برفقة وفد رسمي رفيع وطاقم إعلامي ضخم يضم أكثر من 80 صحافيا، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طرابلس الليلة قبل الماضية في زيارة نادرة تعد الأولى التي يقوم بها رئيس روسي إلى ليبيا في تاريخ العلاقات بين البلدين، ليحظى بحفاوة رسمية استثنائية.
وفيما قال الزعيم الليبي معمر القذافي إن سباق التسلح بدأ من جديد وإن الحرب الباردة لم تنته، منبها إلى أنه ليس من مصلحة السلام العالمي استفزاز روسيا باعتبارها قوة نووية، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ضرورة إصلاح أجهزة الأمم المتحدة لمواجهة هذه المشاكل.
وأجريت مراسم استقبال الرئيس الروسي في مقر العقيد الليبي معمر القذافي «العزيزية»، الذي كان قد وصل إلى مكان الاستقبال بسيارة غولف قبل دقائق من وصول الرئيس الروسي. وبعد ذلك التقى القذافي بوتين وتوجها إلى المنصة التي نصبت على خلفية منزل القذافي الذي تعرض في عام 1986 للقصف الجوي الأميركي. ونصب أمام المنزل تمثال تذكاري يمثل يدا تقبض على طائرة تابعة لسلاح الجو الأميركي.
وبعد أن استمع بوتين والقذافي إلى النشيدين الوطنيين للبلدين سار الزعيمان أمام صف حرس الشرف وقدما لبعضهما أعضاء وفدي البلدين. ثم توجه بوتين والقذافي بعد ذلك لعقد المحادثات التي تجرى عادة في الخيمة البدوية التي نصبت في مقر القذافي في «العزيزية». وعقد الزعيمان مباحثات مغلقة حضرها اللواء أبوبكر يونس جابر أمين اللجنة العامة المؤقتة للدفاع، بالتزامن مع جلسة مباحثات ليبية روسية عقدت بطرابلس لبحث آفاق التعاون الثنائي بين البلدين وسبل تعزيزه في مختلف المجالات.
وأقام القذافي حفل عشاء ترحيبا ببوتين أكد خلاله على الأهمية التاريخية والإستراتيجية لزيارته. وأوضح القذافي أن هذه الزيارة «تأتي لبناء علاقات ثنائية بين ليبيا وروسيا في مرحلة جديدة مختلفة عن العلاقة التي كانت موجودة بين ليبيا والاتحاد السوفييتي السابق، وفي عالم يختلف أيضا عن العالم الذي كان موجودا في ذلك الوقت. وأكد الزعيم الليبي على أن زيارة بوتين التي تعد أول زيارة لرئيس روسي لليبيا، تعتبر زيارة تاريخية وإستراتيجية مهمة جدا».
وعزا القذافي، السبب في بدء سباق التسلح إلى الخلل في التوازن الدولي شجع على ذلك. وقال «من هنا أصبح الردع المتبادل للأسف الشديد، ضروريا الآن لحفظ السلام في العالم». واعتبر أن تسيير العالم بقطب واحد، في إشارة ضمنية إلى الولايات المتحدة الأميركية، «أدى إلى مخاطر جسيمة على السلام الدولي»، مشيراً إلى الأحداث التي شهدها البلقان والتي يشهدها الشرق الأوسط وفي العراق حالياً، وفي الشرق الأدنى وفي أفغانستان.
ورغم أن القذافي رأى أن العالم الآن بدأ يرتاح شيئا ما عندما أُعيد بناء القوة الروسية الرادعة من جديد، اعتبر أن تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الشيشان والعراق وأفغانستان والبوسنة والهرسك، أدى إلى انتشار الإرهاب على نطاق واسع. وأشار إلى أن الردع النووي حال دون وقوع حرب على مستوى عالمي حتى الآن، وقال «عندما لا يكون هناك ردع يختل التوازن الدولي».
وطالب الزعيم الليبي بمواجهة احتكار المواد الغذائية، معرباً عن انزعاجه من ارتفاع أسعارها في العالم. وقال إن هذا شيء في غاية الخطورة لا بد من مواجهته. ومن جهته، أبدى الرئيس الروسي، في كلمته خلال حفل العشاء، تأييده لكلام الزعيم الليبي «بأن هناك الكثير من المشاكل في العالم الحالي.. علينا بأن نفكر سوية حول مهمة إصلاح الأمم المتحدة التي في رأينا تحتاج إلى إصلاح أجهزتها».
وأشار إلى أنه منذ مدة تجاوزت الـ 20 عاما لم تكن هناك لقاءات على المستوى الأعلى بين البلدين، مشيرا إلى أن روسيا وليبيا قد مرتا خلال ذلك الوقت بسلسلة من المشاكل التي تجاوزتاها بنجاح. وجدد حرص روسيا على تعزيز علاقات صداقتها وتعاونها مع ليبيا، مبديا ارتياحه للتطور الذي تشهده العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وقال لقد قمنا بإعداد عدد كبير من الاتفاقيات للتوقيع عليها في هذه الزيارة.
وجدد الرئيس بوتين الدعوة للقذافي لزيارة روسيا. ويرافق بوتين، في هذه الزيارة وفد رسمي واقتصادي كبير يضم وزير الخارجية سيرغي لافروف ونائب رئيس الوزراء ووزير المالية أليكس كودرين ومساعد الرئيس الروسي سيرغي برنجودكو ومدير الهيئة الفدرالية للتعاون العسكري والفني ميخائيل دميتريت ومدير الوكالة الفدرالية للصناعة اندري دوترف، إلى جانب عدد كبير من مدراء كبريات الشركات النفطية والمصارف الروسية.
وقال وزير الخارجية الليبي عبدالرحمن شلقم إن بوتين أشاد بالتعاون الكبير بين البلدين في مجال النفط والغاز، وانه أبدى ارتياحه لقيام عدد من الشركات الروسية بالعمل في ليبيا في مجال النفط والتنقيب عن الغاز واستخراجه.
روسيا تلغي ديون ليبيا مقابل عقود أعلن وزير المالية الروسي ألكسي كودرين أن بلاده ألغت ديوناً ليبية بقيمة تفوق 5. 4 مليارات دولار (8. 2 مليار يورو) تعود إلى عهد الاتحاد السوفييتي مقابل عقود «بعدة مليارات الدولارات للشركات الروسية».
ونقلت وكالة انترفاكس الروسية من طرابلس عن كودرين قوله «بما أن تلك القروض كانت محض عسكرية، فإن روسيا تلغيها مقابل عقود بعدة مليارات الدولارات لصالح شركات روسية». وأوضح الوزير الروسي أن الديون في مجملها تبلغ 6. 4 مليارات دولار «لكن خلال التفاوض خفض المبلغ إلى 5. 4 مليارات دولار نظراً لعدة إجراءات مصرفية».
وكانت ليبيا شريكاً كبيراً للاتحاد السوفييتي سابقاً واحد أكبر مستوردي أسلحته لكن بعد انهيار الاتحاد عام 1991 توترت العلاقات بدون تسوية مسألة الديون. وسددت روسيا الغنية بالمحروقات، خلال السنوات القليلة الماضية تدريجيا ديونها إزاء الدول الغربية وفي الوقت نفسه ألغت ديون عدة دول موروثة عن العهد السوفييتي.
ولم يوضح وزير المالية الروسي طبيعة العقود التي فازت بها الشركات الروسية لكنه أشار إلى أنه تم التطرق إلى عقود أسلحة قبل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ليبيا. إلا أن رئيس شركة السكك الحديدية الروسية فلاديمير ياكونين أعلن التوقيع على عقد بملياري دولار لبناء خط سكك حديدية يبلغ طوله 500 كلم ويربط بين سرت وبنغازي. وقال ياكونين إن الخط «سيربط تقريبا مصر بتونس».
طرابلس ـ سعيد فرحات، والوكالات
