الحجر الذي التصق بيد أطفال فلسطين في وجه الجبروت الإسرائيلي، نما في يد رمزي وتشكل ليصبح آلة عزف شجية، تسهر عليها رام الله حتى الصباح. وتمتزج الموسيقى والغناء مع العرض السينمائي والرواية في العمل الفني «الكمنجاتي»، لتروي قصة لاجئ فلسطيني كان يرشق الحجارة في طفولته ليصبح شابا يحكي قصة تهجير شعبه بالموسيقى.
ووقف مئات المشاهدين الذين غصت بهم قاعة قصر الثقافة في رام الله يصفقون بحرارة للفرقة الفنية التي أدت العمل بشكل مشترك (نرويجي وفلسطيني وايطالي). ونص العمل الفني الذي كتبته الصحافية الإسرائيلية عميرة هس، يجسد النكبة الفلسطينية في العام 1948، في وقت يحيي فيه الفلسطينيون ذكراها الستين. ويقول المخرج الايطالي جويدو باربيري «ان عملية المزج هذه بين الموسيقى والغناء والعرض السينمائي والرواية، خصوصا وانها من ثقافات مختلفة، هو أروع ما في هذا العمل».
ويتمحور العمل الفني، الذي رواه ممثلان فلسطينيان والممثلة الأردنية نادرة عمران، على قصة الشاب رمزي ابو رضوان (28 عاما)، وأصله من قرية النعاني قرب مدينة الرملة التي احتلتها اسرائيل في العام 1948، حينما كان طفلا في التاسعة من عمره وأصيب في اليد بشظية رصاصة أطلقها جندي إسرائيلي اتجاهه. ووزعت خلال العرض ملصقات كبرى لصورة رمزي ابو رضوان، وهو يحمل الحجارة حين كان في التاسعة في مخيم الأمعري في الضفة الغربية، التقطها له احد المصورين، والى جانبها صورة رمزي وهو شاب يحمل الكمنجة.
ويروي الممثل الفلسطيني صالح بكري أمام الحضور «لو ان رمزي ولد في القرية التي حظروا على جده العودة اليها، لو ان رمزي ولد في الرملة او في يافا او حيفا، لو ان هذه المدن، وجميع القرى المجاورة لها لم تفرغ من سكانها الطبيعيين (..) فأي رمزي سيكون الآن؟ هل يكون مثل أي حفيد دأب على زيارة جده وجدته في القرية؟».
وكانت السعادة واضحة على وجه رمزي عقب انتهاء العرض الفني، وقال لوكالة «فرانس برس» «شعوري حقيقة لا يوصف». وحول ما إذا كان يعتقد ان من خلال الموسيقى سيوصل رسالته وهموم الشعب الفلسطيني أكثر من إلقاء الحجارة، قال ابو رضوان «باعتقادي اني استطيع الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني للغرب بالموسيقى اكثر من اي طريقة سياسية أخرى».
وتخلل العمل الفني مشاهد لفلسطينيين نازحين ولاجئين في عامي 1948 و1967، ومنها لقاء مع جد رمزي (ابو حسين) الذي تحدث عن يوم هجرته. وتعرض الشاشة، الصحافية الإسرائيلية عميرة هس وهي في قرية رمزي الأصلية (النعاني). وتقول هس «كثير من الأجداد الفلسطينيين صلوا لرؤية قريتهم هذه التي هجروا منها، ومنهم من مات قبل أن يراها».
وجاء في نص هس «زرت المنطقة قبل فترة وجيزة، وبالذات الحيز الذي كان ينبغي ان يولد فيه رمزي، القرية التي كان جده يعتاش من ارضها». وتابعت «لذلك لن ينسى الفلسطينيون قراهم لان مصادرة الأراضي الفلسطينية ما زالت متواصلة حتى اليوم»، وتجاهلت هس الحديث عن وجود كيان تنتمي اليه، لكن في حقيقته نشأ على أرض مغتصبة.
وكان رمزي درس الموسيقى في فرنسا، وانشأ علاقات وطيدة مع موسيقيين من مختلف أنحاء أوروبا، وعاد في العام 2000 الى مخيم الامعري في الضفة الغربية وافتتح مدرسة موسيقى لأطفال المخيم. وأثناء رواية الممثلين والعرض السينمائي، تتبادل فرقة الكمنجاتي التي قادها رمزي ابو رضوان، وفرقة نروجية العزف الموسيقى تارة والاغاني تارة اخرى.
ويقول المخرج الايطالي باربيري، وهو واحد من ثلاثة عملوا على اخراج هذا العمل، «ان الرواية ربما ينظر اليها نقاد اسرائيليون على انها تروي جانبا واحدا للصراع الفلسطيني الاسرائيلي» ويضيف «يكون هذا صحيحا، لكن العمل روى حقيقة واقعة تتمثل بالاحتلال وتأثيراته على الفلسطينيين، فمثلا هدم البيوت والمنازل والجدار هي حقيقة لا تحريف فيها». لكن المخرج الايطالي الآخر اوسكار بيتزو له رأي آخر، ويقول «نحن قمنا برواية قصة شاب فلسطيني عاش طفلا وهو يرشق الحجارة ثم تعلم الموسيقى وعاد وافتتح مدرسة للموسيقى، والعمل بكامله ليس سياسيا».
وكتبت إدارة مؤسسة «روماس للموسيقى، التي اشرفت على انتاج هذا العمل الفني، في كتيب وزع على الحضور بان قصة رمزي «مثل جذع زيتونة متغصن، حياة رمزي ابو رضوان نمت تتتبع الالتواءات والعقد، لكنها نمت من دون توقف من الجذور الى السماء». وتابعت المؤسسة «في البداية حياة الشوارع في مخيم الامعري، بعدها رمي الحجارة على دبابات الجيش، ومن ثم اكتشاف الموسيقى ودراسة الكمان في فرنسا حتى الرجوع الى فلسطين وتأسيس الكمنجاتي». وسبق ان عرض هذا العمل الفني مرة أولى في روما أواخر العام الماضي لمد ثلاثة أيام.
(ا.ف.ب)