منح الصديق نقيب الصحافيين اللبنانيين رشيد درباس لقب «بيدبا» الفيلسوف، لسياسي لبناني في عقله الكثير من فضائل الصيغة اللبنانية وفي ضميره الأكثر من المسؤولية تجاه ابتكار وسائل حديثة سياسية لإنعاش هذه الصيغة. منحه اللقب بعدما سمع منه ما جعله يقتنع بان الجهد المطلوب لعودة العروبة إلى أهلها يكفيه مقالان بقلم عروبي شمالي فيهما من البلاغة ما يجوع اللفظ ويشبع المعنى. المقال الأول فيه إفراط في التأكيد على عروبة جمهور الشهيد رفيق الحريري، مع اعتذار مبطّن لانجراف النقيب درباس مع التيار الهادر بلبنانيته طوال السنوات الثلاث الماضية التي تلت اغتيال الرئيس الحريري.
أما المقال الثاني فجاء ردا على ما كتبته منذ شهر بعنوان «فلسطين دائما... فماذا عن لبنان؟». تحفّظ النقيب درباس في رد نشرته «السفير» آنذاك، تحفظ درباس على اعطاء صفة «اللبنانية العدائية» لقوى «14 إذار» باعتبار «أن طبيعة التكوين السياسي والاجتماعي لفريق الموالاة ينفر من الرضوخ للتعميم»، وان التزام هذا الفريق لهذه الصفة أتى تعبيرا عن عصبية المأزق الذي يعيشه لبنان وفقدان الدولة لمقومات وجودها وممارسة مؤسساتها الدستورية دورها ولو تدريجياً.ثم افترض في ردّه انني قصدت أن أقول ان فريق «14 إذار»يحاول أن يلوي الحقائق الجغرافية والسياسية وان يقفز فوق هوية الأرض والانتماء، ولكنه سيفشل في ذلك بحسب قول درباس.
أخيرا يرفض في ردّه ما سلمت به من أن التسوية الداخلية غير واردة ما لم يحن الأجل الإقليمي، لأنه يرى أن المشاريع الإقليمية لا تستطيع الانتصار في لبنان وبالتالي على أهل «الشرعية» وفريق «المشروع» من اللبنانيين اللقاء على دولة تستطيع أن تؤلف بين التنمية والأمن والانتماء.
سافرت إلى السعودية بعد نشر الرد في مهمة لم تكتمل فصولها بعد، وغرقت في قراءات وكتابات عن المملكة أردت أن تكون معبّرة عن التغيير في الأسلوب السعودي السياسي وعلاقة المملكة بمعالجة مواقع الأزمات في الشرق الأوسط. لأخلص إلى انني وجدت لدى النخبة السعودية رغبة بما يريده خادم الحرمين الشريفين صادقاَ من إقدام على مواجهة سياسية في هذه المواقع، تجعل خصوم سياسته الداعية إلى الاستقرار ينتظمون في الجلوس إلى طاولة حوار أو حوارات متعددة الاتجاهات في سبيل تحقيق هذا الاستقرار.
لم يكن بالإمكان آنذاك فصل الإقليمي عن المحلي ولا الوطني عن العروبي بصرف النظر عما إذا كان الإقليمي خصم أو صديق أو والوطني عدائي أو متسامح.
ـ ـ ـ
قرأت في الصحف خلال الأيام القليلة الماضية العديد من الأنباء عن إيران. أهمها ما جاء على لسان شيرين عبادي الناشطة الإيرانية في قضايا حقوق الإنسان والحائزة على جائزة نوبل للسلام في العام 2003.
سخرت عبّادي في محاضرة القتها في إحدى الجامعات الأميركية، من السياسة الأميركية تجاه بلدها إيران، وتناولت بالاسم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بسخرية لاذعة، ولم يسلم من كلامها وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد رغم مغادرته لموقعه الرسمي. الأهم انها عبّرت بوطنية خالصة عن حق بلادها بمنشآت نووية سلمية تحقق خدمات أساسية في حياة المواطنين بكلفة متدنية. تجاوزت عبادي ما رددته في محاضراتها عن ما تتعرّض له الحريات العامة السياسية والاجتماعية في إيران من تضييق إلى حد ملاحقة أهل الرأي ووضع الحكومة قيودا على ترشح من لا يماشيها في سياستها للانتخابات.
تجاوزت كل هذه الوقائع التي نالت من أعلى جائزة دولية للسلام بسبب مواجهتها العلنية والصريحة لسياسة الدولة. وتحملّت وأهلها بسبب مواقفها هذه لسلسلة تهديدات بالقتل. تجاوزت كل هذه الوقائع وتناست التهديدات التي تأتيها في معظم الأحيان من رجال النظام لتضع خطاً واضحاً بين ما تقاتل النظام في سبيل تغييره وبين موقفها من اجماع وطني إيراني على دولتهم بالوسائل النووية السلمية باعتبار ان هذا الأمر يحقق التقدم لبلادهم في العديد من المجالات العلمية والإنسانية.
شيرين عبادي ليست وحدها في هذا الموقف من رموز الإصلاح أو من عتاة المعارضة الإيرانية. ذهب الرئيس خاتمي في السنة الماضية إلى الاسكندرية محاضرا في مكتبتها العامة على الحوار بين الأديان.
وكان واضحا لمن تتبع تصريحاته ومواقفه العلنية أن السيد الهادئ المبتسم دائما، خرج عن تحفّظه التاريخي ويقوم بتعبئة متراكمة يدعو فيها من هم على سياسته وطريقته إلى ان يتصدوا للحكومة الإيرانية ولرئيس الجمهورية أحمدي نجاد، باعتبار أن سياستهما لا تطبق على انفاس الناس فقط فتمنعهم عن الموقف السياسي وعن السلوك الاجتماعي ما لم يكن متطابقا في السياسة مع رئيسها وحرسها الثوري.
ذهب إليه صديق مصري مشترك يعمل في مجال الاستثمارات ويحرص على تنوّر عقله. ذهب إليه محاورا حيث كان يقيم اعتقادا منه بأنه سيسمع من خاتمي ما يرضيه عن سياسة الدولة الإيرانية بأجهزتها القضائية والسياسية والادارية وبخاصة الاقتصادية.
وجد رجل الأعمال المصري بالسيد خاتمي انه أكثر تفصيلا في الحديث عن معاناة الشعب الإيراني حتى الوصول إلى كلفة الانتشار الخارجي للأحلام الإيرانية، وانه وان كان متمهلا في حديثه بالعربية بحثا عن النص الدقيق لما يريد قوله، فان السيد خاتمي لا يترك ملفا إيرانيا في حديثه إلا ويجد فيه من العيوب والنواقص ما يجعله في مقدمة الاعتراضيين.
إلى أن تطرّق الحديث إلى المسألة النووية. اظهر خاتمي عندها «وطنية خالصة» في الدفاع عن حق بلاده بهذا السلاح السلمي ليس من أجل التقدم العلمي والخدماتي بل لأن لهذا السلاح قيمة معنوية لدى الشعب الإيراني لا يجوز لأحد ان يتعرّض لهذا الحق ولا حتى ان يعترض على أكلافه. مهما كلّف ذلك من صمود وعض على جراح الحاجة الاقتصادية، ومهما تعرّضت إيران إلى ضغوط دولية لردّها عن هذا الحلم.
مسؤول إيراني سابق حرص في حديثه معي في لبنان على قول ما لم اتوقّع أن اسمعه منه. قال إن الشعب الإيراني لا يملك «حساسية» قيادته تجاه «العدو الإسرائيلي» وان رفضه لكلفة هذا الالتزام السياسي غير المبرر شعبيا وصل إلى حد لا بد من توقع نتائجه قريبا. إذ ان الشعب الإيراني لم يعد مقتنعا بأن الشعارات السياسية تكفي لتحمّله ضغوط المجتمع الدولي عليه مما جعل من عدد فقرائه يزداد إلى مستويات مخيفة.
إلى هنا والكلام طبيعي ـ على حدته ـ من سياسي همّش هو وجماعته وسياسته بعد سنوات طويلة من تجربة الحكم. وصل الحديث إلى السياسة النووية الإيرانية واكلافها السياسية والمادية. تغيّرت عينا الرجل وارتفع صوته بحيث صار مسموعا في دائرة تتجاوزني وإياه، ليقول هذا الأمر خط أحمر بالنسبة للإيرانيين وهو منهم، ليس بسبب الفوائد التي يمكن أن يحققها هذا المشروع للمجتمع الإيراني، بل لأن هذا شأن قومي يعيد لإيران الكثير من حقوقها المعنوية وقدرتها على النهوض كدولة كبرى من جديد. بصرف النظر عن الجوار العربي أو المفاوض الأوروبي أو الخصم الأميركي.
عبّر السياسي الإيراني عن رأيه النووي بوطنية خالصة لا تردّد فيها ولا تمهّل ولا حتى ترك هامش في النقاش لمعارضة السياسة النووية الإيرانية.
الخبر الأخير جاء من واشنطن حيث قالت مسؤولة في وزارة الخارجية الأميركية ان محادثات غير رسمية جرت في السنوات الخمس الماضية بين مستشارين سياسيين وأكاديميين إيرانيين ومثلهم من الجانب الأميركي في عدد من عواصم العالم. لم توضح المسؤولة الأميركية ماذا حققت هذه المفاوضات. ورفض الجانب الإيراني الرد على أسئلة عن هذه المفاوضات.
قد يأتي من يقول إن «الوطنية النووية» للناشطة الإيرانية شيرين عبادي تنبع من تشبّعها بآلاف السنوات من التاريخ الإيراني وبعراقة الحضارة الإيرانية وبتألق علماء الفرس في المجالات العلمية واللغوية والفلكية.
وقد يضيف القائل بإن موقف خاتمي وتجاوز المسؤول السابق الإيراني لكل نصوص معارضته حين يأتي الحديث إلى السياسة النووية الإيرانية يأتيان من اجتهاد للأمام الخميني يطلب فيه من مقلّديه أن يقدّموا مصلحة الدولة على المبادئ في حال تعارضهما.
بينما يمكن تفسير المفاوضات السرية الأكاديمية الأميركية ـ الإيرانية لمدة خمس سنوات من باب الضرورة، التي فيها تخفيف الضرر وليس من باب الرغبة التي يراد منها تحقيق الأماني.
رغم كل هذه التفسيرات المحتملة فلا يمكن اعتبار ما يرد على لسان المعارضين الإيرانيين على اختلاف توجهاتهم ودرجة معارضتهم. لا يمكن اعتبار موقفهم من السياسة النووية الإيرانية إلا وطنية صرفة لا يهمها رأي الجار العربي ولا الشقيق المسلم ولا المفاوضين المقيمين في أرض الكفر.
ـ ـ ـ
في سوريا يمكن لك بسهولة أن تجد بين المعارضة من يريد أن يرفع سقف شعاراته إلى تغيير النظام لا إصلاح سياسته. وستجد لدى المواطنين السوريين روايات لا تنتهي عن المظالم التقليدية في نظام يضع الأمن فوق كل اعتبار.
لكنك لن تجد مواطنا سورياً لا في المعارضة ولا بين جموع الناس، من يقبل بالتخلي عن وطنية في تحرير الأرض المحتلة من العدو الإسرائيلي. إذ ان تحرير الجولان المحتل ليس هو نبع المشروعية الوطنية للنظام فقط، بل هو أيضا موئل الوطنية السورية ومهدها ولحدها أيضا.
حفلت التسريبات بأنباء عن مفاوضات تجريها الحكومة السورية بشكل غير رسمي وغير معلن مع الحكومة الإسرائيلية ممثلة بدبلوماسيين متقاعدين لمدة أربع سنوات. فلا تجد من يمعن في الاعتراض من السوريين على هذه المفاوضات، باعتبار انها قد تؤدي إلى تحقيق الوطنية السورية المتمثلة بتحرير الأرض.
يجمع السوريون على حقهم في عنوان التحرير لوطنيتهم، ويلتفون بجموعهم حول نظامهم حفظا لمسيرة العنوان الوطني أكثر مما هو إعجاب بالتقدم الذي حققه هذا النظام للشعب السوري في مختلف مجالات حياته.
يلتف السوريون بعاطفتهم حول نظامهم حين يسمعون من لبناني أو عربي أو مرجع دولي، يتعرض للسياسة السورية باعتبار أن هذا التعرّض يطال «الوطنية السورية» العاملة سلبا أو ايجابا على شق طرقات الشقاق أو الوفاق في سبيل عنوانهم الوطني.
يتجاوزون معارضتهم -ما عدا قلة- حين يتعلّق الأمر بتحرير الأرض ووطنية الشعب. ويبدون استعدادا منقطع النظير للرد على القسوة بأقسى منها، لان قسوة الخصم ولو كان فردا تطال من «الوطنية السورية» وحشوة الدولة المركزية في مواجهة منطق الخصم الفرد مبررة طالما انها تحمي مسيرة تحرير الأرض.
مهما كان رأي المعارضة السورية أو اللبنانية لهذه السياسة الشعبية والرسمية السورية، فانها تندرج تحت عنوان «الوطنية السورية» التي لا يحق لغير من في داخلها الاعتراض على سياسة تحمل الشعار، بصرف النظر عن سلامة الوسائل المستعملة لتحقيق هذا العنوان الوطني.
يقول احد الخبراء في العلاقات اللبنانية-السورية «إن سوريا تعوّدت اقلّه حتى قيام عهد حافظ الأسد في 1970 ان تنفي ذاتها ونؤكد أنها خطوة على طريق وحدة أكبر. هكذا ألحّت، وهو غير مألوف في الدول، على تذويب نفسها مطالبة بوحدة اندماجية مع مصر فتحوّلت إلى إقليم في جمهورية متحدة، وحين انهارت الوحدة أسّست جمهورية عربية سورية سمتها منذ وصول البعث إلى السلطة في 1963 (قطراً)، وهو ما جعل سوريا تبدو أقرب إلى وظيفة في خدمة العروبة المتخيلة منها إلى بلد.
فهي تصمد وتتصدى وتحبط وتواجه أكثر بكثير مما تتحدّث عن تعليمها وطبابتها واقتصادها وإنتاجها. وهي إلى هذا لا تكف عن تنبيه الاخوة الصغار إلى واجباتهم في حق أنفسهم. وبالمعنى هذا فان سوريا كلما تواضعت في تمثيلها الوطني تعالت في تمثيلها العقائدي القومي، ما يجعلها ناطقا بلسان الكل والمطلق قياسا بالآخرين الذين ينطقون بلسان الأجزاء».
في الجزائر أيضا تستيقظ الوطنية فقط حين تكون على الطاولة خريطة الصحراء المشتركة مع المغرب واسبانيا. فلا يتحرّج الجزائريون من صرف مليارات الدولارات على التسليح لتأكيد «وطنية حصتهم من الصحراء» في مواجهة الشقيق المغربي. ولا ترتبك القيادة الجزائرية من الانسجام مع الموقف الاسباني المضاد للمغرب.
ولا يتورّعون عن دعم حركات انفصالية داخل الصحراء دعما لوطنيتهم الصحراوية صغر حجمها أو كبر. جلّ شأنها أو صغر. حقق منها الشعب الجزائري فائدة أم دفع أثمانا باهظة لسلبيات العمل على استعادتها من المغرب.
ـ ـ ـ
إلا في لبنان. حين يأتي لبناني على ذكر وطنية يحاط بهالة من الاتهامات تجعله يتمهّل في تأكيدها دون أن يرفقها بصفات أخرى مثل العروبة والإسلام، ويحتار في تقديم أي من الصفات على الأخرى بحسب السامع ربما. لا يحلل المعترض على هذه الصفة ولا يحرّم ويتعامل مع وطنية الآخر باعتبارها سلاحا هجوميا على عروبته أو على إسلامه.
حين أعلن جمهور رفيق الحريري في تجمعه الأكبر في تشييع الشهيد ورفاقه أولا ثم في تظاهرة «14 آذار»، حين أعلن وطنيته اللبنانية. جاءه الرد فورا بالتحية إلى سوريا قائدا ونظاما وشعبا.
لم تأخذ المعارضة في حينها ولا في أي حين، سخونة الدم المرمي على الأرض فعليا وسياسيا، ولا وجدت في الوطنية اللبنانية المعلنة ولو جانبا من مفهوم مشترك يبنى عليه حين تبرد الرؤوس. بل استمرت في سياستها الرافضة لهذه الوطنية باعتبارها جزءا من المشروع الأميركي الجديد الذي يسعى إلى وطنيات بدلا من قومية جامعة.
لم يعد من فضل أو ميزة لأحد الحديث عن ارتكابات السياسة السورية في لبنان. لكن انتفاء الفضل لا يمنع طرح السؤال عن مدى سلامة العروبة في هذه السياسة في لبنان تاريخيا ولغاية الآن.
كيف يمكن لعروبة من يختلف معها بحق الحوار ويكون الرد دائما بالاتهام بالتآمر لصالح سياسة أميركية فاشلة ليس لمجنون ان يربط سياسته بنتائجها فكيف بعاقل.
اختار سعد الحريري عنوانه السياسي الثابت «لبنان أولا». فسمع من المعارضة اللبنانية ومن غيرهم في سوريا من الكلام والهجوم مفترضين أنه سيرّده عن وطنيته.
صحيح أن الزعيم الشاب ابتكر الشعار واعتمده، و بهذه السياسة عبّر عن جمهور أوسع بكثير من طائفته وأصلب بمراحل من عصبية والده السياسية قبل استشهاده.
من منّا ـ نحن اللبنانيين ـ لا يزال يعتقد أن عروبته تتمثل في السياسة السورية داخل وخارج لبنان ؟
إن سوريا تعتمد في سياستها ميزان مصالحها وعنوانها الوطني مهما كلّف ذلك من أعباء يتحملها غير السوريين. فلماذا استغراب رغبة اللبنانيين الجامحة والمنتشرة في وطنيتهم غير المعادية للعروبة، ولكن بمفهوم حديث يأخذ في عين الاعتبار الحاجة إلى الاستقرار في نظام ديمقراطي ترعاه دولة. لا سياسة أحزاب أياً كان هدفها ومهما كانت قداسة قضيتها. ليس للعروبة المعتمدة هذه الأيام أن تحقق تقدما في مجتمعات منقسمة حول عناوينها الوطنية، فكيف بلبنان الذي يحقق مجتمعه من الانقسام أرقاما قياسية ومتجددة.
ـ ـ ـ
عاد الحوار السياسي في الأسبوع الماضي إلى ما يشبهه من شهر فبراير في العام 2005، حين كانت المفردات الوطنية اللبنانية تنتشر عالية الصوت بين جمهور هو الأكبر في لبنان ولو غاب بعضه عن التظاهر. بينما رأى آخرون في المعارضة ان هذا الوقت هو الوحيد المناسب لمبايعة القيادة السورية.
يطرح حزب الله قضية الضباط الأربعة الموقوفين على ذمة التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الحريري، باعتبارها قضية سياسية. ويعتبرون إعلان الموالاة على ضرورة استمرار توقيف الضباط اتهاماً سياسياً ولغة ثأرية وتصفية حسابات سياسية، ثم يطالبون الموالاة بالتقدم إلى الرأي العام بالأدلة الاتهامية التي يستمر اعتقال الضباط على أساسها.
يستدرج هذا الرأي إعادة تحديد الأولويات في النقاش حول هذا الموضوع. باعتباره جزءا أساسيا من «الوطنية اللبنانية»الحديثة.
أولا: لم يكلّف الحزب خاطره السياسي بالتوجّه إلى القضاء بمطالبه التي لا يفهم منها إلا اعتبار الموقوفين من خطه السياسي وبالتالي فإن احتمال إدانتهم لاحقا - ولو احتمال إدانة لبعضهم على الأقل- يحمّل الحزب جزءاً من هذه الإدانة. فهل يريدها ؟
ثانيا: ليس واضحا ـ لي على الأقل- ما الحكمة من فتح هذا الملف على أبواب صدور القرار الظني في قضية الاغتيال، وبعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة تشكيل المحكمة واتمام إجراءاتها الإدارية. فمن انتظر سنوات يستطيع أن ينتظر شهوراً لكي يتحقق مما يدعو اليه. الا إذا كان وراء الدعوة لإطلاق سراح الضباط هدفا أو أهدافا تتعلّق بطبيعة دورهم وهذا اجتهاد لا مبرّر لاستثارته بكلام سياسي من الحزب.
ثالثا: التعامل في مسألة اغتيال الرئيس الحريري ببساطة الخصومة السياسية يستفزّ ويستنفر مجموعة كبيرة من القوى السياسية والدينية والمذهبية أيضا. فهل هذا ما يسعى إليه الحزب؟
هذه مسألة قضائية شارفت على نهاياتها فلماذا لا نصبر قليلا بعد أن انتظرنا طويلا، ونتعامل مع هذه القضية بمسؤولية وطنية وأخلاقية دون تبرئة ولا ادانة سياسية كما جاء في بيان سعد الحريري. ام ان ميزان الانقسام الوطني الذي اعتمد في العام 2005 لا يزال على غيّه ؟
رابعا: مهما كان الكلام عن ضغط السياسة على القضاء في قضية الاغتيال فإن القضاة المعنيين بهذا الملف وعلى رأسهم مدعي عام التمييز سعيد ميرزا، يحققون إجماعا لبنانيا على نزاهتهم القانونية والشخصية ولا يمكن اتهامهم باتخاذ قرار التوقيف افتراء وتعسفا فقط لا غير.
هذا لا يعني أن الحكومة ورئيسها اصابا في الرد على المرجع الدولي في جنيف المعترض على استمرار توقيف الضباط، فهذا الأمر مهمة القضاء ووزير العدل وليس وزارة سياسية مختلف على شرعيتها الوطنية.
عودة إلى «الوطنية اللبنانية». ليس في الإمكان ولا مطلوب إحداث إجماع عليها بل الاحتكام إلى نصوص مشتركة تفتح الباب أمام حوار داخلي حين يحين وقته.
يصف حازم صاغية لبنان «بأنه منذ أن ولد نرجسي يباهي بنفسه وقد يكون أكثر الشعوب تردادا لاعجابه بذاته من قبل شعرائه ومغنيه ورموزه حتى الفلكلورية منها. يكاد لبنان في نظر ايديولوجيته غاية قائمة بذاتها. ولأنه صغير وضعيف نراه يمتنع عن وعظ جيرانه ما خص واجباتهم تجاه انفسهم. يقف طموحه عند مطالبتهم بالعزوف عن التدخّل في شؤونه».
ـ ـ ـ
بعد كل هذه الوقائع عن «الوطنية اللبنانية» وشقيقاتها بين العرب والمسلمين هل كثير على اللبنانيين ان يكون لديهم «وطنية عدائية» ولو حماية لنشوئها ؟
نهاد المشنوق
(ينشر بترتيب خاص مع «السفير» اللبنانية)

