البعض يرى أن معركة البصرة انتهت لكن الحرب لم تنته فيما تتجه الأنظار نحو تهديد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بـ «حرب مفتوحة» مع الحكومة.
وبات الكل يترقب بتوجس وخوف تداعيات الحرب المفتوحة على كل الاحتمالات بين جيش المهدي من جهة والقوات الأميركية والعراقية من جهة ثانية، وبخاصة خلال الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية في أكتوبر المقبل.قررت الحكومة العراقية أن الوقت حان للقضاء نهائياً على جيش المهدي وتيار مقتدى الصدر. خلع «الجنرال» نوري المالكي بزته المدنية وارتدى لباساً عسكرياً يليق بحجم المهمة ونوعيتها، وتمترس في البصرة. حضور القمة العربية لم يعد يعنيه، حاضر الاحتلال ومستقبله لم يعد يثيره.. هدف واحد يلوح أمام عينيه: الصدريون أولاً.في المدينة الجنوبية التي تسبح على بحر من النفط، قرر «الجنرال» أن يشرف بنفسه على المعركة. تحولت الساعات إلى أيام والأوضاع لم تتغير. قواته لم تتقدم. جيوشه لم تسيطر. حتى المسلحين لا يزال يشاهدهم منتشرين على الطرقات من نافذته المحصنة. قرار الاستعانة بالاحتلال الأميركي والبريطاني كان سهلا، لكن قرار «الهدنة» كان مريرا.
انتهت معارك البصرة بوقف متبادل للنار، لكن الحرب لم تتوقف. إلى العاصمة بغداد انتقلت المواجهة. أصبحت مدينة الصدر محور العمليات. تحول معقل التيار الصدري، بمنازله وأشيائه وناسه، الى هدف مركزي للعناصر الحكومية، وللقوات الأميركية التي سرعان ما اسقطت عليه ما تعلمته من حلفاء في أماكن غير بعيدة: جدران اسمنتية تسلخ المدينة الصغيرة عن مدينتها الأكبر.
بعد أشهر تحدثت فيها الأنباء عن تراجع العنف في العراق، انجرفت البلاد نحو الفوضى من جديد. سقط المئات من القتلى والجرحى المدنيين والعسكريين.. تشرد آخرون، وهجّر المزيد. لم تكد تلتقط البلاد أنفاسها حتى وجدت نفسها أمام معركة من نوع آخر، ظاهرها عسكري، باطنها سياسي، تلوح في أفيائها حرب مفتوحة.
بدا منذ اليوم الاول للمعارك، ان المواجهة ليست بين حكومة وجماعة مسلحة. كانت بمثابة حرب مصغرة تختزل صراعا اكبر على السلطة، يبدأ من الطائفة، ولا ينتهي بالحكومة والبرلمان. وكان من الواضح ان السلاح اصبح وسيلة لتغيير التحالفات القائمة، واحداث هزات وتقلبات داخل الطائفة الشيعية تحديدا، قبل اشهر قليلة من الانتخابات العامة في أكتوبر المقبل.
وفي ظل بوادر الفشل التي طبعت بدايات الحملة العسكرية، اجمع المحللون على ان المالكي والادارة الاميركية اقدما على مغامرة حاسمة وضعت مقتدى الصدر امام «فرصة مؤكدة» للخروج بالنقاط الثلاث. فالمجازفة هي امام جيش المهدي الذي كان للاحتلال الاميركي معه صولات وجولات خاصة في العام 2004، حين فاجأ صمود هذه الجماعة المسلحة الطرية العود الحاكم المدني بول بريمر وتمكنت من السيطرة على عدد من مناطق الجنوب.
يقول الكاتب الاميركي المعارض للحرب على العراق رون جايكوبز ان طابع الصراع المذهبي والانتخابي الذي يغلف هذه المعارك، يمنح مقتدى الصدر فرصة اكبر للمناورة. ويوضح ان الحملة العراقية الأميركية «وضعت مقتدى الصدر وقواته في موقع فوز لا محالة».
ويشرح جايكوبز ذلك بالقول انه «إذا واصلت بغداد وواشنطن محاولة هزيمته (الصدر) عسكريا، فان هذا الأمر سيتسبب بموجة من العنف المذهبي في أنحاء العراق. اما اذا قررتا التفاوض معه حول وقف أعمال جيش المهدي، فان المرشحين المنضويين تحت لوائه الذين سيخوضون الانتخابات المقبلة، سيحققون على الأرجح انتصارات انتخابية كبيرة، خاصة بعد صمود جماعته عسكرياً».
ويرفض خبير شؤون الشرق الأوسط في معهد اميركان انتربرايز (المؤيد للمحافظين الجدد) جوشوا مورافشيك نظرة جايكوبز حول ان المواجهة مع جيش المهدي ستخلف فوضى اكبر في العراق. ويقول: «لا اعتقد انه سيكون هناك فوضى.. بل على العكس، ان الانقضاض على الميليشيات هو بمثابة خطوة ضرورية باتجاه حكومة مستقرة وقابلة للحياة»، خصوصا ان المعارك اظهرت ان «جيش المهدي اضعف مما كان الجميع يتخيل».
وبينما تعتبر غالبية من المحللين ان تورط القوات العراقية وخاصة الأميركية في صراع شيعي شيعي على امتداد البلاد سيسوق حكومتي واشنطن وبغداد الى حظيرة العنف الأخطر، يرى مورافشيك أن تفكك الكتلة الشيعية الموحدة، أمر مفيد للعراق لأنه يعني أن السياسة يمكن أن تتواصل حينها على قاعدة: «أفكاري في مواجهة أفكارك.. بدل: اعترافاتي (الدينية) في مواجهة اعترافاتك».
ويمنح مورافشيك العنصر المذهبي في المعارك، بعداً إقليميا في إطار صراع النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران. ويقول إن «هذه التطورات تجعل من الصعب على إيران السيطرة على العراق.. المالكي مقرب من إيران، وطهران ستظل تحاول التدخل، غير أن تفكك الكتلة الشيعية الواحدة يعني أن إيران لم تعد تملك نسيجا متماسكا تستطيع من خلاله السيطرة على العراق».
لكن خطورة الحملة على التيار الصدري لا يمكن حصرها ببعدها الشيعي فقط. فالخبراء أجمعوا على ان المقاتلين السنة السابقين الذين انقلبوا على تنظيم القاعدة وتحالفوا مع الاحتلال (مثل مجالس الصحوة) قد يتورطون مرة أخرى في القتال إذا استأنف جيش المهدي أعماله العسكرية بشكل كبير، خاصة في المناطق المختلطة التي يسكنها السنة والشيعة معا.
ويقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد العلاقات الخارجية ستيفان بيدل، الذي سبق وان أشار الى اهمية دور قرار الصدر تجميد أعمال جماعته المسلحة في انجاح استراتيجية الدفق، ان الخطر الأكبر هو ان تخلص اي من الميليشيات العراقية الى ان ترتيبات وقف إطلاق النار مع الاحتلال لا تحميها من الحملة التي تشنها الحكومة العراقية.
والصراع الشيعي الشيعي ليس العنوان الوحيد لهذه الحملة. فالأميركيون يعتبرون ان مقتدى الصدر يشكل عقبة في وجه محاولتهم ممارسة احتلالهم للعراق بشكل طبيعي، نظرا الى المسار «غير التوافقي» الذي انتهجه. لذا كان لا بد من تحرك يقضي على تيار الزعيم الشاب ويستبدله بجماعة.. أكثر طواعية.
منذ معارك النجف قبل أربعة أعوام (في صيف العام 2004) حاول الصدر تجنب المواجهة المباشرة مع الاحتلال. وتحت رعاية المرجعية الشيعية العليا، وافق على الهدنة ووقف إطلاق النار. وفي الآونة الأخيرة مدد تجميد أعمال الجيش المهدي من اجل «تطهيره من العناصر المارقة»، رغم أن البعض يشير إلى محاولة الصدر إعادة تسليح جيشه وتنظيمه.
وبما أن المعارك الحالية أثبتت ان جيش المهدي يستطيع بالفعل مقاومة أكثر من جيشين، فإن المحللين اجمعوا على ان القضاء على التيار الصدري «مستحيل» في الوقت الحالي، خاصة في ظل تغلغله داخل الإحياء الفقيرة في بغداد، والجنوب خاصة، ونظراً إلى كونه يتمتع بدرع شعبي اكتسبه جراء المساعدات التي يقدمها لتسهيل حياة شرائح كبيرة من العراقيين الفقراء.
ويقول مورافشيك في هذا السياق إنه «من الغباء القول ان نهاية مقتدى باتت اقرب، رغم ان هذه المعارك تشكل انتكاسة له». ويضيف انها «خطوة اولى ضرورية تقود الى حل للمأزق الحالي على المدى البعيد».
ويرى جايكوبز بدوره انه «نظراً إلى أن جيش المهدي والصدر مصران على مطلبهما بسحب القوات الأميركية من العراق، فإنه من المستبعد آن يوافقا على الحياد العسكري على اعتبار أنهما سيمنحان الأفضلية حينها للمالكي وواشنطن».
أصبح العراق يقبع إذا على حافة صراع على السلطة «من نوع آخر» يهدده بالمزيد من المآسي والآلام. وبينما يعتبر جايكوبز ساخرا من السياسة الأميركية أن «السبيل الوحيد للحل هو في هزيمة الصدر عبر إطلاق موجة قتل وقمع لم يختبرها العراق على طول تاريخه»، فإنه يعيد ليعطي هذا الخيار فرصة حقيقية على الأرض قائلا إن «هذا ليس الحل الأذكى أبدا، لكنه ممكن أيضا.. فالاحتلال تبنى على مدى أعوام، الاستراتيجيات الحمقاء والأفكار الغبية».
بيروت ـ محمد علي حريصي

