لم تتمكن ذاكرة أم علي (94 عامة) من طرد الحروب التي عاشتها منذ صغرها، بدءاً من الحرب العالمية الأولى في العام 1914 وصولاً إلى العام 2006 مع حرب يوليو الأخيرة.

عليك أن ترفع صوتك للتكلم معها: «ستو يا ستو اسمعوني شوي»، تهدي لقب الحفيد إلى كل من تصادف، قريب الصلة كان أم بعيداً. تسألها عن ذاكرة الحرب، ترتعش خوفاً لدقائق قبل أن تقول «قالوا لي ان الحرب على الأبواب، لا أريد حرباً، أخاف من الصواريخ، يزعجني أزيز الرصاص، دخيلكن ما بدي حرب».

يصعب على ام علي فهم كلمة «الحرب الأهلية». تروح تتذكر أحداثها عند لفظ اسم ام طوني: «حين هدأت الأوضاع في السبعينات، استأجر زوجي أرضاً زراعية في منطقة فرن الشباك. كنا نزرع جميع أنواع الخضار والفاكهة. ذات يوم، تجمّع بعض الشباب وقاموا بحرق دواليب وسكّروا الطرقات. قتلوا حينها واحداً في صيدا يا ستو» (وتقصد به معروف سعد). ثم انهارت باكية: «يا دلّي شو بدو يصير».

تردد عبارات خارج سياق الحديث وذات سياق آخر، ثم تروي الحرب بين الكتائب والأحرار. تستعجل: «إم طوني قالت لي روحك مع روحنا حين اقتربت عناصر من الكتائب وسألتني عن اسمي، بعدها خبأتني وزوجي عندها في الملجأ في عين الرمانة. كان المسيحيون يبتاعون الخضار والفاكهة من عندنا. كنا نسكن في منطقة الشياح. كل الميليشات كانوا يعرفوني ويحبوني كثيرا».

تؤكد تلك المحبة بالدليل، أي حين كان يطلب منها المسلحون العودة إلى المنزل بسبب القنص الكثيف على الشارع الفاصل بين الشياح وعين الرمانة حيث تقطن أم طوني.

تتابع الرواية: «في أحد الأيام، توجهت من منزلي إلى الأرض في فرن الشباك. صرخ في وجهي أحد المسلحين. كان يوجّه سلاحه صوب الشياح. لم يسمح لي بالمرور. خفت على ام طوني. انتظرت قليلاً ثم سرّبت بسرعة إلى فرن الشباك من دون أن يشعر أحد بمروري. كانوا يحرقون الطرقات.

شاهدت حصاناً ميتاً وجثثاً هامدة على الأرض. وصلت إلى منزل ام طوني، ورفضت الابتعاد عنها، وبقيت معها ستة أيام في الملجأ. ستة أيام تحت الأرض هي تصلّب وأنا أصلّب معها. كنا نقول: لو ما شبابانا كنا رحنا».تتوقف ام علي عن الحديث لنفهم أن ذاكرتها عن الحرب الأهلية قد انتهت هنا.

إسرائيل هي الأصعب

رغم الحروب الطويلة التي عاشتها ام علي، تبقى حرب الثلاثين يوماً على لبنان خلال العدوان الإسرائيلي الأخير هي الأصعب بالنسبة إليها. لم تترك العجوز مسقط رأسها كفرصير (قضاء النبطية في جنوب لبنان) خلال تلك الفترة: «يا رب يا رب يا رب». تلك الصيحات المتتالية كانت آنذاك رد فعل ام علي على الحجارة التي سقطت على رأسها وهي جالسة على شرفة المنزل. فلقد أصابت صواريخ العدو بيتا مجاورا لمنزل ام علي. سارعت إلى الاختباء عند الجيران حيث استُقبلت بالدعوة: «تفضلي يا حجة، إن شاء الله بحسنتك ما بصرلنا شي».

تقول فجأة: «انهدم بيتنا، إسرائيل انتصرت عليه ودمرته».

نسألها عن لبنان اليوم فتجيب: «أصل إسرائيل أميركا. ولن يدعونا نعيش بسلام. ليش هزت الدنيا؟ ليش القمر انكسف؟ راح الدين. العالم ما بقى تعرف الله. بكرا البحر بدو يبلعنا. أنا أعتبر نفسي نازحة في بيروت عندما تستضيفني إحدى بناتي في منزلها. كفرصير هي الوطن الغالي. ومهما تغربنا وتركنا وطننا سنعود إليه يوماً».

بيروت ـ زينة برجاويس