تبدو أطراف المعارضة الأساسية الثلاثة: حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر مرتاحة إلى وضعها ودورها في قيادة المعارضة، خصوصا انها تخطت منذ البدايات مشكلة البرنامج واطر التنسيق التي تنظم علاقتها في ما بينها، استنادا إلى ورقة التفاهم بين الحزب والتيار، باعتبارها أرضية نظرية لاقت قبول مختلف أطراف وقوى المعارضة حتى اللحظة، وعلى أساس التنسيق والتشاور المتواصلين.

إلا أن هذا الواقع لم يكن مريحا لأطراف عديدة في تشكيلة قوى المعارضة، طالما اشتكت من تجاهلها أو إغفال دورها عند اتخاذ القرار. ووصلت الشكوى في إحدى المناسبات إلى حد إعلان شخصية معارضة بارزة، ان وفدا معارضا أرسل في مهمة خارجية لا يمثلها، لأنه لم تجر استشارتها في هذا الشأن. ولم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة التي يبرز فيها التباين رغم التنسيق في ما بينها.

ويمكن الملاحظة أن المعركة الخاسرة التي خاضتها المعارضة في نقابة المهندسين مؤخرا، هي إحدى ظواهر ذلك «التنسيق»، إذ انها، بحسب بعض الأوساط المعارضة، كانت معركة التباين في اتخاذ القرار الذي اعتبرته تلك الأوساط خاطئ التوجهات.

وترفض أوساط أساسية في المعارضة أن تكون الأمور وصلت إلى حد التفكير في انشاء جبهة لقوى المعارضة. وتقول إن كلمة «جبهة» أكبر من الواقع ولم يتم تبنيها من قبل قيادة المعارضة. لكن البحث كان عن «إطار» تنسيقي لتنظيم الأداء. ولذلك فان القوى الأساسية في المعارضة، وبخاصة حزب الله، تواصل مساعيها لتجاوز العقبات التي اعترضت الصيغ المقترحة بعد أن تبين أن لا مشكلة من قبل أي طرف مع ورقة العمل النظرية التي قدمها «اللقاء الوطني» (جرى وضعها من قبل لجنة رباعية أوكلت بدورها هذا الأمر إلى النائب السابق زاهر الخطيب)، التي لاقت اتفاقا كاملا حولها، لكن الخلاف وقع حول الأمور التنظيمية: الإطار الذي سيعلن عنه وشكله.

وتبدو القوى الأساسية في المعارضة حذرة ومتحفظة في الحديث عن هذا الأمر، إلا أن ما يتردد هو أن العقدة التي عطلت انطلاقة مشروع تأطير المعارضة، كانت في وضع «فيتوات» من قبل «التيار الوطني الحر» على ما يعتبره التيار «حالات سورية» في المعارضة، بحجة انه لا يستطيع تحمل الجلوس معها في إطار واحد، لأن في ذلك ورقة يستغلها خصومه في الشارع المسيحي على وجه الخصوص، ومن قبل الموالاة عموما، التي تتصرف على أساس ان استعداء سوريا والتهجم عليها ما يزال ورقة رابحة، وان هذه القوى لن تتوانى عن استعمال هذه الورقة ضد «التيار» في مختلف المناسبات.

لكن مسؤول العلاقات السياسية في التيار الوطني الحر جبران باسيل نفى أن يكون للتيار «فيتو» على احد. وأوضح أن التيار من حيث المبدأ ضد قيام جبهات تحد من حركة الأطراف المنضوية فيها، وهو أيضا ضد قيام جبهات طائفية إسلامية أو مسيحية. وأكد لحلفائه انه مع قيام اطر تنسيق مرنة تتيح للمشاركين فيها حرية الحركة والمحافظة على خصوصية مواقفها.

وفيما تفضل أوساط حزب الله تجنب الحديث في هذا الشأن حاليا، تنقل أوساط معارضة عن الحزب استعداده الموافقة على أي صيغة تأطير وتنسيق تتفق عليها قوى المعارضة، في حين تؤكد أوساط أخرى انه وضع «ضوابط» لهذه الموافقة، أولها انه لا يمكن أن يسير في أي «إطار» يستبعد «تحالف الأحزاب الوطنية» الذي يضم ستة أحزاب هي: الحزب السوري القومي الاجتماعي، والتنظيم الشعبي الناصري، وحركة الشعب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب الاتحاد وحركة النضال (فيصل الداود). كما انه، أي الحزب، يتمسك بتمثيل الحزب «القومي» لتحالف الأحزاب، تجاوبا مع مطلب الأخيرة في رفض تحويل إطار المعارضة إلى صيغة محاصصة طائفية - مذهبية.

وحسب الأوساط، فان الخلاف وقع عند تحديد أسماء لجنة التنسيق العليا (قيادة الصف الأول)، حيث جرى التداول في صيغة اعتبرتها بعض الأطراف محاصصة طائفية ومذهبية، إذ انها ضمت حزب الله وحركة «أمل»، و«التيار الوطني الحر»، و«تيار المردة» والرئيس الأسبق عمر كرامي ممثلا ل«اللقاء الوطني»، والنائب اسامة سعد ممثلا تحالف الأحزاب (باعتباره مقبولا من قبل جميع الأطراف) والنائب السابق طلال ارسلان عن الدروز، في حين استبدلت تشكيلة لجنة المتابعة (قيادة الصف الثاني) اسامة سعد بالحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو رفض القبول بهذه الصيغة، معتبرا ان الذي يشارك في الصيغة الأولى يجب أن يتمثل في الثانية.

وتحدثت بعض أوساط المعارضة عن صيغة تضم ثمانية أسماء للجنة التنسيق العليا (الصف الأول) تضم كلا من: حركة أمل، وحزب الله، والتيار الوطني الحر والمردة، والرئيس كرامي، والنائب اسامة سعد والداعية د. فتحي يكن، وطلال ارسلان. وتحدثت أطراف معارضة أخرى عن صيغة أخرى سداسية تضم حركة أمل، وحزب الله، و«الوطني الحر»، و«المردة»، و«اللقاء الوطني» و«تحالف الأحزاب»، على أن يكون تمثيل ارسلان من خلال «اللقاء الوطني» الذي يشارك في لقاءاته برئاسة كرامي.

وجاءت المفاجأة برفض النائب سعد لهذه الصيغة. فهو يرى أن دوره يجب أن ينطلق من كونه رئيسا للتنظيم الشعبي الناصري، وليس من كونه شخصية تنتمي إلى مذهب معين. ويقول «لا خلاف بين قوى المعارضة حول التوجهات السياسية، حيث اقر الجميع ورقة العمل. لكن الخلاف حصل على أسماء أعضاء هيئة التنسيق، بين أن تتمثل الأحزاب بالحزب القومي، باعتباره حزبا علمانيا، وبين من يريد لاسامة سعد دورا مذهبيا يرفضه، بحيث يكون ممثلا للأحزاب وفي الوقت نفسه مكملا لتشكيلة طائفية ومحاصصة مذهبية».

ويرى النائب سعد انه لا يوجد مشروع وطني جدي وحقيقي في مواجهة الاصطفاف الطائفي والمذهبي القائم في البلد. ويشدد على ضرورة وضع مشروع وطني يمثل ويضم كل القوى الوطنية المعارضة. ويضيف: «أما مقابلة الاصطفاف الطائفي باصطفاف آخر فأمر لا يعنينا، لان موقعنا كتنظيم هو خارج الاصطفافات الطائفية. ولا يمكن مواجهة المشروع الأميركي الذي يستهدف المنطقة وتسير فيه أنظمة الاعتلال العربي وليس الاعتدال كما يسميها الأميركي، إلا بمشروع عربي نهضوي يستند إلى الشارع العربي الذي يعبر عن النبض العربي الحقيقي ويعارض المشروع الأميركي. ونحن كتنظيم جزء من هذا الشارع العربي الذي تمثل سوريا موقع القلب فيه».

ويقول رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الوزير السابق علي قانصو «كنا أول الأحزاب التي سعت إلى إقامة جبهة وطنية عريضة، وحملنا المشروع إلى كل مرجعيات المعارضة، وأيد الجميع المشروع ولم نسمع كلاما سلبيا من احد تجاه إيجاد إطار جبهوي لقوى المعارضة، على أساس وثيقة سياسية تحمل رؤية المعارضة، على المستوى الوطني وعلى مستوى بناء الدولة، لأنه لا يجوز للمعارضة الا تقدم لجمهورها بشكل خاص، وللبنانيين بشكل عام، تصورها لقيام الدولة القوية والعادلة. لكن يوم حملنا هذا المشروع ربما لم تكن الظروف مواتية لتحقيقه، نتيجة بعض التحفظات من بعض القوى على أن تكون في إطار واحد يجمع كل قوى المعارضة. وتفهمنا هذا الأمر، وانتقلنا كتحالف للأحزاب الوطنية إلى طرح قيام إطار جبهوي اضيق من إطار الجبهة الوطنية العريضة، وقمنا باتصالات وجولات على كل مرجعيات المعارضة، ووجدنا أن صيغة لجنة متابعة مصغرة تشكل إدارة سياسية يومية للمعارضة هي أكثر قبولا من القوى السياسية في المعارضة، من الإطار الجبهوي العريض».

ويشير قانص إلى وجود أكثر من رأي في المعارضة حول حجم اللجنة، إذ ان البعض يريده مختصرا، لكي يحظى بدينامية أكبر. والبعض الآخر يرى أن هذا الحجم يجب أن يكون وسطيا، بمعنى الا يقل عن 12-13 ممثلا لأحزاب وقوى وشخصيات في المعارضة. وأوضح «منذ أيام طرحت صيغة جديدة تقوم على فكرة إيجاد إطار قيادي على مستوى الشخص الأول لسبعة أطراف، يليه مستوى لجنة متابعة من سبعة أطراف أخرى أيضا، لكن على مستوى قيادة الصف الثاني من الأحزاب، وهذه الصيغة لم تحظ بإجماع كاف لقيامها. ونحن من الذين كان لنا رأي بأن الأطراف التي ستتمثل في الإطار الأعلى يجب أن تكون هي نفسها ممثلة في الإطار الثاني، أي إطار لجنة المتابعة. وهذه الصيغة الجديدة ما تزال موضع اخذ ورد بين قوى المعارضة، وحتى هذه اللحظة لم يستقر الرأي على صيغة نهائية، فيما الثابت ان الجميع يريد إطارا جامعا لكل قوى المعارضة. ونحن نتمنى الا تبقى هناك تحفظات من احد على احد، كي تستقيم عملية إعادة ترتيب أوضاع المعارضة، خصوصا أن كل القوى متفقة على جملة من الثوابت السياسية سواء ما يتصل منها بالخيارات الوطنية، أو ما يتصل بسبل الخروج من الأزمة السياسية، لذا من غير المبرر لأحد أن يضع اشتراطات على أي طرف سياسي».

ويؤكد قانصو انه لا يجوز أن تبني المعارضة مشروعها على أي أساس مذهبي أو طائفي. في حين يجري العمل على تضمين الوثيقة السياسية بعدا إصلاحيا لتطوير النظام السياسي في لبنان باتجاه لا طائفي، وهذا الاتجاه يتناقض مع أي صيغة أو سلوك سياسي يحاول ان ينطلق من معيار الاصطفافات الطائفية والمذهبية.

على هذا الأساس تبدو قوى المعارضة وكأنها تعمل على تقطيع الوقت، في انتظار التوافق على أفكار جديدة. لذلك فيما يعلن البعض ان النقاش في هذا الأمر وصل إلى حائط مسدود وان الاتصالات توقفت عند الصيغ المتداولة، فان أطرافا أخرى تصر على الايحاء بأن المبادرة لم تفشل، وان النقاش ما يزال دائرا، لان المعارضة برأيها لا يمكن لها ان تنهض بدورها من خارج أمرين: الأول، هو إيجاد إطار جامع لقواها ومنسق لجهودها ومخطط لتحركاتها. والثاني التوصل إلى رؤية سياسية توحد اللغة والموقف لقواها وتجنب هذه القوى اجتهادات من هنا وهناك، ثبت انها لا تخدم مشروع المعارضة في لبنان.

ومن الأفكار المتداولة للخروج بحل عقد مؤتمر وطني يجمع كل قوى المعارضة، يقر وثيقتها السياسية وتنبثق عنه لجنة متابعة، على أن يجتمع الأمناء العامون ورؤساء الأحزاب مرة كل شهر أو شهرين وحسبما تدعو الحاجة. وهناك رأي آخر يدعوإلى هيئة قيادية (سداسية) تتمثل فيها كل اطر المعارضة القائمة راهنا، وتشكل هذه الإدارة لجنة متابعة تكون هي الإدارة السياسية اليومية لقوى المعارضة، على أن تكون القوى نفسها في الإطارين.

وهناك رأي ثالث يقول بعقد مؤتمر وطني عام للمعارضة يضم الجميع ويقر الوثيقة السياسية وتنبثق عنه لجنة متابعة موسعة تتمثل فيها القوى الأساسية الثلاث في المعارضة، إضافة إلى «اللقاء الوطني» و«تحالف الأحزاب» ممثلا بطلال ارسلان، والقوى الإسلامية ممثلة بفتحي يكن، و«المردة»، و«الأرمن»، لكن بين كثرة الطباخين وتضارب الصيغ والاقتراحات يبقى الوضع في المعارضة على حاله، من تنسيق وتشاور ثنائي او ثلاثي، وتبقى معه أصوات الاعتراض على ما يعتبره البعض تجاهلا وتهميشا، خصوصا أن احد أهم المعابر نحو تأطير قوى المعارضة هو انها تقتضي رسم ادوار واحجام لحشد من الطامحين إلى مواقع وادوار.

تنشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية

بيروت ـ عدنان الساحلي