في ليالي ونهارات تلك السنوات، كان المعدن ثقيلا وباردا جدا.. تحت أشعة شمس يومية، وتحت وابل سماء ماطرة، كانت البرودة نفسها. تمنوا أن يهدأ كل شيء أو يتوقف.. المطر، الحر، الشمس، حروب الشوارع، رصاص القنص، الاجتياحات، النفايات المتراكمة، الزجاج المتساقط، الدمار، كل شيء.. علهم بدورهم يتوقفون للحظات عن اللحاق بصورهم.

يأخذون نفسا بين مطاردة نار متصاعدة من الانفجارات، ودخان رصاص. علهم يتوقفون عن ملاحقة مقاتل، أو جموع أمام أفران الخبز، أو جثة، أو جريح. وعلّ أحذيتهم تجف من دماء تراكمت لتشكل خليط بقعٍ من كل الشوارع. زادوا مصداقيتنا بكلام نقرأه. وضعوا الصور أمامنا وقالوا لنا «خذوا، إليكم الحقيقة».هذا ما يتحدث عنه كل من نقيب المصورين في لبنان ورئيس قسم التصوير في وكالة «رويترز» جمال السعيدي، والمصور في «الوكالة الفرنسية للأنباء» جوزف براك. لدينا صورهما لتحكي لنا، ولكن لديهم ما يحكيانه.. لديهم ما يقولانه عن تجربة شخصية دفعتهما للصمود وراءها.. تلك الباردة والثقيلة التي تشبه السلاح بالبرودة والثقل ولا تشبهه بأي شيء آخر... تلك «الكاميرا» التي تجمد الزمن مقابل سلاح يجمد الحياة.

لاحقا حرباً.. ولاحقتهما

تغير الحرب كل شيء. تغيرنا، وتغيرت أحلامنا، وأول ما تنسفه من جذوره هو تفاصيلنا. هكذا رسمت حياتهما بطريقة مختلفة. من هاويين للتصوير إلى مطاردين لصور الحرب. لا احد يدري إن كانا يلاحقان الحرب أم كانت تلاحقهما.

يقول جمال: «كنا نعرف أن صورتنا هي وسيلتنا لإظهار الوضع المزري في الداخل، ونكسب عبرها دعم المنظمات الأهلية في الخارج»، صوّرا، طوردا، خُطفا، خاطرا ولزما المهنة، «لأن في تلك الأوقات تُسلب كثرة الخيارات.. ونواجه أنفسنا بأكثر ما نحب، فكان التصوير».

حب جمال الأول كان لصور جميلة: للطبيعة، للشمس، للسماء وللفتيات.. ثم غطت السماء غيوم من نوع آخر.. كان في سن السابعة عشرة وهو «يتساير» مع صوره الأولى، لم تعطه الحرب الكثير من الوقت للتمرن. في 1977 أصبح مصورا لجريدتي النداء والأنباء، «وضعت في الواجهة.

فصورت فورا أحداثا أكبر مني، من اغتيال كمال جنبلاط، جنازته، ثم الاجتياح الإسرائيلي 1978 ثم 1982 إلى الآن.. كنت خائفا، لا أعرف كيف أدخل إلى المشهد أو أنسحب منه، ولا أين أقف». كان الزملاء الأقدم هم ملجأ جمال لنيل مزيد من الخبرة، تحديدا جورج سامرجيان، صالح الرفاعي، عبد الرزاق السيد، وزهير سعادة. ولاحقا أصبح جمال مصورا لوكالة «اسوشيتد برس»، ثم «رويترز».

طوال فترة عمل جمال، كان سؤال يشبه هذا ينال منه دوما: أين ذهبت الوجوه الجميلة لتقف أمام الكاميرا؟ الثياب الملونة؟ الحدائق كخلفية؟ قليل من الابتسامات؟ كان الحلم ممكنا ولكن ليس الآن. ليس عندما تكون قرب انفجار يكاد يقضي على حياتك. حدث هذا في العام 1980 أثناء انفجار سيارة استهدفت مكتب المقاومة الفلسطينية ومكاتب الحركة الوطنية في شارع عفيف الطيبي في الطريق الجديدة. يومها سقط أكثر من مئة شهيد وجريح، وجمال أصيب في رقبته وصدره وعولج لمدة شهر في المستشفى.

أما جوزف فيسأل نفسه: «لماذا كنت هناك وكيف؟ هل فكرت إن كنت سأخاف؟ هل خفت؟» لا ادري.. بعيدة الأجوبة عنه الآن، ولكنها تعود مع كل صورة.. مع تذكر أن هذه الحرب أخذت شقيقيه، ريمون بعمر 17 الذي استشهد برصاص قنص في العام 1976، وإيلي وهو في خدمة الجيش في العام1990.

الحرب نفسها هي التي رمته في حضن التصوير الصحافي منذ العام 1982، مع بدء الاجتياح الإسرائيلي على لبنان.. يومها كان جوزف يتأمل وجوه الجنود الإسرائيليين، ويخشى أن تهرب هذه اللحظات منه، ولا يملك منها صورة، فاشترى كاميراته الأولى بألف ليرة لبنانية.

كان عندها يعمل مخرجا في جريدة البيرق والأحرار، ثم بدأ التصوير. كانت صحف ومجلات عدة تشتري صوره، منها «الأحرار، البيرق، ماندي مورنينغ، رُيفي دو ليبان». بعد سنتين أصبح يصور لوكالة الأنباء الفرنسية أيضا، وتفرغ للعمل لديها في العام 1986.

اليوم والأمس

الحرب وراثة، الوجوه تتغير، أوجه الناس في الشارع اختلفت، هؤلاء أناس جدد في المناطق نفسها. ولكن لم يتغير شيء إذا. اشتباكات مار مخايل، أحداث الجامعة العربية، رأس النبع.. كل هذه أسماء أماكن ارتكبت فيها اشتباكات مؤخرا، ولم يصعب ربطها بصور الماضي. «لم احتج إلى كثير من الوقت لأعيش الحرب اللبنانية مجددا، كنت منذ أشهر عند مار مخايل، ارفع آلتي وأصور وأصاب بلغط زمني. ظننت أني عدت سنوات إلى الوراء» الكلام لجمال.. يكرر مقتنعا: «ما أشبه الحاضر بالأمس».

«هل نعود أحياء؟»

بين الماضي والآن اختلاف أساسي على صعيد التقنية، ولكن التكتيكات على الأرض ذاتها. يقول جوزف أنه «عند أي اشتباك الآن عدنا لنتحرك كما كنا نفعل في الماضي، مجموعات من المصورين، ندعم بعضنا ونغطي ظهور بعضن».

في بيروت «الغربية» كانوا ينقسمون مجموعات تضم كل منها أربعة أشخاص، يتنقلون بسياراتهم الخاصة. يخرجون في مهماتهم ثم يعودون إلى اللقاء في مبنى جريدة «السفير»: «كانت السفير آمنة إلى حد ما» لو كان لدى جوزف ثقة انه سينجو وسيلامس مستقبله «لكنت على الأقل ادخرت قليلاً من المال لهذه الأيام الصعبة». ولكن في ذلك الوقت ما كان يمكن التفكير بهذه الطريقة لأن وقتها كانت القيمة للحياة فقط، والمال ما كان ينفع لشراء أنفاس جديدة في حرب قائمة.

عن قتل يسبقهم

كانت المعلومات تتوافد طوال النهار حول المناطق الساخنة. وعند النزول إلى الشارع يلجأ المصورون إلى طرق عدة للوصول إلى هدفهم. كان الخوف من أن تسبقهم الجريمة، أن يسبق القتل كاميراتهم وكان يفعل. التنافس موجود لكن شرعي، وهو بتعبير آخر حسب جمال، «تنافس لجمع كل عناصر الصورة الناجحة: الدخان، النار، الدم، الصراخ، البكاء..» هذه عناصر إثارة مأساوية.

«المعابر» كانت كلمة السر عند جوزف. «هدفي الأول كان التواجد عند المعابر، كانت خبزي اليومي». والأمر كذلك بالنسبة إلى جمال، «التواجد عند مار مخايل، كاليري سمعان، شياح، عين الرمانة، وكثيرا عند رأس النبع ـ أشرفية».

أما عندما يبتعدان عن خطوط التماس، فكان جوزف يقتنص حياة الشرقية اليومية، أو اشتباكاتها الكبيرة. مثل انقلاب سمير جعجع على الاتفاق الثلاثي (وقعه إيلي حبيقة ونبيه بري ووليد جنبلاط في 1985). ولا ينسى الخوف الأكبر الذي كان يعيشه عدد من المصورين الذين اخترقوا بكاميراتهم خطوط التماس، وبحسب جمال، أكثر هؤلاء كانوا من مصوري الزميلة «النهار» إذ كانوا من الطائفة الارمنية غير المحسوبة على طرف دون آخر.

أما من التزم بمنطقته فكان يلتقي بزملاء الطرف الآخر في مناسبات سياسية، أغلبها تقع في مجلس النواب المؤقت في قصر منصور عند المتحف. أين كان الانقسام منهما؟ وأين كانت السياسة؟ جوزف يجزم انه كان هناك كره غير مبرر من عدد قليل من الزملاء بسبب الانتماء السياسي، ولكن «أغلبنا كنا نتجنب الحديث في السياسة..ونتلهى بأحاديث أخرى تتعلق بالمهنة الخطرة».

وجمال يرى أن «الانقسام السياسي لم يكن موجوداً بين المصورين، وان كانوا منتمين سياسيا لأي طرف فكان فهذا يبقى رأيا شخصيا، كنا نتبادل الصور عبر الدراجين، ونحصل منهم على أفلام جديدة». لا يقتل المصور الصحافي على الهوية، يقتل على هوية مؤسسته أو ترخيص الحزب المركون في إحدى الأجياب. وهذه كانت تختنق بالبطاقات.

اليمنى لترخيص من الحزب الاشتراكي واليسرى لترخيص من حركة أمل، أو اليمنى لترخيص من القوات واليسرى للجيش، أو بطاقة من القوات المشتركة وأخرى من السوريين.. كان من الأهمية بمكان أن لا يجد الحاجز أو المقاتل البطاقتين المضادتين مع مصور واحد وإلا كانت «علقة».

يتحرك المصورون تبعا ليوميات الحرب، لكل متراس بطاقة، لم يكن هناك مجال للاستخفاف بهذه اللحظات، فالأسئلة كانت تنهمر مثل انهمار الرصاص: «لمين بتصور ولا؟ مع مين أنت ولا؟» كان هذان السؤالان متوقعين كل لحظة مع كثير من الكلام البذيء.. والجواب يجب أن يكون مقرونا ببطاقة تثبت ذلك.

«لم يكن مقبولا أن نغضبهم أو نزعلهم.. زعلهم وسخ.. كنا بنظرهم تابعين لحدا بالضرورة، وكانت قاعدة المصور انه ليس من العقل مناقشة سلاح» هذه واحدة من تجارب جوزف التي أنقذته منها حلوى «البرازق» السورية. كان ذلك في حرب الإلغاء في 1990، بعد عودته من تغطية لزيارة مبعوث دولي في سوريا. عاد جوزف إلى بيروت محملا بالحلوى الشهيرة، زار شقيق زوجته في الأشرفية، وعندما وصل إلى الحاجز تذكر الحلوى وارتعب من أن يكتشف الحاجز ما بحوزته.

كانت ستؤكد وجوده في سوريا، وتقضي عليه بالتالي، «غير أن الله ستر». بعدها اتجه إلى الشمال لمقابلة زوجته التي تبيت لدى بيت خالها. أوقف عند حاجز «البربارة» من قبل السوريين. طلب الجندي أوراقه. هدده بالضرب. قال له إنه آت من سوريا علّه يفرج عنه لكن العسكري لم يصدقه، حتى تذوق «البرازق» ورأى بطاقة ترخيص من الداخلية السورية.

الأمور لم تكن دائما بهذه «السهولة»، فقبل هذه الحادثة بسنوات، تحديدا في العام 1984، كان جوزف يصور عند المتحف عندما خرج المسلحون من خلف متاريسهم، جذبوه وسرقوا آلة التصوير وسحبوا الأفلام. صرخ بأعلى صوته لقوى الأمن القريبة. حصلت مشادة بين الطرفين وجوزف بينهما. أخيرا استطاع الضابط في قوى الأمن آنذاك أشرف ريفي أن ينقذه عبر إصدار الأمر بحجزه في المحكمة العسكرية، ليظن المسلحون أنه اعتقل فيخلون سبيله، لاحقا أطلق ريفي سراح جوزف وأعاد له آلته.

للحرب حيلها والمصورون يخضعون لها. أهمها حب المقاتلين للتفاخر بأنفسهم. هؤلاء كانوا يشترطون على المصورين إبراز تراخيصهم، ثم التقاط الصور للمقاتلين والوعد بجلبها لهم لاحقا، قبل أن يسمحوا لهم بأداء علمهم. «هذا ما كنا نعتبره رشوة للمقاتل، نرضخ لطلبه، فيسهل لنا عملنا في الأيام التالية» يقول جمال.

وإن لم يكن اللجوء إلى هذه «الرشوة» ممكنا في سياق معين، كان يحصل أمر يشبه أحداث تلك الليلة مع جمال. ففي إحدى ليالي العام 1986 أوقف جمال عند حاجز لحركة أمل، «بينما المسلح يستجوبني، أرداه قناص المرابطين، رفاقه ظنوا إني أنا من قتله. نزلت تحت سيارتي وزحفت نحو 15 مترا فزحفوا خلفي.. اعتقلوني لساعات، هددوني، ولم يطلقوا سراحي إلا بعد أن أقنعتهم بأني أعرف رئيس حركة أمل الوزير حينها نبيه بري، وسبق أن صورته».

فيديو.. فوتو

في ذلك الوقت، كانت «الرهجة» الأكبر للتصوير الفوتوغرافي، وفي اليوم التالي كان الناس يهرعون إلى شراء الصحف، ولم يكن هناك إلا تلفزيون لبنان لحقته في السنوات الأخيرة من الحرب القنوات الأخرى. ماذا عن الآن؟ ماذا عن العلاقة والتنافس بين تصوير الفيديو والفوتوغرافي؟ «اليوم وفي ظل كل الفضائيات انسحبت صورتنا إلى الدرجة الثانية بالنسبة إلى الجمهور، لكن بالنسبة للتوثيق فما زالت صورتنا هي الأهم، وهي التي يمكن استخراجها والعودة إليها وقت أردنا وبطريقة أسهل».

هذا ما يوافق جمال عليه لكن يرفض مقولة إن الفيديو «غلبهم»، «ما زالت الصورة الفوتوغرافية بذات الأهمية، لأنها بلقطة واحدة يمكن أن تعبر عن قصة كاملة، وصورة واحدة على الصفحة الأولى تختصر تقريرا مصورا كاملا».

ويلفت جمال إلى أن الدليل على استمرار الاهتمام بالصورة الفوتوغرافية هو التطور الحاصل على صعيد آلات التصوير، والاهتمام الدائم والمتزايد بتحسين التقنيات، التي تساعد في تصوير الحروب والأحداث الكبيرة. الصورة الفوتوغرافية «خلقت الحرب على طريقتها، سكنت في وجوه الحزن وتعابير الناس وافتقادهم للسكينة، أعطتها حقها، عسى أن لا نتركها تفرض علينا مجددا». هذا ما يتفق عليه جمال وجوزف.

وإن عادت..؟

«لن أكون في الشارع ألاحقها»، يقول جمال. بكلمات أخرى «بالكاد سيحظى أحد بفرصة ليصور، الأمور متشابكة أكثر مما يمكن التخيل، ولن ادخل في تفاصيلها، لن أصور مقاتلين.. قد أصور مخلفاتها فقط». وإن عادت..؟ سيكون جوزف فيها، مجددا، كمصور طبعاً، «أمارس قناعتي التي مارستها وقتها، لأني أنتمي إلى صورتي، لا لأي شيء آخر، انتماء للصورة.

جمال يحلم بالوجوه الجميلة. جوزف يحلم أن «يلّحق يوم حلو». الاثنان يهابان صمتا جديدا للمدينة. صمت الماضي وصوره لم تهدأ حتى اليوم، ما زال في الواجهة، حتى بعد تغطيتهما مع زملائهما، أحداثا مختلفة منها الحرب على العراق والحروب الإسرائيلية على لبنان، التفجيرات في لبنان. في آذانهم جميعا أصوات كثيرة، لا يعرفون إلا أن يترجموها على شكل صورة تُرى. لكن المشكلة تبقى في أن ما رأوه في الحرب كان أكبر من أن يُجمع في عدسة، فجُمع في ذاكرتهم وعيونهم.. وهذه يريدوها أن ترتاح قليلا.

تحقيق جهينة خالدية - (ينشر بترتيب مع «السفير»)