منتصف ليل 12 ـ 13 ابريل.. حانات ومقاهي الحمراء تذيع أغنية «خدلك موقف». كانت المرّة الأولى التي يستمع بها جمهور، غير شباب «نحن كلّنا»، إلى الأغنيّة التي تمّ تسجيلها خصيصاً في ذكرى الحرب اللبنانيّة. وهي عمل من ضمن نشاطات كثيرة أخرى نظّمها كثيرون في العاصمة، بشكل خاص، استذكاراً للحرب الأهليّة التي يبدو أن إحياءها احتمال وارد وإن اختلفت الاصطفافات بعد 33 عاماً.

لم يغفُ ناشطو «نحن كلّنا» في تلك الليلة. فصباح الأحد الباكر بدأوا جولتهم في مناطق بيروت انطلاقاً من الحمراء مروراً بالأشرفيّة ورأس النبع والطيّونة وكورنيش المزرعة وعين المريسة وصولاً إلى شارع بلس، قبل أن يتوجّهوا إلى صيدا ليعودوا ليلاً إلى وسط العاصمة فالحمراء مجدّداً.

في محطّاتهم الكثيرة، راحوا يبثّون أغنيتهم عبر مكبّرات للصوت في حين كانوا يوزّعون على المارة منشورهم الذي حمل عنوان «الحرب الأهليّة كانت جوعاً موتاً سرقة اتجاراً بالإنسان نار دمار... وما انحلّت القصة. خدلك موقف... كبّر عقلك». كانوا حوالي ثلاثين. غالبيّتهم يكبرها العام 1975 وحربه بأكثر من عقد من الزمن. لكنهم رأوا أنفسهم معنيّين بما حصل وبما قد يحصل فقرّروا «نفض الغبار» عن عقولهم و«استعمالها يومياً» داعين مواطنيهم إلى القيام بالمثل بعد «نزع النايلون» عنها (عقول مواطنيهم).

لم يبدأ هؤلاء نشاطهم عشيّة ذكرى الحرب وإن لم يمض على اجتماعهم للمرّة الأولى أكثر من شهرين. فالمجموعة قامت خلال أحداث غزّة في فبراير الماضي: «كنا قد التقينا وقرّرنا أن نقوم بشيء ما.. إنساني ثقافي بحت بعيداً عن التجاذبات السياسيّة وغيرها. وكان نشاط الرملة البيضاء في 18 فبراير».

هكذا تختصر نارمين الحرّ (21 عاماً)، وسحر الأمين (22 عاماً)، وزهراء عقيل (21 عاماً) بدايات المجموعة. وبينما كانت الفتيات يشرحن أهداف المجموعة، كان عمر كبّول وعمر حسامي وأنيس حبّال يهتمّون ببعض التفاصيل المعلّقة في ما خصّ نشاط يوم الأحد الماضي.

«نحن نسعى لإيجاد بيئة تحثّ المجتمع الأهلي على تسخير طاقاته الفكريّة والعلميّة والفنيّة لحلّ نزاعاته الداخليّة بطريقة خلاقة لا عنفيّة، تحول دون الرجوع بنا إلى الحرب الأهليّة». هم يؤمنون بأنه يمكن مناهضة الظلم والاستبداد، داخلياً كان أم خارجياً، بطرق مختلفة، وفي كلّ شكل من أشكال المناهضة عنصر ثقافي: «فإذا لم تكن هناك نهضة ثقافيّة مستمرّة يكون بذلك انتحار. من هنا مناهضتنا هي عمليّة متكاملة، جزء منها ثقافي».

منذ نشاطهم الأوّل، رفضوا تسييس نشاطهم بحرصهم على البقاء بعيدين عن الأحزاب: «ساعدنا كثيرون. كنّا مجموعة شباب تعبّر بطريقة مختلفة، ولم نكن حزباً يرصد أعداد الذين تمكّن من حشدهم على الأرض». واقتربت ذكرى الحرب اللبنانيّة وأرادوا القيام بشيء مختلف: «فكرتنا الأساسيّة هي أن الحرب الأهليّة لا تتلخّص بالاحتدام الطائفي فحسب. هناك الحرب الاقتصادية والفقر والزبائنيّة وغيرها.. وهدفنا القول إن الحرب تمارس في كلّ يوم وإن من دون اقتتال، والسؤال: هل أنتَ يا مواطن فاعل في إحياء هذه الحرب؟».

وراحوا يصمّمون منشورهم. لكن، وفي حديث عرضي مع المخرج محمود حجيج حول المشروع، أشارت نارمين إلى أن المجموعة كانت ترغب بإعداد أغنية. فأعلمها حجيج أن سامر السعيدي كان قد وضع قبل حوالي العام أغنية لكنه أبقاها في الدرج رافضاً تلحينها: «وكان منا أن أقنعنا سامر.

وجعلنا كلام الأغنية يتوجّه إلى المواطن وليس إلى الزعيم. نحن يئسنا من التوجّه إلى السياسيين». وتمّ تسجيل الأغنية. أما الخطوة الثانية فإعداد فيديو كليب من إخراج حجيج. لم ينجحوا في تصوير الأغنية قبل 13 ابريل.. لكن المشروع قائم إلى حين تأمين التمويل المطلوب.

سحر وزهراء ونارمين متأكّدات من أن المجموعة لن تتمكن من إيصال رسالتها في نشاط يوم واحد: «قد لا يترك ما نقوم به أيّ أثر يذكر، لكننا نريد أن نقول لمواطننا: أنت مسؤول. للزعيم مصلحة في أن يكون كما هو، لكن من غير الجائز أن يبقى المواطن في حالة نقّ بعد الآن. نحن ندعوه لاتخاذ موقف». وتسأل الفتيات «المسؤولية تلقى دائماً على من هو (فوق)، لكن من يعيد المسؤولين إلى مراكزهم في الانتخابات؟ المواطن».

هل يشعر هؤلاء الشباب بأنهم مسؤولون، إلى حدّ ما، عن حرب جديدة قد تقع؟ وهل يحاولون أن يزيحوا عنهم هذه المسؤوليّة من خلال ما يقومون به؟ «بالطبع، نحن نحاول القيام بما استطعنا حتى لا تقع الحرب. نحن من سيتأذى في النهاية.. فمن هو على الحياد قد يكون أكثر المتضرّرين. نحن بالتأكيد لن نحمل السلاح ولن نقاتل. لكن، مِن حولنا، في الجامعة، وأينما كان أناس يتسلّحون ويتهيّأون». فتقول زهراء هنا «أنا لست مثلهم (رفاقها في المجموعة). لم أدرس العلوم السياسيّة ولم أقرأ في يوم كتاباً عن الحرب، لكنني أعلم أن حرباً وقعت ولا أريدها أن تقوم من جديد. فأنا لا يمكنني أن أتخيّل هذا يقتل ذاك».

هي ليست من النوع الذي قد يستنبط طائفة الآخر إذا ما علمت من أيّ منطقة هو«عندما عدت إلى لبنان وكنت في الثامنة من عمري، لم أكن أعرف الفرق بين شيعي وشيوعي. لم أكن أفهم لماذا البعض يشتمون آخرين وهم منهم». تضيف سحر«ما بدنا نرجع شرقيّة وغربيّة أو حتى أسوأ من ذلك.

لا نريد أن تكون الأمور عندنا وعندهم.. لا نريد العودة إلى الوراء». أما نارمين فتقول «نحن لسنا قادرين على إيقاف الحرب لكن يمكننا القيام بشيء ما. في الحرب الماضية، كانت هناك أفكار.. كان هناك أناس يحاولون التغيير. اليوم نحن في ركود.. في ذاك الزمن، كان هناك شيء حيّ.. عندنا كلّ شيء عفن.. لا يمكننا إيقاف الحرب لكننا قادرون على دفع الناس إلى التفكير وترك بصماتهم».

وبتفاؤل، تعترف سحر أنه قد يكون زائداً: «إذا وقعت الحرب، لن يكون الزعيم على أرض المعركة.. هو سيستغلّ شبابه. فإذا أوصلنا الرسالة إلى هؤلاء الذين قد يشاركون في الحرب.. ربما يمتنعون». وتؤكّد نارمين «نحن لا نعرف ما هو الحلّ. لسنا مؤدلجين ولا ننتمي إلى أيّ حزب كان. نحن لا ندّعي أن هذا هو الحلّ الأنسب للبنان، لكننا نعلم أن إيصال المعلومة الصحيحة والموضوعيّة بحدّ ذاته هو رسالة يمكننا أن نحملها في محاولة لإيجاد الحلّ من قبل أحد ما».

ما تحاول المجموعة القيام به هو تحفيز معيّن أو تنبيه. وتشرح زهراء (من ضمن اختصاصها العلمي): «إن البكتيريا بحاجة إلى محيط خاص حتى تنمو، وهذا ما هو حاصل. هم (مهندسو الحرب الآتية) يخلقون البيئة التي يريدون أن يحيوا أفكارهم فيها».. من هنا واجب المبادرة.

بيروت ـ ميليا بوجودة