احتل مقتدى الصدر في فترة قياسية صدارة الواجهة السياسية في العراق بعد سقوط العاصمة في يد الاحتلال الأميركي.ومن بغداد، إلى النجف والبصرة، تحول «الزعيم الشيعي الشاب» إلى ظاهرة حقيقية، تلهم آلاف الشبان الذين سرعان ما انضووا تحت جناحه العسكري: جيش المهدي. ومقتدى الصدر هو الابن الرابع لمحمد صادق الصدر الذي اغتيل في فبراير 1999. وهو صهر آية الله محمد باقر الصدر الذي أُعدم في العام 1980، وجدّه ترأس الحكومة العراقية في العام 1948.
مُنح مقتدى الصدر (35 عاما) ألقاباً وأوصافاً كثيرة، أوسعها انتشاراً هو «السيد». ولعل أكثرها تعبيراً عن الحالة التي يمثلها مقتدى في وجه الاحتلال الأميركي للعراق هو اللقب الذي منحته إياه صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، التي وصفته بأنه «الصفعة المثالية للرئيس الأميركي جورج بوش في نهاية ولايته الثانية والأخيرة».
وبمعزل عن الألقاب، ينظر إلى مقتدى الصدر، على انه الشخصية الأبرز في العراق منذ أن غزاه الأميركيون في العام 2003، وأكثرهم التباساً. فهو يدعو تارة إلى دحر الغزاة وينشئ جيش المهدي، ويحارب القوات الأميركية والبريطانية، وحتى العراقية المتعاونة.. قبل أن يأمر قواته بتجميد أنشطتها العسكرية، ويقرر الاعتزال السياسي، لينبثق مجدداً في البصرة.. محارباً!
عندما انهار حكم البعث في العراق، مع سقوط بغداد في ربيع 2003، بدت للعلن القوة التي يتمتع بها مقتدى الصدر، كزعيم يمزج بين القومية والشيعية ويلهم أبناء الطائفة التي كانت مضطهدة في عهد صدام، والذين يرفضون الاحتلال الأميركي في آن. إلا أن شعبية مقتدى ليست وليدة الاحتلال بل تعود إلى عهد أبيه محمد صادق الذي أسس شبكة من المؤسسات الخيرية التي تُعنى بالفقراء.
وفي الأسابيع الأولى التي أعقبت غزو العراق، انتشر أنصار الصدر في أحياء بغداد الفقيرة، ووزعوا الغذاء على الأهالي. ثم غيّروا اسم أكبر حي شيعي في العاصمة العراقية من مدينة صدام إلى مدينة الصدر.
وفي يونيو 2003 أنشأ الصدر مجموعة مسلحة أطلق عليها اسم جيش المهدي لمحاربة الغزاة، كما أعلن عن تأسيس حكومة منافسة لمجلس الحكم العراقي المعين من قبل واشنطن، إلا أن تحرّكه باء بالفشل.
وفي 28 مارس 2004، حظرت قوات الاحتلال صحيفة «الحوزة الناطقة» الأسبوعية التي أسسها الصدر لمدة 60 يوماً بحجة أنها «تحضّ على العنف ضد الأميركيين» ما دفع الصدر للدعوة إلى تظاهرات حاشدة، قتل خلالها العشرات وشهدت مواجهات واسعة مع الاحتلال، قبل أن ترفع الحكومة العراقية المؤقتة الحظر عن الصحيفة.
في ذلك العام، قاد الصدر حملتين عسكريتين واسعتين ضد القوات الأميركية، ما حدا بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى وصف جيش المهدي بأنه «أكبر تهديد للأمن العراقي»، فيما اتهمه المسؤولون الأميركيون والقادة العراقيون السنة، بارتكاب جرائم قتل مذهبية واصل التنصل منها.
في العام 2005، أبدى الصدر اهتماماً بالمشاركة في الحياة السياسية، فترشح تياره إلى الانتخابات العامة وفاز بـ 33 من مقاعد البرلمان. وساهمت كتلته البرلمانية هذه في إيصال نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة في العام 2006. ولكن في إبريل 2007 سحب الصدر كتلته من الائتلاف الحكومي عندما رفض المالكي تحديد جدول زمني للانسحاب الأميركي من العراق.
لم يظهر الصدر كثيراً في العام 2007. وقال مسؤولون أميركيون أنه موجود في إيران، إلا أن مساعديه نفوا ذلك. كما قيل أنه كان يتلقى دروساً معمقة في الدين في حوزة النجف، ليحصل على لقب حجة الله، وهي أول مرتبة في سلمّ الارتقاء الديني باتجاه لقب آية الله ما سيمكّنه من تعزيز موقعه الديني في العراق، عبر دحض الاتهامات التي أطلقها منافسوه الآخرون، بأنه عديم الخبرة والمعرفة الدينية.
في أغسطس 2007، أمر الصدر جيش المهدي بوقف أنشطته العسكرية لمدة ستة أشهر، بعدما احتدم الصراع بين الفصائل الشيعية في مدينة كربلاء، والتي سقط فيها العشرات. وقد فُسّر قراره على انه محاولة لاقتلاع العناصر المارقة من تنظيمه، وإعادة فرض سيطرته عليه. في نهاية فبراير الماضي، مدد الصدر «هدنته» ستة أشهر إضافية.
لكنه دعا العراقيين مؤخراً إلى الخروج في تظاهرات، مهدداً بإطلاق «حرب مفتوحة» بعدما شنت القوات الحكومية وقوات الاحتلال حملة عسكرية ضد جيش المهدي في البصرة وبغداد.
يقول المراقبون إن عدد مناصري الصدر يتراوح بين ثلاثة وخمسة ملايين شخص، مشيرين إلى أنه كلما «تحدى» مقتدى قوات الاحتلال كسب مزيداً من الشعبية في الشارع، والخصومات السياسية من الزعماء الآخرين الذين جاء كثير منهم من المنافي في الخارج إلى مقاعد الحكم مباشرة بعد احتلال العراق.
تقرير: جنان جمعاوي