تستقطب الأحداث والتطورات في زيمبابوي اهتمام العالم الذي يتابع بقلق ما يجري على الساحة الداخلية من تجاذبات وخلافات بين الحزب الحاكم فيها وأحزاب المعارضة حول نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت مؤخراً وسط مخاوف من اندلاع صراع قد يأكل الأخضر واليابس في هذا البلد الإفريقي الذي يعاني سكانه من أزمة اقتصادية خانقة.
لا يختلف اثنان على أن نظام الحكم في زيمبابوي هو نظام استبدادي يعاني من الفساد في أروقته الإدارية وأن الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي يحكم قبضته على مقاليد الحكم في البلاد منذ عام 1980 أي بعيد استقلالها في 1979، ولكن ما يثير التساؤل والجدل هو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة والغرب في تأجيج الأزمة التي تجتاح زيمبابوي هذه الأيام في أعقاب إجراء الانتخابات الرئاسية وامتناع الحكومة عن إعلان النتائج النهائية للانتخابات التي تقول المعارضة ممثلة بالحركة من أجل التغيير الديمقراطي أنها فازت فيها بينما يدعي حزب الجبهة الوطنية للرئاسة زانو- بي أف الذي يتزعمه موغابي بأنه هو الفائز فيها. هذا الجدل يدفعنا إلى إثارة عدد من التساؤلات من قبيل: لماذا كان الغرب يشيد بسياسة موغابي في الثمانينيات؟ ولماذا انقلب عليه الآن؟ هل الولايات المتحدة وحليفاتها الغربية حريصة على الديمقراطية وحقوق الإنسان كما تدعي أم أن هناك أسباباً أخرى غير معلنة تدفعها لذلك؟
قبل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من إلقاء القليل من الضوء على زيمبابوي، الجمهورية الإفريقية الكائنة في جنوب القارة السمراء. تبلغ مساحة زيمبابوي 390 ألفا و750 كيلومترا مربعا ويبلغ عدد سكانها 13 مليون نسمة يعتنقون المسيحية والإسلام ومعتقدات محلية أخرى. وتجاور زيمبابوي كلاً من جنوب إفريقيا وموزمبيق وزامبيا وبوتسوانا، وهي غنية بالمعادن كالنحاس والحديد والمنغنيز والذهب وبحقول الفحم الحجري وتعتبر سلة الخبز الإفريقية وتشتهر بزراعات أخرى كالتبغ والسكر والقطن والذرة.
وكانت زيمبابوي قد نالت استقلالها في عام 1979، وتولى روبرت موغابي، الذي كان أحد الزعماء الوطنيين الذين قاد نضالهم إلى الاستقلال، رئاسة الوزراء في عام 1980 ثم أصبح رئيساً للبلاد منذ عام 1987 ولا يزال يشغل هذا المنصب حتى يومنا هذا.
اتسمت العلاقة بين زيمبابوي والغرب بعيد الاستقلال وفي ظل حكم موغابي بالطابع الإيجابي حيث كانت الولايات المتحدة تعتبر النموذج الزيمبابوي «قصة النجاح الأحدث» في إفريقيا خاصة مع تبني موغابي للسياسات الاقتصادية والنصائح الخاصة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتقاربه الواضح مع واشنطن إلى درجة قيام الجيش الزيمبابوي بمناورات عسكرية مشتركة مع الجيش الأميركي.
غير أن قصة النجاح التي تباهت بها الولايات المتحدة انقلبت إلى فشل ذريع نتيجة للتراجع الاقتصادي الناجم عن السياسات التي اتبعها موغابي بنصيحة من المؤسسات المالية الغربية وللفساد الإداري في حكومته، ولكي يغطي على التراجع الذي حصل في شعبيته بفوز الحركة الناشئة من أجل التغيير الديمقراطي بنصف مقاعد البرلمان في انتخابات عام 2000، بدأ موغابي باتباع سياسة مصادرة المزارع التجارية الكبيرة التي تملكها الأقلية البيضاء وكان الهدف من ذلك هو إعادة توزيعها على المزارعين السود من الفقراء. ولكن معظم تلك المزارع المصادرة ذهب إلى أشخاص محسوبين على النظام وأركانه.
وأدى برنامج إعادة توزيع الأراضي عملياً إلى تدمير قطاع الزراعة التجارية في زيمبابوي. فقد تم تقسيم المزارع الكبيرة إلى قطع صغيرة غير مربحة وأعطيت إلى أشخاص لا يمتلكون خبرة في الزراعة مما أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي. فإنتاج التبغ، على سبيل المثال، انخفض من مليوني كيلوغرام في عام 2000 إلى 60 ألف كيلوغرام في 2006، وانخفض كذلك إنتاج البلاد من الذرة إلى النصف تقريباً.
وفي الوقت نفسه، عانت البلاد من مشاكل التضخم الذي وصل إلى نسب فلكية هي الأعلى في العالم، أما البطالة في صفوف المواطنين الزيمبابويين، فقد وصلت إلى 80%. هذا الوضع السيئ دفع بالشعب الزيمبابوي إلى الهجرة من البلاد، حيث تقدر مصادر منظمات غوث اللاجئين أعداد اللاجئين من زيمبابوي بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة. كما أدى كذلك إلى تصويت الشعب بأعداد كبيرة لصالح قوى المعارضة الرئيسية بقيادة حزب الحركة من أجل التغيير الديمقراطي، مما أوجد أزمة جديدة تضاف إلى الأزمات الكثيرة التي تعاني منها زيمبابوي.
وأدت السياسة التي انتهجها موغابي إلى تأليب الغرب عليه الذي بدأ بفرض عقوبات اقتصادية فاقمت من سوء الأوضاع في داخل البلاد. وبعد أن كان موغابي يمثل نموذج النجاح الإفريقي بات يتهم الآن بأنه ديكتاتور يمارس القمع على معارضيه ويعادي الديمقراطية وينتهك حقوق الإنسان. واللافت في الأمر هو أن هناك الكثير من الأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث على شاكلة نظام موغابي ولكن لا نجد الغرب يوجه الانتقاد لتلك الأنظمة كما فعل مع النظام الحاكم في زيمبابوي.
وفي عام 2002 فرضت واشنطن عقوبات موجهة لكبار المسؤولين في حكومة موغابي وحظرت بيع الأسلحة إلى زيمبابوي وجمدت أرصدة 128 شخصاً و 33 هيئة من المحسوبين على النظام في الولايات المتحدة. وكان بوش قد مدد العمل بتلك العقوبات التي اعتبرها تستهدف مواجهة التهديد غير العادي والاستثنائي الذي تمثله سياسات بعض الأشخاص في الحكومة الزيمبابوية على السياسة الخارجية الأميركية.
يقول أنصار موغابي إن الحرص الأميركي والغربي على تطبيق مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان ما هو إلا غطاء لنواياهم الحقيقية التي تستهدف السيطرة على مقدرات البلاد والحفاظ على المصالح الاستعمارية وأن العقوبات التي تفرضها تلك الدول على زيمبابوي هي المسؤولة في الواقع عن معاناة الشعب الذي يتشدق الغرب بمساعدته.
ومن أجل فهم طبيعة الصراع القائم في زيمبابوي، لا بد من الاطلاع على الخلفية التاريخية لذلك الصراع المحلي الذي تمتد تبعاته إلى الخارج وتتشابك مصالح الدول فيه. تمتد جذور الصراع إلى فترة ما قبل الاستقلال حيث كانت الأقلية البيضاء تسيطر على أخصب وأجود المزارع وأكبرها في البلاد وعلى المناجم والتجارة الخارجية والأكثرية السوداء لا تملك شيئاً يذكر. وكان يفترض أن يؤدي انتهاء مرحلة الاستعمار إلى حل تلك المعضلة وإعادة التوزيع العادل للثروات في البلاد. ولكن ما حصل هو أن نظام الحكم في فترة ما بعد الاستقلال فشل في تسوية المشاكل السياسية مثلما استطاعت جنوب إفريقيا أن تفعل حتى مع عدم حل المعضلة الاقتصادية.
اشتعال النزاع بين البيض (أحفاد المستوطنين الأوروبيين) والأفارقة السود ( أبناء البلاد الأصليين في زيمبابوي)، جاء بعد نحو عشرين عاما من تصفية نظام الفصل العنصري، وإرساء البديل القائم على المواطنة المتساوية. موجز الأسباب التي قادت إلى إيقاظ الشقاق بين البيض والسود من مرقده، هي أن المجتمع الإفريقي الأصل ما عاد يطيق تكدس الثروات بأيدي فئة قليلة في البلاد.
لقد اكتشف الأفارقة أن زوال النظام العنصري، انطوى على إرضاء طموحاتهم السياسية إلى حد مُرضٍ، غير أن هذا التحول لم يتبعه تغير يذكر، فيما يتعلق بالسيطرة على الموارد الاقتصادية. فما زال قرابة واحد في المائة من سكان زيمبابوي البيض ذوي الأصول الأوروبية (مئة ألف نسمة)، يملكون زهاء سبعين في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة. وهي معادلة تكاد تجعل عشرة ملايين إفريقي هم قوام المجتمع الأصل في زيمبابوي مجرد شغيلة من الفلاحين في بلادهم الأم عند أحفاد المستوطنين القدماء.
والمحاربون القدماء من أبناء المجتمع الأصلي، هم الذين يستشعرون الغبن الاقتصادي وتبعيتهم لأبناء المستوطنين البيض. وقد كان مرور عقدين كاملين على زوال التفرقة العنصرية بدون جدوى ملموسة للعهد الجديد على مستوى معيشتهم، كافيا لإقناعهم بأن التغير الذي حدث كان ظاهريا فقط، أما في الواقع المعاش، فإن البيض مازالوا يتحكمون في أرزاقهم، كونهم يقبضون على مقاليد الاقتصاد.
تمكن نضال الأفارقة من إعادة الاسم التاريخي لمملكة زيمبابوي، بعدما أحاله المستوطنون، وجلُّهم من البريطانيين، إلى روديسيا نسبة إلى (سيسيل رودس) مؤسس الحركة الاستيطانية هناك ولكن أي فائدة حقيقية من هذه الاستعادة الشكلية عادت على الأفارقة طالما أن البيض أحفاد رودس يملكون معظم الأراضي المنتجة فضلا عن مناجم الذهب، والفحم، والتجارة الخارجية؟ وبالمناسبة، يلاحظ أن مستوطني زيمبابوي اختطُّوا لأنفسهم فلسفة استيطانية، زعموا اختلافها عن أندادهم في نماذج الاستعمار الاستيطاني الأخرى، لاسيما في جنوب إفريقيا بالجوار، فقد رفعوا شعار ما دعوه بالتنمية زالمتوازيةس مع أصحاب البلاد الأصليين لا المنفصلة عنهم.
لكن ما يعتمل الآن، وما ظهر من تجليات لهذه الفلسفة، يثبت أن البيئة الاستعمارية الاستيطانية لها جوهر واحد في كل مكان. إذ لم يتحقق للأفارقة تنمية متوازية ولا متوازنة ولا حتى منفصلة في زيمبابوي .
أما المشكلة الكبرى التي تواجه المنطقة فتتمثل في التخوف من انتقال العدوى إلى بعض الدول المجاورة لزيمبابوي، إذ قد يطالب ـ أيضاً ـ قدامى المحاربين في كل من ناميبيا، وجنوب إفريقيا، وكينيا، بما يطالب به حاليا زملاؤهم في زيمبابوي، أي استعادة أراضي البيض التي سلبت من أجدادهم. عندها ستشهد منطقة غرب إفريقيا توترا أمنيا لا تحمد عقباه، لا تستطيع رابطة دول الكومنولث، ولا منظمة الوحدة الأفريقية التحكم فيه على أساس أن مطالب الشعوب الأفريقية مطالب مشروعة؛ فهي دول ترغب في استكمال سيادتها على أراضيها كاملة، فالعديد من المستعمرات البريطانية أو الفرنسية - سابقاً- لا تزال الكثير من أراضيها بيد المستعمرين القدامى الذين يستغلون السكان الأصليين في خدمة الأراضي استغلالا يتعارض ومبادئ حقوق الإنسان.
ولكن العديد من الشعوب الأفريقية خاصة في المستعمرات البريطانية ـ سابقاً ـ بدأت منذ سنوات قليلة تعبر عن رغبتها في إكمال سيادتها المنقوصة، لهذا ظهرت حركات طالبت حكوماتها باسترداد الأراضي، كما حصل في كينيا التي دعا أحد نواب المعارضة فيها الفلاحين ـ الذين لا يملكون أراضي ـ لاحتلال المزارع المملوكة للبيض، وطالب بنزع المزارع الكبرى التي ما تزال بحوزة الأجانب، ولا سيما مزارع الشاي والقهوة، التي يديرها آسيويون، وكينيون، من أصل بريطاني. بل حتى في جنوب إفريقيا أبدى مؤتمر عموم إفريقيا تذمره من أنه وبعد مضي سنوات على نهاية حكم التمييز العنصري لا يزال سبع وثمانون بالمائة من الأراضي تحت سيطرة الأقلية البيضاء.
وإلى جانب الاضطرابات التي تظل هامشية، فإن مزارعي جنوب إفريقيا البيض تهددهم العصابات أكثر مما يهددهم احتلال الأراضي التي يستغلونها من قبل قدامى المحاربين. وإذا كان نظام بريتوريا لم يجعل من مسألة إعادة توزيع الأراضي الحساسة ذريعة انتخابية فإن موغابي قد استخدم هذه الحركة لاسترداد ولو جزء من شعبيته، التي افتقدها في السنوات الأخيرة.
وتجد بريطانيا نفسها اليوم عاجزة عن حل مشكلة أراضي المزارعين البيض، وحتى موقف حلفائها في منظمة الكومنولث كان صامتا لأسباب، منها: أنه لا يوجد زعماء يمكنهم تبني الأقلية البيضاء، حتى إن زعماء جنوب إفريقيا، وموزمبيق، وناميبيا، رفضوا انتقاد موغابي علانية. لأجل ذلك بدأ البريطانيون (حماة الأقلية البيضاء في زيمبابوي) يمارسون الضغط من أجل الإطاحة بنظام موغابي عبر صناديق الاقتراع بتقديمهم الدعم للمعارضة والمطالبة بإعلان فوزها في الانتخابات الأخيرة.
في ضوء هذه الخلفية للصراع في زيمبابوي يتضح عمق المصالح المتشابكة للدول الغربية في المنطقة خاصة إذا علمنا أن الولايات المتحدة قلقة من ازدياد النفوذ الصيني في زيمبابوي من خلال الاستثمارات في مناجم الفحم الحجري والصناعات التعدينية. ومهما يكن الأمر، فإن المراقبين يتفقون على أن موغابي لن يتخلى عن السلطة بسهولة وسيظل يقاتل حتى النهاية. تقول جماعة الضغط الزيمبابوية المعارضة المعروفة باسم «تضامن»: «هل نتوقع حقاً بعد فوزنا بأن يتقدم موغابي من مورغان تسافينجراي، زعيم الحركة من أجل التغيير الديمقراطي ليهنئه قبل أن يسلمه السلطة؟ ليس هذا ما سيفعله روبرت موغابي. فهو سيكافح حتى النهاية، لأن هذا من طبيعته».
في مارس من عام 2007 أصدرت مؤسسة هيرتاج الأميركية الشهيرة تقريراً حول الأزمة في زيمبابوي والسيناريوهات المحتملة لطرق تسويتها، وقد تضمن التقرير ما يتعين على الحكومة الأميركية القيام به من أجل ضمان الاستقرار والتحول الديمقراطي في ذلك البلد الإفريقي. وقد جاء في التقرير: «في الوقت الذي تعتبر نهاية حقبة موغابي أمراً مستحقاً منذ أمد بعيد، إلا أنه ليس هناك من ضمانة بأن خلفه سيكون أكثر استعداداً لدعم الديمقراطية التعددية أو التخلي عن السياسات الاقتصادية والسياسية القمعية التي قادت زيمبابوي إلى الأزمة الراهنة».
ويرى أنصار موغابي أن هذه الأموال، إذا كتب لها أن تشق طريقها إلى زيمبابوي، لا تستهدف تحسين حياة مواطني زيمبابوي، فالغرب لا يفكر أو يعمل بهذه الطريقة. فالنوايا الحسنة التي تعلنها تلك الدول ما هي إلا غطاء والأموال التي تنفقها ليست سوى مخدر لكي يغض الشعب النظر عن عملية نهب الثروات التي ستحصل.
الحقيقة المرة التي يدركها المفكرون المتنورون مبكراً وتلمسها الشعوب متأخراً هي أن الأنظمة الاستبدادية لا تعمل من أجل مصالح شعوبها بل إنها على استعداد لبيع موارد البلاد وثرواتها بثمن بخس من أجل تكديس ثرواتها الخاصة، وأن الغرب المتحضر الذي لا يكل ولا يمل من المطالبة بحقوق الإنسان ومبادئ الحرية والديمقراطية هو أشد سوءاً من تلك الأنظمة لأنه هو حاميها في معظم الأحيان.
إعداد: ضرار عمير

