حلت أمس الذكرى الـ 29 لاحتلال السفارة الأميركية في إيران عقب سقوط نظام الشاه الذي كان يقيم علاقات تحالفية وطيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن الأمور الآن تبدو في ذروة السوء، وبخاصة على خلفية النزاع المتأجج بشأن الملف النووي الإيراني والوضع في العراق في ضوء الاتهامات الأميركية للإيرانيين بانتهاج منهج تدميري رغم وجود توصية من لجنة بيكر ـ هاميلتون إلى إدارة الرئيس جورج بوش بالحوار مع طهران.

وامتزجت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بكثير من المد والجزر حتى في فترات القطيعة الطويلة فخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988) مدت الولايات المتحدة إيران بالسلاح، كذلك كانت هناك «نافذة حوار» بين الجانبين في الجزء الأخير من عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي، مع تعاون على استحياء في الحرب على الإرهاب وفي ضمان الأمن على الحدود الإيرانية الأفغانية. ويمكن القول إن الإدارة الأميركية وقعت في كثير من الحسابات في التعامل مع الملف الإيراني، وكانت البداية في غضها الطرف عن إسقاط حليفها الشاه محمد رضا بهلوي بسبب ما اعتبرت أنه قدرة النظام الجديد على الوقوف في وجه المد الشيوعي نحو المحيط الهندي والخليج العربي قبل أن تدخل العلاقة بين الطرفين نفقاً لا تبدو له نهاية حتى الآن باقتحام عشرات الطلبة الثوريين السفارة الأميركية واحتجاز طاقمها وعدد من عناصر الاستخبارات مدة 444 يوماً.

أخطاء إستراتيجية

ولا يمكن الحديث عن التصعيد ضد إيران دون التطرق إلى الأسباب التي أدت إلى تعاظم التأثير الإيراني في العراق، وفي المنطقة بشكل عام، والسبب الأول في ذلك الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين رغم ضعف نظامه في العقد الأخير من عمره.

ومع ذلك، فالسياسة الأميركية وإن حققت لإيران مع أخفقت فيه لعقود بغزوها العراق وإسقاط صدام حسين وقبلها بأشهر قليلة إسقاطها نظام طالبان الحاكم في أفغانستان على الحدود الغربية إلا أن المصالح التي اتفقت إلى حد ما وصلت إلى مرحلة الصدام في العراق.

حيث فشلت أميركا في إحلال الأمن في هذا البلد فاتهمته بدعم التمرد وتسليح القاعدة ومناصري نظام صدام، ثم عندما تحالفت أميركا مع السنة في إطار ما يعرف بـ «الصحوات» كالت الإدارة الأميركية الاتهامات إلى إيران بدعم الميليشيا الشيعية المناهضة للوجود الأميركي، وفي هذا السياق كانت الاتهامات لها بتفجير الأوضاع في منطقة البصرة الجنوبية.

وتكاد تكون إيران اليوم الصداع الأول داخل عقل صانع القرار الأميركي بسبب العدد الكبير من ملفات الخلاف بين أميركا والحكومات الإيرانية المتعاقبة. وما يزيد من تعاظم تأثير الخلافات مع أميركا التدخل البعيد المدى جغرافياً لإيرانيين في ملفات تعتبر تهديداً استراتيجياً للحليف الأول.. إسرائيل، فاليد الإيرانية باتت مؤثرة في لبنان عبر الدعم المادي لحزب الله اللبناني، وفي فلسطين عبر دعم حركتي حماس والجهاد.

الصراع على العراق

كانت زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى العاصمة العراقية بغداد في مارس الماضي حدثاً مهماً على صعيد العلاقات الإيرانية العراقية وحتى العلاقات الإيرانية الأميركية، فالعلاقتان تبدوان من خلال أحداث العقود الثلاثة الماضية مرتبطتان. فالزيارة أعطت إشارات على أن النفوذ الإيراني في العراق خرج من مرحلة العمل من وراء الكواليس إلى الأضواء.

وهو ما قد يفسر ذلك الهجوم الذي شنه قائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بترايوس في الأسبوع الأول من الشهر الحالي باتهامها بلعب «دور تدميري»، فضلاً عما حملته في تفاصيلها المواجهات الحربية الضارية بين القوات العراقية المدعومة أميركياً وميليشيا جيش المهدي في مدينة البصرة التي كانت شبه هادئة طوال خمس سنوات.

وقال بترايوس في تقريره إلى مجلس الشيوخ الأميركي إن ما جرى في البصرة يؤكد على الدور «التدميري» الذي تلعبه إيران في تمويل وتدريب وتسليح العناصر المناوئة للأميركيين. ومع ذلك، لم تخل العلاقة بين واشنطن وطهران من مساع أميركية للحوار،ة وبشكل خاص بشأن الوضع في العراق، وكانت البداية بطلب السفير الأميركي السابق لدى زلماي خليل زاد من الرئيس بوش في أواخر العام 2005 السماح له بالدخول في حوار دبلوماسي مباشر مع إيران.

المواجهة المحتملة

في نهاية العام الماضي اتخذ قرار سري في مجلس النواب الأميركي بأغلبية ساحقة أرسل إلى مجلس الشيوخ يأذن للرئيس بشن «حرب وقائية» على إيران عقاباً لها على مشروعها النووي. ولكن هذا العمل العسكري يبدو مستبعداً في المدى المنظور بسبب عدم استطاعة واشنطن تشكيل حلف عسكري لضرب إيران فكثير من حلفاء أميركا وشركائها في سياسة العقوبات التي تتزايد ضغطاً على إيران عبروا عن رفض بلادهم لأي عمل عسكري ضد إيران، وتبدو خارج هذا السرب وحيدة إسرائيل التي تضغط على تنفيذ العمل العسكري.

وصية الحوار

وكانت توصيات لجنة بيكر- هاملتون (وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر وعضو مجلس الشيوخ لي هاميلتون) الصادرة في العام 2006 في إطار تقرير عن تقييم الوضع الأمني والسياسي دعت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى الحوار مع دول الجوار العراقي وبخاصة إيران وسوريا لإشراكهما في جهود تخفيف موجة العنف الطائفي التي تجتاح هذا البلد.. وبالفعل عقد الجانبان الأميركي والإيراني خلال العام 2007 ثلاث جولات نجحت في تحقيق «تفاهم ما» لكنها لم تصل إلى توافق وكان من المفترض أن تجري جولة مفاوضات رابعة لكن الجانب الأميركي لم يحضر.

وكانت هذه العلاقة المضطربة شهدت تطوراً مهماً مع استقالة قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال وليام فالون والتي تردد أن سببها اختلاف في وجهات النظر بينه وبين الإدارة السياسية في البيت الأبيض حيال إيران بعدما وصلت هذه التباينات إلى ساحات الصحافة، إذ كان فالون كتب مقالة في صحيفة «إيسكواير» أشار فيها إلى وجهات نظره المعارضة لسياسة بوش التصعيدية إزاء إيران.

خيارات صعبة

الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأميركية تبدو صعبة صعبة، خصوصا أن ولاية الرئيس جورج بوش أوشكت على الانتهاء. وإذا كان اللجوء إلى خيار القوة صعبا وحرجا في الملف النووي. لهذا، بادر الإتحاد الأوروبي إلى وضع عدد من الاقتراحات لحل الأزمة ولمنع التصعيد الإيراني الأميركي.

حيث قدَّم إلى حكومة طهران عرضاً يتضمن الاعتراف بحقها في الحصول على الطاقة النووية للأغراض السلمية بالإضافة إلى مساعدات عينية مع ضمان عدم اعتداء الولايات المتحدة عليها بسبب برنامجها النووي. ومن أبرز هذه المقترحات أن تحصل إيران على اليورانيوم المخصب من روسيا وتوقف التخصيب على أراضيها، الأمر الذي رفضته طهران.

وفي ضوء غياب أفق للتفاهم والتوافق.. تحققت ثلاث مراحل من العقوبات المتدرجة على إيران التي واجهت ذلك بزيادة قدراتها في مجال تخصيب اليورانيوم وضاعفت أجهزة الطرد المركزي، حتى أنها أعلنت أنها أصبحت دولة نووية. وليس من المتوقع أن تؤثر العقوبات التجارية والمالية بمختلف أشكالها على إيران لأسباب عدة أهمها: قدرتها المالية الضخمة وتوافر احتياطيات نقدية مهمة لديها.

وتوافر عناصر الاكتفاء الذاتي في العديد من مجالات المعيشة، بالإضافة إلى استحالة فرض عقوبات مالية كتلك التي فرضت على العراق على مدى12 عاما. فتجميد حصة إيران النفطية قادر على إشعال الأسعار ما من شأنه إحداث هزة عالمية.

تاريخ طويل من العلاقات المتشنجة

في ما يلي تسلسل زمني لما اعترى العلاقات الإيرانية الأميركية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران:

* 4 نوفمبر 1979: متظاهرون من الطلبة الإسلاميين يحتجزون قرابة 60 شخصاً في السفارة الأميركية مطالبين بتسليم الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يتلقى العلاج بالولايات المتحدة إلى إيران.

* 14 نوفمبر: واشنطن تجمد أموال إيران في المصارف الأميركية.

* 7 أبريل 1980: انقطاع العلاقات الدبلوماسية بمبادرة من الرئيس الأميركي جيمي كارتر.

* 20 يناير 1981: الإفراج عن آخر رهينة في السفارة الأميركية، وهو اليوم الذي صادف تولي الرئيس رونالد ريغان مهامه.

* 4 نوفمبر: اندلاع فضيحة إيران غيت، بشأن قضية بيع أسلحة أميركية إلى طهران مقابل الإفراج عن الرهائن الأميركيين في لبنان.

* 3 يوليو 1988: فرقاطة فينسين الأميركية تطلق النار على طائرة مدنية إيرانية فوق الخليج والحصيلة مقتل 290 شخصا.

* 3 يونيو 1989: وفاة الامام الخميني

* 27 يناير1993: أول وفد رسمي إيراني يزور الولايات المتحدة.

* 26 فبراير1993 واشنطن تتهم طهران بالوقوف وراء هجوم ارتكبه «متطرفون إسلاميون» على مركز التجارة العالمي في نيويورك، خلف ستة قتلى وألف جريح.

* 30 إبريل 1995: واشنطن تعلن حظرا تجاريا وماليا كاملا على إيران.

* يونيو 1996: الكونغرس الأميركي يصادق على فرض عقوبات على الشركات المستثمرة في النفط أو الغاز في إيران.

* مايو 1997: انفراج بسيط في العلاقات بعد انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي.

* 17 مارس 2000: واشنطن تخفف العقوبات الاقتصادية على إيران.

* 15 سبتمبر 2000: لقاء غير مسبوق بين وزيري خارجية إيران كمال خرازي والولايات المتحدة مادلين أولبرايت على هامش اجتماع الأمم المتحدة بشأن أفغانستان.

* 22 يونيو 2001: القضاء الأميركي يتهم مسؤولين إيرانيين بالتورط في اعتداء الخبر في المملكة السعودية التي قتل فيها 19 جنديا أميركيا في يونيو 1996.

* 29 يناير 2002: جورج بوش يصنف إيران في خانة محور الشر.

* 27 مايو 2003: واشنطن تحض إيران على التحرك ضد القاعدة. وفي يوليو تعترف طهران لأول مرة بأنها تعتقل عناصر «شبكة إرهابية» كبيرة وتعتزم تسليمهم.

* 17 يناير 2005: جورج بوش يتحدث عن تدخل عسكري محتمل ضد طهران لمنعها من امتلاك السلاح النووي.

* 3 مايو 2006: بدعم من واشنطن تقترح باريس ولندن مشروع قرار على مجلس الأمن الدولي يشير إلى البند السابع من قانون الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة.

* 8 مايو 2006: الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يكتب رسالة إلى الرئيس جورج بوش مقترحا «وسائل جديدة للخروج من الوضع الهش السائد في العالم حاليا».

* ديسمبر 2007: أجهزة الاستخبارات الأميركية تصدر تقريراً جاء فيه أن إيران علقت برنامجها للتسلح النووي منذ العام

دبي ـ نضال حمدان