لم تنقطع المساعي، ولو اليائسة، لإجراء نوع من الاتصال بين القيادتين السورية والسعودية، لمعالجة الاشكالات القائمة بين البلدين بما ينعكس إيجابا على الوضع اللبناني، ويؤدي إلى نوع من الاتصال اللبناني اللبناني يسهم في تحقيق بعض التفاهمات التي تشكل مداخل لإيجاد التسوية المنشودة المؤدية إلى انجاز الاستحقاق الرئاسي المعطل منذ أكثر من خمسة أشهر، لتعذر التوافق على حلول شاملة للازمات التي تعتبر اشكاليات جوهرية حول كيفية إدارة الدولة بالشراكة الحقيقية بين طرفي الأزمة: الموالاة والمعارضة.

وفي آخر المحاولات التي تنتظر ردودا من طرفي معادلة «س - س»(السعودية وسوريا) عرض قدمه احد الزعماء السياسيين المحايدين بالتدخل لمعاودة اتصالات سبق وقام بها منذ أشهر قليلة بين الجانبين، وتوقفت وقتها لأسباب كثيرة عربية ولبنانية، وأبدى الجانب السوري استعداداً لتسهيل مهمة هذا القطب السياسي الذي تعهد بإجراء اتصالات مع احد كبار المسؤولين السعوديين المقربين من الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتقديم مقاربات جديدة للازمة السورية السعودية. ويفترض ان يبدأ هذا التحرك في أقرب فرصة،ان لم يكن بدأها فعلا بصمت وسرية تامين.

الا ان هذه المساعي غير مرتبطة بتفاصيل التجاذب الداخلي القائم، حول مسائل الخلاف الداخلي، ليقينه انها قابلة للحل إذا أمكن التوصل إلى تفاهمات كبرى سورية سعودية، فيما يرى هذا الزعيم أن مهمته ليست سهلة نظرا لوجود تداخل دولي كبير يعرقل أي مساع لحل الأزمات العربية واللبنانية القائمة، ومع ذلك قال انه سيقوم بمسعاه، ولو اصطدم بمواقف معرقلة دولية وداخلية، ما يدفعه إلى وضع الجميع أمام مسؤولياتهم بعرقلة الحل في لبنان.

وبغض النظر عما يمكن أن يحققه، فإن تنامي الشحن الداخلي على كل المستويات خلال الأسبوعين الأخيرين، أكد حدة الفرز السياسي ووقوف طرفي الأزمة على ضفتين متباعدتين كثيرا، لم تعد تنفع لتقريبها أي مساعٍ داخلية، ما لم تتغير بعض المعادلات السياسية الإقليمية والدولية، وهو ما دفع إلى عودة الرهان على تحرك عربي جديد محوره الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي يتردد في التحرك حتى الآن لمعرفته بحجم التعقيدات الإقليمية والدولية الكبيرة، والذي ينتظر نتائج اللقاءات الإقليمية المرتقبة ومنها لقاء الكويت العربي الدولي اليوم الثلاثاء المخصص أساساً للوضع في العراق وسيبحث جانبيا في الوضع اللبناني، والذي بدأت بعض القوى المحلية المقربة من الأميركيين الرهان عليه ليكون احد عوامل الضغط على سوريا والمعارضة، بينما يفترض ان يكون هدفه تهدئة الأجواء في المنطقة لإيجاد معالجات للازمات الخطيرة القائمة امنيا وسياسيا.

ويبدو من الحركة الداخلية القائمة منذ أيام أن ثمة اتجاها لقلب المعادلات والتوازنات الداخلية ولو بالشكل، تواكب محاولات قلب المعادلات والتوازنات الإقليمية، من اجل تحقيق عوامل ضغط إضافية على المعارضة ولا سيما على «التيار الوطني الحر» الذي يتزعمه الجنرال ميشال عون، بما هو عصب الثقل المسيحي في المعارضة، وذلك من خلال التحركات التي تقوم بها البلديات والهيئات المنتخبة في عدد من المناطق، والتي بدا واضحا أن معظمها بتدبير من تيارات كبرى في الموالاة، لا سيما في مناطق انتشار مختلطة بين قوى الموالاة والمعارضة بشقيها المسلم والمسيحي خاصة في البقاع الأوسط.

ومع خروج عدد من النواب من المحاور الداخلية القائمة، إذ بلغ عددهم نحو ستة نواب، عدا ثلاثة أو أربعة خرجوا من محور ليقتربوا من محور آخر ولو بالموقف السياسي، فإن اللعبة الداخلية مقبلة على نوع من الفرز الجديد لتشكيل قوى ضغط ثالثة نيايبا وشعبيا.

وفي هذا السياق تقع حركة النائبين ميشال المر وبطرس حرب، فيما يشكل الرئيس حسين الحسيني والنائب د. بهيج طبارة منذ أشهر طويلة حالة خاصة بعيدة عن كل اجواء الاستقطاب الطائفي والسياسي، ويشكل النائبان الدكتور بيار دكاش وعبد الله حنا حالة خاصة مسيحية أيضا، ويقف النائبان روبير غانم وعاصم عراجي موقفا وسطيا، بينما خرج نائب عكار مصطفى حسين من مكان إلى مكان هو أقرب إلى المعارضة، فيما يبقى التكتل الطرابلسي ونواب الأرمن «بيضة القبان» في نتائج هذه الاستقطابات.

ويبدو ان محأولات الاستقطاب الجديد ستحاول ان تركز على بعض هؤلاء النواب، ما يعيد خلط الأوراق في المجلس النيابي لجهة تموضع القوى بشكل جديد، بما يمهد للحركة والمعارك السياسية المقبلة، المرتبطة أولا بما قد يصبح النصاب الجديد المطلوب للجلسات وللتوجهات أيضا، وما يمهد للمعركة الانتخابية المقبلة ان حصلت العام 2009. عدا عن ان هذا التموضع النيابي الجديد متصل بشكل أساسي بمعركة رئاسة الجمهورية، التي ما زالت قائمة وتحتاج لتكوين محاور جديدة داخل المجلس وخارجه تنتظر الوقت الملائم لتظهر تأثيرها، سواء في معركة الرئاسة أو معركة إظهار الأحجام السياسية والشعبية.

تنشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية

بيروت ـ غاصب المختار