تكثر المقاعد الشاغرة في المسرح السياسي لبيروت، وهي من أعراض وعكة شديدة أصابت المؤسسات الحكومية في لبنان بالشلل، وقوضت الاقتصاد وأثارت مخاوف من تجدد الحرب الأهلية.
فمقعد الرئيس شاغر منذ نوفمبر. وما من مؤشرات على مجيء رئيس جديد للبنان قريباً ليشغل قصر الرئاسة الشاغر في بعبدا. أما البرلمان اللبناني الذي هجر النواب معظم مقاعده منذ أكتوبر العام 2006 ففشل الثلاثاء للمرة الثامنة عشرة على التوالي في الاجتماع رسمياً، وتحقيق النصاب القانوني لانتخاب رئيس جديد للبلاد، رغم ان الفرقاء المتنافسين اتفقوا منذ أشهر على ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان لمقعد الرئاسة، الذي بقي شاغراً منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق اميل لحود في نوفمبر.
وفي الأسبوع الماضي وضع رئيس مجلس النواب نبيه بري طاولة وحولها 14 مقعداً شاغراً في مبنى البرلمان ليدور حولها حوار وطني، يرى انه الأسلوب الأمثل للخروج من الأزمة اللبنانية.
وقال المستشار الإعلامي لبري، علي حمدان، مشيراً إلى جلسة حوار مطولة لا تنتهي الا بالاتفاق، ان رئيس المجلس النيابي مستعد لعقد حوار ماراثوني ينتقل بعده الجمع من الغرفة إلى القاعة العامة للانتخاب. ولعلمه أن الفصائل المناهضة لسوريا التي تهيمن على الحكومة قد رفضت عرضه لم يوجه بري بعد الدعوة للسياسيين لشغل هذه المقاعد الخاوية المرصوصة في أناقة شديدة.
وخارج مبنى البرلمان هناك المزيد من المقاعد الشاغرة في مقاهي ومطاعم وسط بيروت التي كانت مليئة بالرواد يوماً. بل ان الكثير منها أغلق. أما من قاوم فعادة ما يكون نصيبه قليل من الزبائن مكافأة له على صبره وإصراره.
وقال ميشال فرنيني الذي يدير مطعم «ميدي ريستو» الايطالي كما يورد مأكولاته لمنافذ أخرى في المنطقة، لوكالة «رويترز» انه «في وسط البلد نحقق فقط سبعة في المئة من عائداتنا السابقة». وأضاف «لا أخجل من أن أقول ذلك بل أن السياسيين الذين أدخلوا لبنان إلى هذا الزقاق السد هم الذين يجب ان يخجلوا من النتيجة. أنا واثق من انه في يوم ما سنلقيهم في قمامة التاريخ. خسارتنا هي خسارة لكل لبنان».
وفي الحكومة اللبنانية مقاعد شاغرة أيضاً. فهناك سبعة مقاعد شاغرة من بين 24 مقعداً بعد استقالة ستة من وزراء المعارضة واغتيال بيار الجميل وهو سياسي مناهض لسوريا.
ولا تبدو في الأفق نهاية للأزمة اللبنانية التي يرتبط أطرافها المحليون مع أطراف إقليمية ودولية منخرطة في صراع أوسع يضع الولايات المتحدة وحلفاءها في جانب في مواجهة إيران وسوريا.
وأدت الأزمة السياسية في لبنان في أحيان إلى جولات من العنف القاتل في الشوارع، في بلد لا يزال يعيد إعمار ما تهدم خلال 15 عاماً من الحرب الأهلية وإن كان زعماء الفصائل المتناحرة تمكنوا حتى الآن من احتوائه. لكن بعض اللبنانيين يخشون من ان تكون دروس الحرب الأهلية قد انمحت، بسبب حالة من فقدان الذاكرة الجماعي.
ومن بين هؤلاء ندى صحناوي التي وضعت 600 مرحاض فارغ في ساحة شاغرة في قلب بيروت لتبرز رؤيتها.. فمن على بعد تبدو هذه المراحيض البيضاء المصطفة مثل المدافن العسكرية. وقالت وهي تقف وسط المراحيض التي وضعت في صفوف في عرض يستمر أسبوعين في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية يوم 13 ابريل: «من حين لآخر تسمع عن تسلح جماعة ما أو عن تشكل ميليشيات. هذا يثير فزعي».
وفكرتها هي تذكير اللبنانيين بمدى جنون هذا الصراع وعدم جدواه حين كان اللبنانيون يختبئون داخل مراحيضهم بينما تنخرط الميليشيات المتناحرة في معارك بالمدفعية تغطي المدينة كلها.
وقالت الفنانة اللبنانية الصهباء إن «عليك أن تواجه الواقع وان تحدق فيه... ماذا تقول لرجال السياسة الذين يتطاحنون على كيفية تقسيم السلطة في بلد يتفسخ. يمكنهم المجيء والاجتماع هنا على هذه المراحيض». (رويترز)