أناب المشاركون في مؤتمر الجنادرية الثقافي السعودي الأخير في شهر مارس الماضي، الدكتور رضوان السيد في الحديث عنهم أمام العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز. مما جاء في كلمته أن عهد الملك عبدالله بدأ بالإقبال على تجديد فكرة الدولة والشرعية بالداخل السعودي عبر حلقات ثلاث. الأولى صون الأمن والاستقرار عبر مكافحة الاختراقات الأمنية سواء كانت من الداخل أو الخارج ونشر ثقافة المواطنة والعدالة.

الحلقة الثانية تجديد الدولة والشرعية عبر تقديم واجب المشاركة بين الناس لنشر أحاسيس الثقة بين القيادة والشعب. أما الحلقة الثالثة فتركزّت على النهوض بالمؤسسات والمرافق العامة وتطوير حياة المواطنين باتجاه النمو. ثم تحدّث الدكتور السيد عن نهضة الدور الخارجي السعودي في العالمين العربي والإسلامي دعماً للسيادة والاستقلال، حيث هناك ضرورة لها وتصدّياً للعجز عن التفكير في القضايا الكبرى.

وضع الدكتور السيّد عناوين مرحلة حرجة من حياة السياسة السعودية في أسطر قليلة. لا يمكن معرفة مدى معاناة القيادة السعودية من نتائج أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك، إلا حين تعود بحديثك مع أحد المسؤولين السعوديين أو أحد المتابعين للمسألة من أعضاء مجلس الشورى أو رجال الأعمال، إلى تلك الفترة.

تجد في ثنايا الحديث السعودي أن هذه الأحداث وضعت العناوين السعودية الثابتة المستقرة المشتهرة بالصبر والصمت، على طاولة بحث لم تكن الإدارة السعودية مهيأة لها، في السياسة قبل الأمن. فقد عرّضت هذه الأحداث التي جرت منذ أكثر من ست سنوات العلاقات السعودية الدولية إلى حرجٍ لم تتعوّده الإدارة السعودية، من قبل ولا يمكن لها أو لغيرها من الإدارات العربية أن تتوقعه.

صار التسلسل في الخلافة السعودية على كرسي الحكم بين أبناء موحّد المملكة الراحل عبد العزيز موضوعاً يومياً في الإعلام الأجنبي. ليس في المنصب الأول فقط، بل في الثاني والثالث أيضاً فصارت أعمار الأمراء وحالتهم الصحية وسلوكهم الاجتماعي جزءاً من السيرة اليومية في السياسة الدولية. تبع ذلك نسج روايات لم تنته فصولها حتى الآن.

كذلك في التعليم الديني. نُشرت دراسات جدية من المحافظين الجدد في أميركا ومؤسسات الأبحاث التابعة لهم، تروج مزاعم من مثل أن التعليم الديني الرسمي في الجامعات السعودية هو الذي دفع الشباب الذين اخترقوا مباني نيويورك الأشهر بطائرات مخطوفة محققين بذلك آلاف القتلى من المدنيين الأبرياء. فالمناهج المعتمدة في هذه الجامعات المتخصصة، وفق هؤلاء، هي التي تنص على تكفير من ليس للأصول الواردة فيها سواء في حياته الخاصة أو العامة وتحميل غير المسلمين مسؤولية كل ما يقع على المسلمين من مصائب.

ظهرت على مواقع الانترنت السياسية في العاصمة الأميركية خرائط جديدة للمنطقة تعزل المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنوّرة، عن باقي الأراضي السعودية وجعلت لهما ـ أي الخرائط ـ إدارة خاصة بذريعة انه لا يجوز للمدرسة السياسية السائدة في المملكة أن تدير «الإنتاج» الإسلامي للمدينتين الرمزيتين في قداستهما عند المسلمين.

وبفعل هجمة تشويه اقتصادي مماثلة، صارت الودائع السعودية في مصارف الغرب عبئاً على أصحابها. وبدل أن تكون مصدر رخاء والتبرّعات السعودية التي هي جزء تقليدي من الواجبات الإسلامية، تحولت إلى دعم مخطط للتنظيمات الأصولية في كل مكان من العالم.

صار الإرهاب صفة ملازمة في الأوساط الأميركية للمسلمين ـ وخباصة أهل السنّة منهم ـ قبل احتلال العراق، وصارت صورة جواز السفر السعودي في المطارات الدولية فضلاً عن الجوازات العربية والإسلامية الأخرى مصدر متاعب لحامله وقلق للجهة التي تدقّق فيه.

باختصار تم تشريح دولي لسياسة دولة اعتمدت منذ نشوئها على الستر في حركتها وعلى المنخفض في صوتها وعلى حل مشاكلها داخل حدودها قبل أن تنتقل إلى الخارج، مهما كلف ذلك من جهد ومال. زائر العاصمة السعودية هذه الأيام يلاحظ من دون جهد، أن النقاش حول هذه العناوين مفتوح في كل الدواوين لأن العاهل السعودي استطاع بسياسة هادئة ومتمهلة ومتدرّجة أن يتجاوز الكثير من هذه العقبات. وما لم يستطع حلّه وضعه على صفحة المؤجل من جدول أعماله حتى يجد الوقت مناسباً لمعالجته.

أولاً في مسألة الخلافة. لا ينكر السعوديون قلقهم مما حدث في الكويت بعد وفاة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، والصراع الذي ظهر إلى العلن داخل العائلة الواحدة على ولاية العهد وعلى المناصب الأخرى. صحيح أن الكويت تجاوزت هذه المحنة من دون خسائر جدية وعاد إليها استقرار حكمها. لكن هذا لم يمنع القلق السعودي.

تدارس الملك عبدالله الأمر مع مستشاريه وأقر بصعوبة استمرار التقليد الذي يعطي الملك الحاكم حق تسمية ولي عهده. فأنشأ هيئة للبيعة من الأمراء الأحياء من أولاد الموحّد وأكبر أولاد الأمراء الراحلين. وسمّى لرئاستها الأمير مشعل بن عبد العزيز أكبر إخوته بعد الأمير سلطان ولي العهد الحالي. تقوم هذه الهيئة باختيار واحد من ثلاثة أسماء يقترحها الملك المقبل لاختيار ولي عهده.

ومن بعد الولاية المقبلة لولي العهد الحالي تصبح مهمة الهيئة اختيار الملك بالتصويت لمن ترى فيه كفاءة تسلّم المنصب وكذلك ولي العهد. قبل انشاء هذه الهيئة كان الملك دائماً هو الأكبر بين إخوته من أبناء عبدالعزيز ومن يليه في السن يكون ولياً لعهده، وكذلك الأمر بالنسبة للنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، أي انه الثالث بعد الملك وولي العهد في السن أيضاً. لاقت هذه الخطوة ارتياحاً كبيراً داخل المملكة وحققت استقراراً في مسألة كانت دائماً مثار تساؤل.

في التسلسل الحالي الرابع بعد الأمير مشعل رئيس هيئة البيعة، هو الأمير متعب وزير البلديات المعروف بتديّنه والتعبّد في الكعبة وهو يحظى باحترام إخوانه لتعففه عن مشاغبات الحكم. الخامس هو الأمير طلال. السادس هو الأمير نايف وزير الداخلية منذ سنوات طويلة. لهذه الوظيفة طبيعة لا تسهّل عليه القرب من الآخرين ولا تسهّل على الآخرين أيضاً التقرّب منه، لذلك فإن نجله ونائبه الأمير محمد بن نايف هو الذي يقوم بالمهام اليومية للوزارة تاركاً المسائل الكبرى لوالده.

السابع في التسلسل الأمير سلمان، أمير الرياض الذي يعرف لبنان جيداً ويعرفه الكثير من اللبنانيين أيضاً. اختصاص الأمير سلمان غير حكم العاصمة هو إدارة شؤون العائلة المالكة وأمرائها. فهو المعتمد منذ سنوات طويلة لصبره وسعة صدره للتعامل مع مشاكل عائلة مالكة هي الأكبر في العالم. أما اصغر أولاد عبد العزيز، فهو الأمير مقرن رئيس المخابرات، الضابط الطيار الذي شغل منصب أمير المدينة المنورة قبل رئاسته للمخابرات. قد تبدو هذه الهيئة مرحلية، لكنها بالتأكيد وضعت أسساً يمكن البناء عليها لانتقال هادئ في السلطة داخل العائلة الحاكمة بعد ولايتين ملكيّتين على الأقل.

ثانياً: لا شك أن مسألة التعليم الديني أو ما يسمّى «بالمطاوعة» أي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدت أصعب بكثير حتى من مسألة الخلافة داخل العائلة المالكة. لأن جذور هذه الهيئات ضاربة في عمق المجتمع السعودي فضلاً عن مشروعيته المضافة إلى مشروعية الحكم. كل ما تم حتى الآن هو تعديل المواد الدينية في المناهج العادية للتدريس. فبعدما كانت 6 مواد أصبحت أربعاً وتقلّصت النصوص لتركّز على المبادئ العامة وليس على العبادات والأوامر والنواهي فقط.

أحدثت هذه الهيئة الكثير من الهزّات في المجتمع السعودي. وصارت مناقشة تصرفاتها تنشر في الصحف السعودية بين معارضين ومؤيدين. وهناك أفكار متداولة صعبة التحقيق حتى الآن تقترح ضمها إلى وزارة الداخلية باعتبارها جهة مسؤولة عن الآداب العامة والفرائض الدينية.

لا يمكن القول إن هذه المسألة أصبحت على طريق الحل أو التحجيم على الأقل. لكن الجديد في الوضع السعودي أن هناك هيئات مدنية أخرى تنشأ ولو بقرار ملكي. أولها مجلس الشورى الذي بدأ أعضاؤه بتكوين حيثية علنية عن طريق الفضائيات والمحاضرات الداخلية. وأصبح بعضهم نجوماً في مجتمعهم يحسب لرأيهم حساباً مهماً.

ثانيها المجالس البلدية التي انتخبت ولو بشكل جزئي في العام 2005.

ثالثها انتخاب نقابة للصحافيين للمرة الأولى في تاريخ السعودية، بين أعضاء مجلس إدارتها سيدتان.

رابعها، مجلس الحوار الوطني الذي أنشأه الملك عبدالله حين كان ولياً للعهد في العام 2003 بين مختلف المذاهب الإسلامية في السعودية.

خامسها. وافقت القيادة السعودية على تسمية منظمة وطنية للحقوق الإنسانية تهتم بالمعتقلين وتحسين وضع المساجين، دون أن يكون لها دور حتى الآن في الدفاع عن الحريات العامة للمواطنين. لا يزال دور كل هذه الهيئات ناشئاً. لكنها بالتأكيد أحدثت دورة من الحوار الداخلي حول كل المواضيع لم يكن ممكناً بسهولة قبل نشوئها. ويبدو المجتمع المدني السعودي أكثر صبراً في هذه الفترة لجهة تحقيق طموحاته بسرعة، لسببين.

الأول المنافسة على الأصول الدينية تجري بين طرفين احدهما يعتمد التفجيرات في عمله هو تنظيم «القاعدة»، والآخر هو الهيئات الدينية الداخلية.

السبب الثاني أن المجتمع المدني مقتنع برغبة الملك عبدالله بالإصلاحات الداخلية التي يسعى إليها بهدوء وتدرج.

ثالثاً: في السياسة الخارجية. استطاع العاهل السعودي أن يتجاوز الكثير من العوائق التي كانت موضوعة أمام سياسة دولته في الغرب. فبعد القمة الإسلامية التي عقدت في مكة والقمة العربية التي عقدت في الرياض، عادت السعودية إلى الساحات الدولية بمشروع للسلام غيّر الكثير في صورتها. وعادت العلاقات الأميركية السعودية إلى سابق عهدها في التعاون.

حقق هذا التحوّل الخارجي تسليماً سياسياً للملك عبدالله وفريقه الأصغر المؤلف من الأمير سعود الفيصل والأمير مقرن بن عبد العزيز. وحقق في مجال عصبية لهذه السياسة في مجتمع رجال الأعمال الذين رأوا أن باستطاعة العاهل السعودي أن يحمي مصالحهم، وعنفوانهم الذي تعرّض للاهتزاز بعد أحداث سبتمبر 2001.

هذا التسليم السياسي والعصبية الاقتصادية سهّلت على العاهل السعودي تنفيذ رغبته بدور إقليمي يتجاوز الحدود السعودية، رغم اعتراض البعض على الكلفة التي يسبّبها مثل هذا الدور. فالمساعدات الخارجية السعودية المباشرة زادت عن ثلاثة مليارات دولار في العام 2007 بالإضافة إلى قروض مسهّلة للدول بلغت ملياراً ونصف المليار دولار.

ليس الاعتراض مادياً فقط فالسعودية المصدّر الثاني في العالم للنفط، تحقق من الأسعار الحالية للنفط حوالي 150 مليار دولار سنوياً بالإضافة إلى احتياط نقدي يزيد على 400 مليار دولار، واحتياطي نفطي هو الأكبر في العام لل35 سنة المقبلة.

بل إن الاعتراض أن مال النفط وعائداته ليس كافيين للمواجهة السياسية المفروضة على السعودية والتي تجعل قيادتها تخرج إلى مناطق الأزمات في لبنان وفلسطين والعراق وإيران. ويكتفي أصحاب هذا الرأي بالتساؤل فقط، وسط حماسة مجموعات كبيرة سياسية واقتصادية لهذه السياسة الخارجية.

آخر مظاهر هذه السياسة الدعوة التي أعلن العاهل السعودي لحوار بين الأديان متأثراً بلقائه مع البابا بنديكتوس السادس عشر ومبدياً استعداده للذهاب إلى الأمم المتحدة لنشر دعوته، القائمة على اعتبار أن انفتاح الدولة الإسلامية الأكبر على باقي الأديان يحسّن في صورة المسلمين ويطمئن غير المسلمين في العالم الإسلامي. وبالتأكيد فإنه ليس وارداً عند العاهل السعودي مسألة الاتفاق مع إسرائيل. لكن الملك عبدالله ـ حسب عارفيه ـ يريد أن يمحو ما يستطيع محوه من صفة الإرهاب عند المسلمين. فيذهب في سعيه نحو الأبعد.

«الطريقة الميقاتية»: وسطية اللاغلو واللاتفريط

لا يعرف الكثيرون أن عائلة الميقاتي الطرابلسية هي عائلة دينية، وان اسمها جاء من وظيفتها الإسلامية. «فالمواقتة» هم العلماء الذين كلّفوا منذ مئات السنين بمسؤولية توقيت الصلاة في المسجد الكبير في عاصمة الشمال. لم يكتف رجال العائلة التاريخية الجليلة برمزيّتها قبل اختراع الساعات وتطوّر الالكترونيات في مراقبة بزوغ الفجر وانتصاف الظهر وغروب الشمس وهبوط الليل وقت العشاء، بحسب التعبير الديني.

لم يكتف رجالها بهذا الدور بل تطوّرت بهم الأيام من المهمة الموكولة إليهم من أولي أمر المسلمين، إلى البحث والتدقيق والتعمق في المسائل الدينية حتى ظهر منهم علماء كانوا دائما في واجهة العائلة مهما تنوعّت أعمال الآخرين من رجالها. فصار العلم هو صفة العائلة وصارت العِمة هي لباس متقدّميها على مدى الأزمان.

يجمع بين أفراد هذه العائلة رابط السمعة الحسنة، وهي سمة من سمات العديد من عائلات طرابلس، المدينة الأخيرة المحافظة بتشدّد على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. إذ أن ما حولها من قرى ودساكر يضاهيها في المحافظة الاجتماعية التاريخية.

ويؤاخيها في المذهب الديني فيجعلها أمينة على نفسها وعلى أهلها. يهبّ أهلها لنصرة مفاهيمهم العربية تظاهراً وهتافات وفوضى. يذهب بعضهم إلى أقصى الدين التزاما وتطرفا. تفتح جبهتها حين تنتشر الحروب على الجبهات اللبنانية. تثور في وجه الدولة وإدارتها فتعلن العصيان ويصل بعض ساكنيها إلى باب إعلان الإمارة الإسلامية. ثم بكل هدوء تذوب كل هذه الظواهر لتعود المدينة إلى انغلاق بيوتها وعائلاتها على بعضهم البعض، وتنتصر الوداعة المحافظة على كل ما عداها من طباع.

شهدت المدينة التي اسمّيها ب«زاد الخير» منذ وعيت على المسألة العامة، شهدت في الأسبوع الماضي ظاهرة مفاجئة من حيث الشكل. طبيعية في مضمونها العام، منسجمة مع حياة المدينة وأهلها. المفاجأة أن يعقد مؤتمر عربي سياسي في طرابلس تحت عنوان «الوسطية» في الحياة العامة للعالم الإسلامي. أما الطبيعي فهو أن تكون الوسطية في كل أمر، سمة حياة المدن المحافظة على تراثها وعلى استقرار أهلها.

لكن الانسجام الذي حصل بين المدينة و«الوسطية» والمدعوين من خارج البلاد إلى المؤتمر، تحقّق لأن الداعي نجح في كل مجال عمل فيه فقرّر العودة إلى جذور عائلية ليضع عِمة على رأسه، فيصبح «شيخاً للوسطية» اللبنانية. رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي نجح في مجال العمل الخاص بفضل الله أولاً ثم دعاء المرحومة والدته جارته السريّة في الحياة ورفيقة تفكيره الصامت اليومي بعد وفاتها. بانياً نجاحه على أسس وضعها ولا يزال يرعاها شقيقه الأكبر طه الذي يصلح بابتسامته أخطاء الآخرين ويكثر من تعفّفه بالابتعاد الدائم عن علنية كل ما يقوم به أو بإحالته إلى شقيقه.

وضع الحاج نجيب عِمّته على رأسه في فيحائه كما يصر على تسمية مدينته، وقرر أن تجربته في الحياة العامة ولو قصُرت تستأهل العمل على استمرار نجاحها بالقاعدة الشرعية الداعية إلى الاعتدال لا التطرّف، والى التسامح لا الأحقاد، والى السعي للبناء، لا الهرولة نحو الخراب. هذا الجانب الإسلامي. أراده «الشيخ نجيب» مدخلا للبنانيّة منفتحة حاضنة لمفاهيم مشتركة بين تنوّع اللبنانيين ديناً وسياسية.

ليقول في افتتاحية المؤتمر ان «وسطية» تدعو للواقعية السياسية الداعمة لبناء الدولة بدلا من الارتهان لشعارات رنّانة جعلت كل طائفة رهينة لعجز هذه الشعارات عن التحقّق. سمع من الأب الدكتور انطوان ضو كلاماً يذكّر بالبناة الأوائل للبنان الفكرة، قبل ان يصبح دولة، وللبنان الروح قبل ان يتحدّد جغرافياً، وللعالم الإسلامي الذي يسكنه عرب من كل الطوائف بحسب تعبير الدكتور ضو.

لم يستغرب الإشكاليات التي طرحها النقيب رشيد درباس حول المقاومة، جاعلا من تجربتها فخرا للعرب ومن مستقبلها طاولة للتباحث في ضمان بيئة صديقة لمفاهيمها. لا أعرف ما إذا كانت عِمّته تحمّلت دروساً بسيطة أدلى بها منتدون في أصول المخاطبة وآداب الحوار، أو اذا كان صدره اتسع لما سمعه من وقائع حول مواجهة دون حوار بين شرعية عربية رسمية ومشروع إيراني تولّيت شرحه مطالباً الوسطيين بالحكم للحق فيه ولو بالقول حين يعزّ الفعل.

وبين هؤلاء، التفسير الديني الموثّق والمعمّق للوسطيّة في كلمة الدكتور محمد نديم الجسر. كل هذا بإدارة سميحة، خفيفة الظل، ظريفة التعبير، من السيد محمد علي أبطحي النائب السابق لرئيس الجمهورية الإيراني والحامل الدائم للعِمّة السوداء على رأسه. والقادم إلى طرابلس بأفكار وآراء لو أعلنها لسقطت الكثير من الشعارات التي شارك هو في إدارتها لا صناعتها، خلال الولايتين الرئاسيتين للسيد محمد خاتمي في إيران.

بدا المؤتمر وكأنه استعادة لمجد القدامى من علماء «المواقتة» يأخذ الرئيس نجيب ميقاتي ما يحتاجه من تاريخهم ليؤسس مقعدا لطريقة «للميقاتية» في العمل العام. لم تشغله تفاهات الرد على العلم بالجهل، ولا افتعالات التافهين في وجه رقيّ الندوة والمنتدين. لم تردّه عن الاهتمام «بمريديه» وكلامهم ولا شغلته الحداثة التي يعمل في صلبها عن تثبيت عِمّته الجديدة على رأسه. فصار «للمواقتة» طريقة بعدما كانت صفة، وصار للعمل العام شيخ بعِمّة، يهدف واضعها إلى الواقعية السياسية دون تفريط، واليسر في الدين دون غلوّ والعدل ولو بالقول حين يستحيل الفعل على حد تعبير «الشيخ نجيب».

لا تبدو المبالغة في الوصف القول والتوّقع بعيدة عما كتبت. لكن التراكم في المصداقية من طبائع طه التي لابد ان «الشيخ نجيب» أخذ منها الكثير. والشجاعة في الدعوة هي من قواعد الدعاة في الإسلام. ان لم يفعل تكون فريضة حجّته السنوية ناقصة. وهو لن يقبل شكاً بإيمانه فكيف بعدما أصبح شيخ طريقة؟

نهاد المشنوق - (ينشر بالتزامن مع الزميلة «السفير»)