس كديمقراطيين في المستقبل.
وفي لفتة ترمي إلى التقرب من الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص التي تعتبر الماويين حزباً إرهابياً، قال براشاندا إن حزبه يدعو إلى إصلاح الدولة والتخلي عن النظام الإقطاعي لصالح «الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج».
وأضاف: «نحن نحارب النظام الإقطاعي ولا نحارب الرأسمالية. وفي مرحلة تطورنا الاقتصادي الاجتماعي، فإنه من غير الممكن قيام ثورة اشتراكية. ونحن نقول إن هذه ثورة ديمقراطية برجوازية. سنوجد جواً مواتياً لتحقيق المزيد من الربح للنظام الرأسمالي، ولن نفعل شيئاً آخر غير ذلك».
ربما كانت هذه التصريحات وسير العملية الانتخابية هما ما دفعا الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الذي قام المركز الذي يرأسه بإرسال 62 مراقباً للانتخابات إلى القول: «إذا حقق الماويون نصيباً كبيراً من السلطة، فإني آمل أن تقوم الولايات المتحدة بالاعتراف بهذه الحكومة والعمل معها».
لكن هل تكفي هذه التصريحات لطمأنة واشنطن التي تدرك تماماً أن وجود حكومة في نيبال يرأسها الماويون سيمثل فرصة للصين كي تمارس نفوذها في هذا البلد الآسيوي الصغير. هذا يتوقف على الطريقة التي سيتصرف بها الماويون في حال وصولهم إلى السلطة.
إضاءة
من هو براشاندا؟
ولد بوشبا كمال داهال المعروف باسم براشاندا والذي يعني «المتوحش» في 11 ديسمبر 1954. يتولى رئاسة الحزب الشيوعي النيبالي (ماوي)، ويتزعم جيش التحرير الشعبي. وتحت قيادته شن الحزب ما سماه حرب الشعب النيبالي في 13 فبراير 1996 التي أودت بحياة أكثر من 13 ألف نيبالي.
ينحدر براشاندا من أسرة بسيطة تنتمي إلى الطائفة البراهمية، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية من معهد الزراعة وعلوم الحيوان في رامبور بمقاطعة شيتوان النيبالية. أصبح أميناً عاماً للحزب الشيوعي النيبالي في عام 1986. وقد عاش في الخفاء حتى بعد إعادة الديمقراطية لنيبال في 1990.
ومنذ عام 1996، أصبح براشاندا معروفاً على المستوى الدولي بصفته زعيماً للجناح المسلح للحزب الشيوعي النيبالي الماوي والقائد العام.

