أذكر خطف الشيخ عبدالكريم عبيد والقنابل المضيئة التي أشعلت سماء ليلنا الطويل... والشيخ راغب حرب، أذكر اسمه الذي اجتاح قريتنا وفخر جدتي الكبير بأنه من قريتها.
أذكر حروباً أخرى، كنت قد أصبحت ناضجة حينها. أذكرها كاملة بتفاصيلها البشعة والمضحكة.
في حروب النضج خاصتي، كانت التفاصيل شبه يومية. نذهب إلى المدرسة، فتقصف اسرائيل، فنهرع إلى الملجأ، نقف بين حين وآخر دقيقة صمت صباحية حداداً على زميل لنا قتل. وفي أحيان أخرى، كنا نفرح لأن امتحان الفيزياء تم تأجيله بسبب القصف، حتى أننا في بعض المراحل كنا نمنّي نفسنا بقصف محتمل كي يتم تأجيل امتحان آخر.
لم تطلني الحرب الأهلية، عرفتها من نزوح أقاربي من بيروت، وكانت بالنسبة إلي فترة لهو ولعب. طالتني حروب إسرائيل كافة، تلك التي عشتها جنوباً والأخرى التي شاهدتها من هنا... من بيروت.
لن أتحدث عن حرب ابريل ولا عن أي حرب أخرى، سأتحدث عن الاجتياح فقط كما أذكره، أنا التي لم تتجاوز الرابعة من عمرها.
على غير عادتها، قامت والدتي بتحضير ركوة ضخمة من القهوة في فترة الظهيرة، جلست في الدار الخارجي تستمع إلى الأخبار من جهاز الراديو وتدخن. طلبت منا الهدوء لأن مكروهاً ما سيقع بعد قليل، ستصل إسرائيل إلى القرية لأنه ووفق المذيع باتت قريبة جداً.
فتحت لنا خزانة الحلوى وقالت: كلوا ما شئتم. ضحكنا، لا بد أن إسرائيل »تخيف« أمي كثيراً كي يرغمها على فتح خزانة الحلوى لنا.
وصلت إسرائيل... بكت أمي، فبكينا.
»على الذكور كافة التوجه إلى المسجد«... هكذا تريد إسرائيل وهكذا طلب منا بلطف شيخ القرية. شقيقي لم يذهب، فهو تحت السن المطلوب، لكن جدي وجميع أشقاء أمي وجارنا وأولاده ذهبوا. وهكذا بقينا، النساء والأطفال... وهم. اقترب دوي الرصاص شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى منزلنا.
لا اذكر وجوهاً لهم، لم أنظر في الوجوه، اختلست نظرة واحدة إلى من كان يأمر والدتي بالعربية بالذهاب إلى الغرفة المنفصلة عن المنزل، والبقاء هناك حتى يطلبوا منا الخروج.. لا أذكر وجوهاً، أذكر فقط عتاد أحدهم.
تركنا منزلنا مرتباً جميلاً كما كان يحلو لوالدتي أن تتركه دائماً، وعدنا إليه بعد 15 دقيقة لنجده مقلوباً رأساً على عقب. والرصاص المبعثر يغطي الأرض، وما زلنا لسبب ما نحتفظ بالسرير الذي اخترقه الرصاص.
تغير كل شيء، كان لنا منزل وقرية... لم يعد لدينا الآن سوى حطام كل شيء. كنت أؤمن بأن جدي سيؤنبهم حين يعود من المسجد... لكنه لم يفعل. هو الرجل القوي الذي كنا نهابه ونخاف منه حين يغضب، ألقى نظرة واحدة على حطام منزله وشاحنته الصغيرة، ولم يتكلم.
لم أصرخ أو أبك كثيراً. بكيت فقط حين رأيت منشفة والدتي الناصعة البياض - مصدر فخرها وتبجحها أمام الجيران - مرمية في الوحول. أما هي، تلك المرأة العصبية بشكل مريع، فتمالكت نفسها بقدرة عجيبة. لا أذكر كيف رحلوا من منزلنا، ليكون المشهد الأخير حديث والدتي مع أحدهم طالبةً منه السماح لها بالانتقال إلى غرفة أخرى كي تضمد جراح أخي الذي داس على الزجاج.
انتقلوا إلى منزل جارنا العجوز الذي كان لا يزال في إحدى الخيم في حقله. كان خياله يتحرك وصوت ابنته يتعالى. كان عليه الخروج لكنه لم يقم بذلك. دوي الرصاص وسقط جسده.
كان أول مشهد للقتل في ذاكرتي، لكنه لم يكن الأخير. عرفت مشاهد عدة متلاحقة، لأصدقاء في مدرستي وللجيران ولقصص لم أرها وإنما حفظت تفاصيلها المخيفة بدقة لكثرة ما سمعتها.
في مكان ما في قريتنا الجنوبية، كان لجدي قطعة من الأرض يزرع فيها جميع أنواع الأشجار ويبيعها كشتلات. كنا نذهب إلى ذلك الحقل باستمرار، نساعد شقيقات أمي في عملهن الدائم هناك.
لم نذهب كثيراً بعد الاجتياح لأن الطريق إلى ذلك المكان تحوّل إلى مصدر رعب... لقد وضعوا بعض الرجال هناك. رموهم أمام دبابة إسرائيلية وسحقوا. لم نكن هناك لكنها قصة ترددت تفاصيلها كثيراً ولمدة طويلة.
.. فجأة أصبحنا نردد أغنية جوليا: »غابت شمس الحق«، لا أذكر ما حدث بين بداية الاجتياح وبين هذه الأغنية.
الآن، انتظر جدي كي يأتي لنذهب سيراً على الأقدام إلى معتقل أنصار حيث خالي. مشينا كثيراً في ذلك اليوم، فلا وقود للسيارات كي نتمكن من الذهاب »برفاهية«، ومن كان لديه القليل فضّل أن يقلّ عائلته.
في مخيم أنصار، تمّ تفتيشي للمرة الأولى، جندية ما اختفت معالم قميصها العسكري تحت »دبابيس الحجاب« الكثيرة التي كانت ترغم النسوة على تركها. وعدتهن بأنهن سيستعدن دبابيسهن حين يخرجن من مقابلة المعتقلين، لكنها لم تعدها لهن.
أرسلتني والدتي في مهمة استدعاء شقيقي وشقيقتي على عجل، مدّت يدها باتجاه علبة الجبنة وسحبت بعض القطع، ووضعتها في جيبي، أخذت رغيفاً من الخبز وأخفته تحت قميص شقيقي وآخر تحت قميص شقيقتي.
همست طالبة منا أن نخرج ونلعب كالعادة، لكن علينا هذه المرة أن نتسلل واحداً تلو الآخر إلى سطح المنزل، ونترك الخبز والجبنة أمام خزان المياه. نخرجها بسرعة من ملابسنا ونعود إليها للمزيد.
أعادت التعليمات مراراً وتكراراً... وإن رآكم أحد، لا تخرجوا الطعام من ملابسكم. أكملوا اللعب.. انتبهوا جيداً لما أقوله.
وهكذا فعلنا، رغيفاً تلو الآخر وقطعة جبنة تلو الأخرى، حتى انتهينا.
لمن كنا نهرب الطعام؟ لهؤلاء القاطنين فوق سطح منزلنا.
»الشباب« كلمة باتت تتردد كثيراً خلال فترة تهريبنا شبه اليومي للطعام. إذاً، كنا نهرب الطعام للشباب..